نورت منتديات صداقة سوفت ياآ ~ زائر ~ إن شاء الله تكون بألف خير وعاآفية ... نحن نناضل لبناء مجتمع تعمه معاني الصداقة والأخوة المعمقة بالحب والود
 
الرئيسيةالرئيسية  مكتبة الصورمكتبة الصور  التسجيلالتسجيل  دخولدخول  

"ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا" ***
يُنصَبُ حول العرش يوم القيامة منابِر من نور عليها قوم لباسهم من نور ووجوههم نورليْسُوا بأنبياء ولا شهداء....يغبِطهم الانبياء والشهداء...هم المتحابون في الله على غير انساب بينهم ولا أموال يتعاطونها .



شاطر | 
 

 ذكرى الهجرة النبوية الشريفة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
زكرياء
مدير الموقع
مدير الموقع


البلد : غير معروف
الهواية :
عدد المساهمات عدد المساهمات : 8302
الجنس : ذكر
نقاط : 173830
السمعة السمعة : 186

مُساهمةموضوع: ذكرى الهجرة النبوية الشريفة   السبت نوفمبر 26 2011, 09:32

[table style="border: 12px double violet; width: 90%; background-color: purple;" align="center"][tr][td style=""]

[center]
[size=20]
[b]
[img">http://www.mooode.com/data/media/273/1-501855.gif[/img:2676]
الحمد لله مدبر الشهور والأعوام , ومصرف الليالي والأيام ،
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ذو الجلال والإكرام ،
وأشهد أن محمداً عبده ورسوله المبعوث رحمة للأنام ،
صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الأئمة الأعلام .
أما بعد أيها الأحبة الكرام .

طلائـع الهجـرة

وبعد أن تمت بيعة العقبة الثانية ونجح الإسلام في تأسيس وطن له وسط صحراء تموج بالكفر والجهالة ـ وهو أخطر كسب حصل عليه الإسلام منذ بداية دعوته ـ أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم للمسلمين بالهجرة إلى هذا الوطن‏.‏

ولم يكن معنى الهجرة إلا إهدار المصالح، والتضحية بالأموال، والنجاة بالشخص فحسب، مع الإشعار بأنه مستباح منهوب قد يهلك في أوائل الطريق أو نهايتها، وبأنه يسير نحو مستقبل مبهم، لا يدرى ما يتمخض عنه من قلاقل وأحزان‏.‏

وبدأ المسلمون يهاجرون وهم يعرفون كل ذلك، وأخذ المشركون يحولون بينهم وبين خروجهم؛ لما كانوا يحسون به من الخطر، وهاك نماذج من ذلك‏:‏

1 ـ كان من أول المهاجرين أبو سلمة ـ
هاجر قبل العقبة الكبرى بسنة على ما قاله ابن إسحاق ـ وزوجته وابنه، فلما أجمع على الخروج قال له أصهاره‏:‏ هذه نفسك غلبتنا عليها، أرأيت صاحبتنا هذه‏؟‏ علام نتركك تسير بها في البلاد‏؟‏ فأخذوا منه زوجته، وغضب آل أبي سلمة لرجلهم،فقالوا‏:‏ لا نترك ابننا معها إذ نزعتموها من صاحبنا، وتجاذبوا الغلام بينهم فخلعوا يده، وذهبوا به‏.‏ وانطلق أبو سلمة وحده إلى المدينة‏.‏

وكانت أم سلمة رضي الله عنها و بعد ذهاب زوجها وضياع ابنها تخرج كل غداة بالأبطح تبكى حتى تمسى، ومضى على ذلك نحو سنة، فرق لها أحد ذويها وقال‏:‏ ألا تخرجون هذه المسكينة‏؟‏ فرقتم بينها وبين زوجها وولدها، فقالوا لها‏:‏ الحقى بزوجك إن شئت، فاسترجعت ابنها من عصبته، وخرجت تريد المدينة ـ رحلة تبلغ حوالى خمسمائة كيلو متر تمر بين شواهق الجبال ومهالك الأودية ـ وليس معها أحد من خلق الله‏.‏ حتى إذا كانت بالتَّنْعِيم لقيها عثمان بن طلحة بن أبي طلحة، وبعد أن عرف حالها شيعها حتى أقدمها إلى المدينة، فلما نظر إلى قباء، قال‏:‏ زوجك في هذه القرية فادخليها على بركة الله، ثم انصرف راجعًا إلى مكة‏.‏


2 ـ وهاجر صُهَيْب بن سِنان الرومى
وذلك بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما أراد الهجرة قال له كفار قريش‏:‏ أتيتنا صعلوكًا حقيرًا، فكثر مالك عندنا، وبلغت الذي بلغت، ثم تريد أن تخرج بمالك ونفسك‏؟‏ والله لا يكون ذلك‏.‏ فقال لهم صهيب‏:‏ أرأيتم إن جعلت لكم مالى أتخلون سبيلى‏؟‏ قالوا‏:‏ نعم، قال‏:‏ فأني قد جعلت لكم مالى، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ ‏(‏ربح صهيب، ربح صهيب‏)‏‏.‏


3 ـ وتواعد عمر بن الخطاب، وعَيَّاش بن أبي ربيعة، وهشام بن العاص بن وائل موضعًا اسمه التَّنَاضُب فوق سَرِف يصبحون عنده، ثم يهاجرون إلى المدينة، فاجتمع عمر وعياش، وحبس عنهما هشام‏.‏

ولما قدما المدينة ونزلا بقباء قدم أبو جهل وأخوه الحارث إلى عياش ـ وأم الثلاثة واحدة، وهي أسماء بنت مُخَرِّبَة ـ فقالا له‏:‏ إن أمك قد نذرت ألا يمس رأسها مشط، ولا تستظل بشمس حتى تراك، فَرَقَّ لها‏.‏ فقال له عمر‏:‏ يا عياش، إنه والله إن يريدك القوم إلا ليفتنوك عن دينك فاحذرهم، فوالله لو آذى أمك القمل لامتشطت، ولو قد اشتد عليها حر مكة لاستظلت، فأبي عياش إلا الخروج معهما ليبر قسم أمه، فقال له عمر‏:‏ أما إذ قد فعلت ما فعلت فخذ ناقتى هذه، فإنها ناقة نجيبة ذلول، فالزم ظهرها، فإن رابك من القوم ريب فانج عليها‏.‏

فخرج عليها معهما، حتى إذا كانوا ببعض الطريق قال له أبو جهل‏:‏ يابن أمي، والله لقد استغلظت بعيري هذا، أفلا تعقبني على ناقتك هذه‏؟‏ قال‏:‏ بلى، فأناخ وأناخا ليتحول عليها، فلما استووا بالأرض عدوا عليه فأوثقاه وربطاه، ثم دخلا به مكة نهارًا موثقًا، وقالا‏:‏ يا أهل مكة، هكذا فافعلوا بسفهائكم، كما فعلنا بسفيهنا هذا‏.‏

هذه ثلاثة نماذج لما كان المشركون يفعلونه بمن يريد الهجرة إذا علموا ذلك‏.‏ ولكن على رغم ذلك خرج الناس أرسالًا يتبع بعضهم بعضًا‏.‏ وبعد شهرين وبضعة أيام من بيعة العقبة الكبرى لم يبق بمكة من المسلمين إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعلى ـ أقاما بأمره لهما ـ وإلا من احتبسه المشركون كرهًا، وقد أعد رسول الله صلى الله عليه وسلم جهازه ينتظر متى يؤمر بالخروج، وأعد أبو بكر جهازه‏.‏

روى البخاري عن عائشة قالت‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للمسلمين‏:‏ ‏(‏أني أريت دار هجرتكم، ذات نخل بين لابَتَيْن‏)‏ ـ وهما الحرتان ـ فهاجر من هاجر قبل المدينة، ورجع عامة من كان هاجر بأرض الحبشة إلى المدينة، وتجهز أبو بكر قبل المدينة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏على رِسْلِك، فأني أرجو أن يؤذن لي‏)‏‏.‏ فقال له أبو بكر‏:‏ وهل ترجو ذلك بأبي أنت‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏نعم‏)‏، فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصحبه، وعلف راحلتين كانتا عنده ورق السَّمَر ـ وهو الخَبَطُ ـ أربعة أشهر‏.‏

في دار الندوة ‏[‏برلمان قريش‏]‏

ولما رأى المشركون أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تجهزوا وخرجوا، وحملوا وساقوا الذرارى والأطفال والأموال إلى الأوس والخزرج أصابتهم الكآبة والحزن، وساورهم القلق والهم بشكل لم يسبق له مثيل، فقد تجسد أمامهم خطر حقيقى عظيم، أخذ يهدد كيانهم الوثني والاقتصادي‏.‏

فقد كانوا يعلمون ما في شخصية محمد صلى الله عليه وسلم من غاية قوة التأثير مع كمال القيادة والإرشاد، وما في أصحابه من العزيمة والاستقامة والفداء في سبيله، ثم ما في قبائل الأوس والخزرج من القوة والمنعة، وما في عقلاء هاتين القبيلتين من عواطف السلم والصلاح، والتداعي إلى نبذ الأحقاد، ولاسيما بعد أن ذاقوا مرارة الحروب الأهلية طيلة أعوام من الدهر‏.‏

كما كانوا يعرفون ما للمدينة من الموقع الاستراتيجي بالنسبة إلى المحجة التجارية التى تمر بساحل البحر الأحمر من اليمن إلى الشام‏.‏ وقد كان أهل مكة يتاجرون إلى الشام بقدر ربع مليون دينار ذهب سنويًا، سوى ما كان لأهل الطائف وغيرها‏.‏ ومعلوم أن مدار هذه التجارة كان على استقرار الأمن في تلك الطريق‏.‏

فلا يخفي ما كان لقريش من الخطر البالغ في تمركز الدعوة الإسلامية في يثرب، ومجابهة أهلها ضدهم‏.‏

شعر المشركون بتفاقم الخطر الذي كان يهدد كيانهم، فصاروا يبحثون عن أنجح الوسائل لدفع هذا الخطر الذي مبعثه الوحيد هو حامل لواء دعوة الإسلام محمدصلى الله عليه وسلم‏.‏

وفي يوم الخميس 26 من شهر صفر سنة 14 من النبوة، الموافق 12 من شهر سبتمبر سنة 622م ـ أي بعد شهرين ونصف تقريبًا من بيعة العقبة الكبرى ـ عقد برلمان مكة ‏[‏دار الندوة‏]‏ في أوائل النهارأخطر اجتماع له في تاريخه، وتوافد إلى هذا الاجتماع جميع نواب القبائل القرشية؛ ليتدارسوا خطة حاسمة تكفل القضاء سريعًا على حامل لواء الدعوة الإسلامية؛ وتقطع تيار نورها عن الوجود نهائيًا‏.‏ وكانت الوجوه البارزة في هذا الاجتماع الخطير من نواب قبائل قريش‏:‏

1 ـ أبو جهل بن هشام، عن قبيلة بني مخزوم‏.‏

2، 3، 4ـ جبير بن مُطْعِم، وطُعَيْمَة بن عدى، والحارث بن عامر، عن بني نَوْفَل بن عبد مناف‏.‏

5، 6، 7ـ شيبة وعتبة ابنا ربيعة وأبو سفيان بن حرب، عن بني عبد شمس بن عبد مناف‏.‏

8 ـ النَّضْر بن الحارث، عن بني عبد الدار‏.‏

9، 10، 11ـ أبو البَخْتَرِى بن هشام، وزَمْعَة بن الأسود، وحَكِيم بن حِزَام، عن بني أسد بن عبد العزى‏.‏

12، 13ـ نُبَيْه ومُنَبِّه ابنا الحجاج، عن بني سهم‏.‏

14ـ أمية بن خَلَف، عن بني جُمَح‏.‏

ولما جاءوا إلى دار الندوة حسب الميعاد، اعترضهم إبليس في هيئة شيخ جليل، عليه بَتٌّ له، ووقف على الباب، فقالوا‏:‏ من الشيخ‏؟‏ قال‏:‏ شيخ من أهل نجد سمع بالذي اتعدتم له فحضر معكم ليسمع ما تقولون، وعسى ألا يعدمكم منه رأيًا ونصحًا‏.‏ قالوا‏:‏ أجل، فادخل، فدخل معهم‏.‏



النقاش البرلماني والإجماع على قرار غاشم بقتل النبي صلى الله عليه وسلم

وبعد أن تكامل الاجتماع بدأ عرض الاقتراحات والحلول، ودار النقاش طويلًا‏.‏
قال أبو الأسود‏:‏ نخرجه من بين أظهرنا وننفيه من بلادنا، ولا نبالي أين ذهب، ولا حيث وقع، فقد أصلحنا أمرنا وألفتنا كما كانت‏.‏

قال الشيخ النجدى‏:‏ لا والله ما هذا لكم برأي، ألم تروا حسن حديثه، وحلاوة منطقه، وغلبته على قلوب الرجال بما يأتى به‏؟‏ والله لو فعلتم ذلك ما أمنتم أن يحل على حى من العرب، ثم يسير بهم إليكم ـ بعد أن يتابعوه ـ حتى يطأكم بهم في بلادكم، ثم يفعل بكم ما أراد، دبروا فيه رأيًا غير هذا‏.‏

قال أبو البخترى‏:‏ احبسوه في الحديد وأغلقوا عليه بابًا، ثم تربصوا به ما أصاب أمثاله من الشعراء الذين كانوا قبله ـ زهيرًا والنابغة ـ ومن مضى منهم، من هذا الموت، حتى يصيبه ما أصابهم‏.‏

قال الشيخ النجدى‏:‏ لا والله ما هذا لكم برأي، والله لئن حبستموه ـ كما تقولون ـ ليخرجن أمره من وراء الباب الذي أغلقتم دونه إلى أصحابه، فلأوشكوا أن يثبوا عليكم، فينزعوه من أيديكم، ثم يكاثروكم به حتى يغلبوكم على أمركم، ما هذا لكم برأي، فانظروا في غيره‏.‏

وبعد أن رفض البرلمان هذين الاقتراحين، قدم إليه اقتراح آثم وافق عليه جميع أعضائه، تقدم به كبير مجرمى مكة أبو جهل بن هشام‏.‏
قال أبو جهل‏:‏ والله إن لى فيه رأيًا ما أراكم وقعتم عليه بعد‏.‏ قالوا‏:‏ وما هو يا أبا الحكم‏؟‏ قال‏:‏ أرى أن نأخذ من كل قبيلة فتى شابًا جليدًا نَسِيبا وَسِيطًا فينا، ثم نعطى كل فتى منهم سيفًا صارمًا، ثم يعمدوا إليه، فيضربوه بها ضربة رجل واحد، فيقتلوه، فنستريح منه، فإنهم إذا فعلوا ذلك تفرق دمه في القبائل جميعًا، فلم يقدر بنو عبد مناف على حرب قومهم جميعًا، فرضوا منا بالعَقْل، فعقلناه لهم‏.‏

قال الشيخ النجدى‏:‏ القول ما قال الرجل، هذا الرأي الذي لا رأي غيره‏.‏

ووافق برلمان مكة على هذا الاقتراح الآثم بالإجماع، ورجع النواب إلى بيوتهم وقد صمموا على تنفيذ هذا القرار فورًا‏.‏



هجـرة النبـي صلى الله عليه وسلم

بين تدبير قريش وتدبير الله سبحانه وتعالى

من طبيعة مثل هذا الاجتماع السرية للغاية، وألا يبدو على السطح الظاهر أي حركة تخالف اليوميات، وتغاير العادات المستمرة، حتى لا يشم أحد رائحة التآمر والخطر، ولا يدور في خلد أحد أن هناك غموضًا ينبئ عن الشر، وكان هذا مكرًا من قريش، ولكنهم ماكروا بذلك الله سبحانه وتعالى، فخيبهم من حيث لا يشعرون‏.‏ فقد نزل جبريل عليه السلام إلى النبي صلى الله عليه وسلم بوحى من ربه تبارك وتعالى فأخبره بمؤامرة قريش، وأن الله قد أذن له في الخروج، وحدد له وقت الهجرة، وبين له خطة الرد على قريش فقال‏:‏ لا تبت هذه الليلة على فراشك الذي كنت تبيت عليه‏.‏

وذهب النبي صلى الله عليه وسلم في الهاجرة ـ حين يستريح الناس في بيوتهم ـ إلى أبي بكر رضي الله عنه ليبرم معه مراحل الهجرة،

قالت عائشة رضي الله عنها‏:‏ بينما نحن جلوس في بيت أبي بكر في نحر الظهيرة، قال قائل لأبي بكر‏:‏ هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم متقنعًا، في ساعة لم يكن يأتينا فيها، فقال أبو بكر‏:‏ فداء له أبي وأمى، والله ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر‏.‏

قالت‏:‏ فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏، فاستأذن،فأذن له فدخل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر‏:‏ ‏(‏أخرج مَنْ عندك‏)‏‏.‏ فقال أبو بكر‏:‏ إنما هم أهلك، بأبي أنت يا رسول الله‏.‏ قال‏:‏ ‏(‏فأني قد أذن لى في الخروج‏)‏، فقال أبو بكر‏:‏ الصحبة بأبي أنت يا رسول الله‏؟‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏نعم‏)‏‏.‏

ثم أبرم معه خطة الهجرة، ورجع إلى بيته ينتظر مجىء الليل‏.‏ وقد استمر في أعماله اليومية حسب المعتاد حتى لم يشعر أحد بأنه يستعد للهجرة، أو لأي أمر آخر اتقاء مما قررته قريش‏.‏



تطويق منزل الرسول صلى الله عليه وسلم

أما أكابر مجرمي قريش فقضوا نهارهم في الإعداد سرا لتنفيذ الخطة المرسومة التى أبرمها برلمان مكة ‏[‏دار الندوة‏]‏ صباحًا، واختير لذلك أحد عشر رئيسًا من هؤلاء الأكابر، وهم‏:‏

1ـ أبو جهل بن هشام‏.‏

2ـ الحَكَم بن أبي العاص‏.‏

3ـ عُقْبَة بن أبي مُعَيْط‏.‏

4ـ النَّضْر بن الحارث‏.‏

5ـ أُمية بن خَلَف‏.‏

6ـ زَمْعَة بن الأسود‏.‏

7ـ طُعَيْمة بن عَدِىّ‏.‏

8 ـ أبو لهب‏.‏

9ـ أبي بن خلف‏.‏

10ـ نُبَيْه بن الحجاج‏.‏

11ـ أخوه مُنَبِّه بن الحجاج‏.‏

وكان من عادة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينام في أوائل الليل بعد صلاة العشاء، ويخرج بعد نصف الليل إلى المسجد الحرام، يصلي فيه قيام الليل، فأمر عليًا رضي الله عنه تلك الليلة أن يضطجع على فراشه، ويتسجى ببرده الحضرمي الأخضر، وأخبره أنه لا يصيبه مكروه‏.‏

فلما كانت عتمة من الليل وساد الهدوء، ونام عامة الناس جاء المذكورون إلى بيته صلى الله عليه وسلم سرًا، واجتمعوا على بابه يرصدونه، وهم يظنونه نائمًا حتى إذا قام وخرج وثبوا عليه، ونفذوا ما قرروا فيه‏.‏

وكانوا على ثقة ويقين جازم من نجاح هذه المؤامرة الدنية، حتى وقف أبو جهل وقفة الزهو والخيلاء، وقال مخاطبًا لأصحابه المطوقين في سخرية واستهزاء‏:‏ إن محمدًا يزعم أنكم إن تابعتموه على أمره كنتم ملوك العرب والعجم، ثم بعثتم من بعد موتكم، فجعلت لكم جنان كجنان الأردن، وإن لم تفعلوا كان له فيكم ذبح، ثم بعثتم من بعد موتكم، ثم جعلت لكم نار تحرقون فيها‏.‏

وقد كان ميعاد تنفيذ تلك المؤامرة بعد منتصف الليل في وقت خروجه صلى الله عليه وسلم من البيت، فباتوا متيقظين ينتظرون ساعة الصفر، ولكن الله غالب على أمره، بيده ملكوت السموات والأرض، يفعل ما يشاء، وهو يجير ولا يجـار عليه، فقـد فعـل مـا خاطب به الرسول صلى الله عليه وسلم فيما بعد‏:‏
‏{‏وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ‏}‏
‏[‏الأنفال‏:‏30]‏‏.‏



الرسول صلى الله عليه وسلم يغادر بيته

وقد فشلت قريش في خطتهم فشلًا ذريعًا مع غاية التيقظ والتنبه؛ إذ خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من البيت، واخترق صفوفهم، وأخذ حفنة من البطحاء فجعل يذره على رءوسهم، وقد أخذ الله أبصارهم عنه فلا يرونه، وهو يتلو‏:‏
‏{‏وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ‏}‏ ‏[‏يس‏:‏9‏]‏‏.‏

فلم يبق منهم رجل إلا وقد وضع على رأسه ترابًا، ومضى إلى بيت أبي بكر، فخرجا من خوخة في دار أبي بكر ليلًا حتى لحقا بغار ثَوْر في اتجاه اليمن‏.‏

وبقى المحاصرون ينتظرون حلول ساعة الصفر، وقبيل حلولها تجلت لهم الخيبة والفشل، فقد جاءهم رجل ممن لم يكن معهم، ورآهم ببابه فقال‏:‏ ما تنتظرون‏؟‏ قالوا‏:‏ محمدًا‏.‏ قال‏:‏ خبتم وخسرتم، قد والله مر بكم، وذر على رءوسكم التراب، وانطلق لحاجته، قالوا‏:‏ والله ما أبصرناه، وقاموا ينفضون التراب عن رءوسهم‏.‏

ولكنهم تطلعوا من صير الباب فرأوا عليًا، فقالوا‏:‏ والله إن هذا لمحمد نائمًا، عليه برده، فلم يبرحوا كذلك حتى أصبحوا‏.‏ وقام علىٌّ عن الفراش، فسقط في أيديهم، وسألوه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال‏:‏ لا علم لي به‏.‏



من الدار إلى الغار

غادر رسول الله صلى الله عليه وسلم بيته في ليلة 27 من شهر صفر سنة 14 من النبوة، الموافق 12/13 سبتمبر سنة 622م‏.‏ وأتى إلى دار رفيقه ـ وأمنّ الناس عليه في صحبته وماله ـ أبي بكر رضي الله عنه‏.‏ ثم غادر منزل الأخير من باب خلفي؛ ليخرجا من مكة على عجل وقبل أن يطلع الفجر‏.‏

ولما كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم أن قريشًا سَتَجِدُّ في الطلب، وأن الطريق الذي ستتجه إليه الأنظار لأول وهلة هو طريق المدينة الرئيسى المتجه شمالًا، فسلك الطريق الذي يضاده تمامًا، وهو الطريق الواقع جنوب مكة، والمتجه نحو اليمن، سلك هذا الطريق نحو خمسة أميال حتى بلغ إلى جبل يعرف بجبل ثَوْر وهو جبل شامخ، وَعِر الطريق، صعب المرتقى، ذو أحجار كثيرة، فحفيت قدما رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقيل‏:‏ بل كان يمشى في الطريق على أطراف قدميه كى يخفي أثره فحفيت قدماه، وأيا ما كان فقد حمله أبو بكر حين بلغ إلى الجبل، وطفق يشتد به حتى انتهي به إلى غار في قمة الجبل عرف في التاريخ بغار ثور‏.‏



إذ هما في الغار

ولما انتهيا إلى الغار قال أبو بكر‏:‏ والله لا تدخله حتى أدخل قبلك، فإن كان فيه شيء أصابني دونك، فدخل فكسحه،
ووجد في جانبه ثقبًا فشق إزاره وسدها به، وبقى منها اثنان فألقمهما رجليه، ثم قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ادخل، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووضع رأسه في حجره ونام، فلدغ أبو بكر في رجله من الجحر، ولم يتحرك مخافة أن ينتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسقطت دموعه على وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال‏:‏ ‏(‏ما لك يا أبا بكر‏؟‏‏)‏ قال‏:‏ لدغت، فداك أبي وأمي، فتفل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذهب ما يجده‏.‏

وكَمُنَا في الغار ثلاث ليال، ليلة الجمعة وليلة السبت وليلة الأحد‏.‏ وكان عبد الله بن أبي بكر يبيت عندهما‏.‏ قالت عائشة‏:‏ وهو غلام شاب ثَقِف لَقِن، فيُدْلِج من عندهما بسَحَرٍ، فيصبح مع قريش بمكة كبائت، فلا يسمع أمرًا يكتادان به إلا وعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام، و ‏[‏كان‏]‏ يرعى عليهما عامر بن فُهَيْرَة مولى أبي بكر مِنْحَة من غنم، فيريحها عليهما حين تذهب ساعة من العشاء، فيبيتان في رِسْل ـ وهو لبن مِنْحَتِهما ورَضيفِهما ـ حتى يَنْعِق بها عامر بن فُهَيْرَة بغَلَس، يفعل ذلك في كل ليلة من تلك الليالى الثلاث، وكان عامر بن فهيرة يتبع بغنمه أثر عبد الله بن أبي بكر بعد ذهابه إلى مكة ليُعَفي عليه‏.‏

أما قريش فقد جن جنونها حينما تأكد لديها إفلات رسول الله صلى الله عليه وسلم صباح ليلة تنفيذ المؤامرة‏.‏ فأول ما فعلوا بهذا الصدد أنهم ضربوا عليًا، وسحبوه إلى الكعبة، وحبسوه ساعة، علهم يظفرون بخبرهما‏.‏

ولما لم يحصلوا من عليّ على جدوى جاءوا إلى بيت أبي بكر وقرعوا بابه، فخرجت إليهم أسماء بنت أبي بكر، فقالوا لها‏:‏ أين أبوك‏؟‏ قالت‏:‏ لا أدرى والله أين أبي‏؟‏ فـرفع أبو جهل يـده ـ وكان فاحشًا خبيثًا ـ فلطم خـدها لطمـة طـرح منها قرطها‏.‏

وقررت قريش في جلسة طارئة مستعجلة استخدام جميع الوسائل التي يمكن بها القبض على الرجلين، فوضعت جميع الطرق النافذة من مكة ‏[‏في جميع الجهات‏]‏ تحت المراقبة المسلحة الشديدة، كما قررت إعطاء مكافأة ضخمة قدرها مائة ناقة بدل كل واحد منهما لمن يعيدهما إلى قريش حيين أو ميتين، كائنًا من كان‏.‏

وحينئذ جدت الفرسان والمشاة وقصاص الأثر في الطلب، وانتشروا في الجبال والوديان، والوهاد والهضاب، لكن من دون جدوى وبغير عائدة‏.‏

وقد وصل المطاردون إلى باب الغار، ولكن الله غالب على أمره،

روى البخاري عن أنس عن أبي بكر قال‏:‏
كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في الغار، فرفعت رأسى فإذا أنا بأقدام القوم، فقلت‏:‏ يا نبي الله، لو أن بعضهم طأطأ بصره رآنا‏.‏ قال‏:‏ ‏(‏اسكت يا أبا بكر، اثنان، الله ثالثهما‏)‏، وفي لفظ‏:‏ ‏(‏ما ظنك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما‏)‏‏.‏

وقد كانت معجزة أكرم الله بها نبيه صلى الله عليه وسلم، فقد رجع المطاردون حين لم يبق بينه وبينهم إلا خطوات معدودة‏.‏



في الطريق إلى المدينة

وحين خمدت نار الطلب، وتوقفت أعمال دوريات التفتيش، وهدأت ثائرات قريش بعد استمرار المطاردة الحثيثة ثلاثة أيام بدون جدوى، تهيأ رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه للخروج إلى المدينة‏.‏

وكانا قد استأجرا عبد الله بن أُرَيْقِط الليثى، وكان هاديًا خِرِّيتًا ـ ماهرًا بالطريق ـ وكان على دين كفار قريش، وأمناه على ذلك، وسلما إليه راحلتيهما، وواعداه غار ثَوْر بعد ثلاث ليال براحلتيهما،

فلما كانت ليلة الاثنين ـ غرة ربيع الأول سنة 1هـ / 16 سبتمبر سنة 622م ـ

جاءهما عبد الله بن أريقط بالراحلتين، وكان قد قال أبو بكر للنبى صلى الله عليه وسلم عند مشاورته في البيت‏:‏ بأبي أنت يا رسول الله، خذ إحدى راحلتى هاتين، وقرب إليه أفضلهما، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بالثمن‏.‏ وأتتهما أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها بسُفْرَتِهما، ونسيت أن تجعل لها عِصَامًا، فلما ارتحلا ذهبت لتعلق السفرة، فإذا ليس لها عصام، فشقت نطاقها باثنين، فعلقت السفرة بواحد، وانتطقت بالآخر فسميت‏:‏ ذات النطاقين‏.‏

ثم ارتحل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رضي الله عنه وارتحل معهما عامر بن فُهَيْرة، وأخذ بهم الدليل ـ عبد الله بن أريقط ـ على طريق السواحل‏.‏

وأول ما سلك بهم بعد الخروج من الغار أنه أمعن في اتجاه الجنوب نحو اليمن، ثم اتجه غربًا نحو الساحل، حتى إذا وصل إلى طريق لم يألفه الناس، اتجه شمالًا على مقربة من شاطئ البحر الأحمر، وسلك طريقًا لم يكن يسلكه أحد إلا نادرًا‏.‏

وقد ذكر ابن إسحاق المواضع التي مر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الطريق،
قال‏:‏ لما خرج بهما الدليل سلك بهما أسفل مكة، ثم مضى بهما على الساحل حتى عارض الطريق أسفل من عُسْفَان، ثم سلك بهما على أسفل أمَج، ثم استجاز بهما حتى عارض بهما الطريق بعد أن أجاز قُدَيْدًا، ثم أجاز بهما من مكانه ذلك فسلك بهما الْخَرَّار،

ثم سلك بهما ثَنَّية الْمَرَّة، ثم سلك بهما لِقْفًا، ثم أجاز بهما مَدْلَجَة لِقْف، ثم استبطن بهما مَدْلَجة مِجَاج، ثم سلك بهما مَرْجِح مِجَاح، ثم تبطن بهما مَرْجِح من ذى الغُضْوَيْن، ثم بطن ذى كَشْر، ثم أخذ بهما على الْجَدَاجِد، ثم على الأجرد، ثم سلك بهما ذا سلم من بطن أعدا مَدْلَجَة تِعْهِنَ، ثم على العَبَابيد، ثم أجاز بهما الفَاجَة، ثم هبط بهما الْعَرْج، ثم سلك بهما ثنية العَائِر ـ عن يمين رَكُوبة ـ حتى هبط بهما بطن رِئْم، ثم قدم بهما على قُباء‏.‏



وهاك بعض ما وقع في الطريق

1ـ روى البخاري عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال‏:‏
أسرينا ليلتنا ومن الغد حتى قام قائم الظهيرة وخلا الطريق، لا يمر فيه أحد، فرفعت لنا صخرة طويلة، لها ظل لم تأت عليها الشمس، فنزلنا عنده، وسويت للنبي صلى الله عليه وسلم مكانًا بيدى، ينام عليه، وبسطت عليه فروة، وقلت‏:‏ نم يا رسول الله، وأنا أنفض لك ما حولك، فنام، وخرجت أنفض ما حوله، فإذا أنا براع مقبل بغنمه إلى الصخرة، يريد منها مثل الذي أردنا، فقلت له‏:‏ لمن أنت يا غلام‏؟‏ فقال‏:‏ لرجل من أهل المدينة أو مكة‏.‏ قلت‏:‏ أفي غنمك لبن‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ قلت‏:‏ أفتحلب‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ فأخذ شاة، فقلت‏:‏ انفض الضرع من التراب والشعر والقَذَى، فحلب في قعب كُثْبة من لبن، ومعى إداوة حملتها للنبي صلى الله عليه وسلم، يرتوى منها، يشرب ويتوضأ، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فكرهت أن أوقظه، فوافقته حين استيقظ، فصببت من الماء على اللبن حتى برد أسفله، فقلت‏:‏ اشرب يا رسول الله، فشرب حتى رضيت، ثم قال‏:‏ ‏(‏ألم يأن للرحيل‏؟‏‏)‏ قلت‏:‏ بلى، قال‏:‏ فارتحلنا‏.‏


2ـ وكان من دأب أبي بكر رضي الله عنه أنه كان ردفًا للنبى صلى الله عليه وسلم، وكان شيخًا يعرف، ونبى الله صلى الله عليه وسلم شاب لا يعرف، فيلقى الرجل أبا بكر فيقول‏:‏ من هذا الرجل الذي بين يديك‏؟‏ فيقول‏:‏ هذا الرجل يهدينى الطريق، فيحسب الحاسب أنه يعنى به الطريق، وإنما يعنى سبيل الخير‏.‏

3ـ وفي اليوم الثاني أو الثالث مر بخيمتى أم مَعْبَد الخزاعية، وكان موقعهما بالمُشَلَّل من ناحية قُدَيْد على بعد نحو 130 كيلو مترًا من مكة، وكانت أم معبد امرأة برزة جلدة تحتبى بفناء الخيمة، ثم تطعم وتسقى من مر بها، فسألاها‏:‏ هل عندها شيء‏؟‏ فقالت‏:‏ والله لو كان عندنا شيء ما أعوزكم، القِرَى والشاء عازب، وكانت سَنَةٌ شَهْباء‏.‏

فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى شاة في كسر الخيمة، فقال‏:‏ ‏(‏ما هذه الشاة يا أم معبد‏؟‏‏)‏ قالت‏:‏ شاة خلفها الجهد عن الغنم، فقال‏:‏ ‏(‏هل بها من لبن‏؟‏‏)‏ قالت‏:‏ هي أجهد من ذلك‏.‏ فقال‏:‏ ‏(‏أتأذنين لى أن أحلبها‏؟‏‏)‏ قالت‏:‏ نعم بأبي وأمي إن رأيت بها حلبًا فاحلبها‏.‏ فمسح رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده ضرعها، وسمى الله ودعا، فتَفَاجَّتْ عليه ودَرَّتْ، فدعا بإناء لها يَرْبِض الرهط، فحلب فيه حتى علته الرغوة، فسقاها، فشربت حتى رويت، وسقى أصحابه حتى رووا، ثم شرب، وحلب فيه ثانيًا، حتى ملأ الإناء، ثم غادره عندها فارتحلوا‏.‏

فما لبثت أن جاء زوجها أبو معبد يسوق أعنزا عجافا يتساوكن هزلًا، فلما رأي اللبن عجب، فقال‏:‏ من أين لك هذا‏؟‏ والشاة عازب، ولا حلوبة في البيت‏؟‏ فقالت‏:‏ لا والله إلا أنه مر بنا رجل مبارك كان من حديثه كيت وكيت، ومن حاله كذا وكذا، قال‏:‏ أني والله أراه صاحب قريش الذي تطلبه، صِفِيه لى يا أم معبد، فوصفته بصفاته الكريمة وصفًا بديعًا كأن السامع ينظر إليه وهو أمامه ـ وسننقله في بيان صفاته صلى الله عليه وسلم في أواخر الكتاب ـ فقال أبو معبد‏:‏ والله هذا صاحب قريش الذي ذكروا من أمره ما ذكروا، لقد هممت أن أصحبه، ولأفعلن إن وجدت إلى ذلك سبيلًا‏.‏ وأصبح صوت بمكة عاليًا يسمعونه ولا يرون القائل‏:‏

جزى الله رب العرش خير جزائه ** رفيقين حَلاَّ خيمــتى أم مَعْبـَــدِ

هـمـا نزلا بالبِـــرِّ وارتحــلا بــه ** وأفلح من أمسى رفيق محمـــد

فيا لقُصَىّ مــا زَوَى الله عنكــم ** به من فعال لا يُحَاذى وسُــؤْدُد

لِيَهْنِ بني كعـب مكــان فَتاتِهـــم ** ومقعدُهــا للمؤمنـين بَمْرصَـــد

سَلُوا أختكم عن شاتهـا وإنائـهـا ** فإنكم إن تسألوا الشـاة تَشْـهَـــد


قالت أسماء‏:‏ ما درينا أين توجه رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أقبل رجل من الجن من أسفل مكة فأنشد هذه الأبيات، والناس يتبعونه ويسمعون صوته ولا يرونه حتى خرج من أعلاها‏.‏ قالت‏:‏ فلما سمعنا قوله عرفنا حيث توجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن وجهه إلى المدينة‏.‏


4ـ وتبعهما في الطريق سُرَاقة بن مالك‏.
‏ قال سراقة‏:‏ بينما أنا جالس في مجلس من مجالس قومى بني مُدْلج، أقبل رجل منهم حتى قام علينا ونحن جلوس، فقال‏:‏ يا سراقة، أني رأيت آنفًا أسْوِدَة بالساحل، أراها محمدًا وأصحابه‏.‏ قال سراقة‏:‏ فعرفت أنهم هم، فقلت له‏:‏ إنهم ليسوا بهم، ولكنك رأيت فلانًا وفلانًا انطلقوا بأعيننا، ثم لبثت في المجلس ساعة، ثم قمت فدخلت، فأمرت جاريتى أن تخرج فرسى، وهي من وراء أكَمَة، فتحبسها عَلَىَّ، وأخذت رمحى، فخرجت به من ظهر البيت، فخَطَطْتُ بزُجِّهِ الأرض، وخَفَضْتُ عاليه، حتى أتيت فرسى فركبتها، فرَفَعْتُها تُقَرِّب بى حتى دنوت منهم، فعَثَرَتْ بى فرسى فخررت عنها، فقمت، فأهويت يدى إلى كنانتى، فاستخرجت منها الأزلام، فاستقسمت بها، أضُرُّهُمْ أم لا‏؟‏ فخرج الذي أكره،

فركبت فرسي ـ وعصيت الأزلام ـ تُقَرّبُ بي، حتى إذا سمعت قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ وهو لا يلتفت، وأبو بكر يكثر الالتفات ـ سَاخَتْ يدا فرسى في الأرض حتى بلغتا الركبتين، فخررت عنها، ثم زجرتها فنهضت، فلم تَكَدْ تخرج يديها، فلما استوت قائمة إذا لأثر يديها غبار ساطع في السماء مثل الدخان، فاستقسمت بالأزلام، فخرج الذي أكره، فناديتهم بالأمان، فوقفوا، فركبت فرسى حتى جئتهم، ووقع في نفسى حين لقيت ما لقيت من الحبس عنهم أن سيظهر أمْرُ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت له‏:‏ إن قومك قد جعلوا فيك الدية، وأخبرتهم أخبار ما يريد الناس بهم، وعرضت عليهم الزاد والمتاع فلم يَرْزَأني، ولم يسألأني إلا أن قال‏:‏ ‏(‏أَخْفِ عنا‏)‏، فسألته أن يكتب لى كتاب أمْنٍ، فأمر عامر بن فُهَيْرة، فكتب لى في رقعة من أدم، ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏

وفي رواية عن أبي بكر قال‏:‏ ارتحلنا والقوم يطلبوننا، فلم يدركنا منهم أحد غير سراقة بن مالك بن جُعْشُم، على فرس له، فقلت‏:‏ هذا الطلب قد لحقنا يا رسول الله،
فقال‏:‏ ‏{‏لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏40‏]‏‏.‏

ورجع سراقة فوجد الناس في الطلب فجعل يقول‏:‏ قد استبرأت لكم الخبر، قد كفيتم ما ها هنا‏.‏ وكان أول النهار جاهدًا عليهما، وآخره حارسًا لهما‏.‏


5 ـ وفي الطريق لقى النبي صلى الله عليه وسلم بُريْدَة بن الحُصَيْب الأسلمى ومعه نحو ثمانين بيتًا، فأسلم وأسلموا،
وصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العشاء الآخرة فصلوا خلفه، وأقام بريدة بأرض قومه حتى قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أُحُد‏.‏

وعن عبد الله بن بريدة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتفاءل ولا يتطير، فركب بريدة في سبعين راكبًا من أهل بيته من بني سهم، فلقى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له‏:‏ ‏(‏ممن أنت‏؟‏‏)‏ قال‏:‏ من أسلم، فقال‏:‏ لأبي بكر‏:‏ سلمنا، ثم قال‏:‏ ‏(‏مِنْ بني مَنْ‏؟‏‏)‏ قال‏:‏ من بني سهم‏.‏ قال‏:‏ ‏(‏خرج سهمك‏)‏


6ـ ومر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبي أوْس تميم بن حَجَر أو بأبي تميم أوس بن حجر الأسلمى، بقحداوات بين الجُحْفَة وهَرْشَى ـ بالعرج ـ وكان قد أبطأ عليه بعض ظهره، فكان هو وأبو بكر على جمل واحد، فحمله أوس على فحل من إبله، وبعث معهما غلامًا له اسمه مسعود، وقال‏:‏ اسلك بهما حيث تعلم من محارم الطريق ولا تفارقهما، فسلك بهما الطريق حتى أدخلهما المدينة، ثم رد رسول الله صلى الله عليه وسلم مسعودًا إلى سيده، وأمره أن يأمر أوسًا أن يسم إبله في أعناقها قيد الفرس، وهو حلقتان، ومد بينهما مدًا، فهي سمتهم‏.‏ ولما أتى المشركون يوم أحد أرسل أوس غلامه مسعود بن هُنَيْدَة من العَرْج على قدميه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبره بهم‏.‏ ذكره ابن مَاكُولا عن الطبرى، وقد أسلم بعد قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، وكان يسكن العرج‏.‏


7ـ وفي الطريق ـ في بطن رِئْم ـ لقى رسول الله صلى الله عليه وسلم الزبير، وهو في ركب من المسلمين، كانوا تجارًا قافلين من الشام، فكسا الزبير رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر ثيابًا بياضًا‏.‏



النزول بقباء

وفي يوم الاثنين 8 ربيع الأول سنة 14 من النبوة ـ وهي السنة الأولى من الهجرة ـ الموافق 23 سبتمبر سنة 622م نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بقباء‏.‏

قال عروة بن الزبير‏:‏ سمع المسلمون بالمدينة بمخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة، فكانوا يغدون كل غداة إلى الحَرَّة، فينتظرونه حتى يردهم حر الظهيرة، فانقلبوا يومًا بعد ما أطالوا انتظارهم، فلما أووا إلى بيوتهم أَوْفي رجل من يهود على أُطُم من آطامهم لأمر ينظر إليه، فبصر برسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه مُبَيَّضِين يزول بهم السراب، فلم يملك اليهودى أن قال بأعلى صوته‏:‏ يا معاشر العرب، هذا جدكم الذي تنتظرون، فثار المسلمون إلى السلاح‏.‏ وتلقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بظهر الحرة‏.‏

قال ابن القيم‏:‏ وسُمِعت الوَجْبَةُ والتكبير في بني عمرو بن عوف، وكبر المسلمون فرحًا بقدومه، وخرجوا للقائه، فتلقوه وحيوه بتحية النبوة، فأحدقوا به مطيفين حوله، والسكينة تغشاه، والوحى ينزل عليه‏:‏ ‏{‏فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ‏}‏ ‏[‏التحريم‏:‏4‏]‏‏.‏

قال عروة بن الزبير‏:‏ فتلقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعدل بهم ذات اليمين حتى نزل بهم في بني عمرو بن عوف، وذلك يوم الاثنين من شهر ربيع الأول‏.‏ فقام أبو بكر للناس، وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم صامتًا، فطفق من جاء من الأنصار ممن لم ير رسول الله صلى الله عليه وسلم يحىى ـ وفي نسخة‏:‏ يجىء ـ أبا بكر، حتى أصابت الشمس رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقبل أبو بكر حتى ظلل عليه بردائه، فعرف الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك‏.‏

وكانت المدينة كلها قد زحفت للاستقبال، وكان يومًا مشهودًا لم تشهد المدينة مثله في تاريخها، وقد رأي اليهود صدق بشارة حَبْقُوق النبي‏:‏ إن الله جاء من التيمان، والقدوس من جبال فاران‏.‏

ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بقباء على كلثوم بن الهدم، وقيل‏:‏ بل على سعد بن خَيْثَمَة، والأول أثبت‏.‏

ومكث على بن أبي طالب رضي الله عنه بمكة ثلاثًا حتى أدى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الودائع التي كانت عنده للناس، ثم هاجر ماشيًا على قدميه حتى لحقهما بقباء، ونزل على كلثوم بن الهَدْم‏.‏

وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بقباء أربعة أيام‏:‏ الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس‏.‏ وأسس مسجد قباء وصلى فيه، وهو أول مسجد أسس على التقوى بعد النبوة، فلما كان اليوم الخامس ـ يوم الجمعة ـ ركب بأمر الله له، وأبو بكر ردفه، وأرسل إلى بني النجار ـ أخواله ـ فجاءوا متقلدين سيوفهم، فسار نحو المدينة وهم حوله، وأدركته الجمعة في بني سالم بن عوف، فجمع بهم في المسجد الذي في بطن الوادى، وكانوا مائة رجل‏.‏



الدخول في المدينة

ثم سار النبي صلى الله عليه وسلم بعد الجمعة حتى دخل المدينة ـ ومن ذلك اليوم سميت بلدة يثرب بمدينة الرسول صلى الله عليه وسلم، ويعبر عنها بالمدينة مختصرًا ـ وكان يومًا مشهودًا أغر، فقد ارتجت البيوت والسكك بأصوات الحمد والتسبيح، وتغنت بنات الأنصار بغاية الفرح والسرور‏:‏

طـلـع الــبـدر عـلـينا **مـن ثـنيــات الـوداع

وجـب الشـكـر علـينا ** مـــا دعــا لـلـه داع

أيـهـا المبــعــوث فـينا ** جـئـت بـالأمـر المطاع

والأنصار وإن لم يكونوا أصحاب ثروات طائلة إلا أن كل واحد منهم كان يتمنى أن ينزل الرسول صلى الله عليه وسلم عليه، فكان لا يمر بدار من دور الأنصار إلا أخذوا خطام راحلته‏:‏ هلم إلى العدد والعدة والسلاح والمنعة، فكان يقول لهم‏:‏ ‏(‏خلوا سبيلها فإنها مأمورة‏)‏،

فلم تزل سائرة به حتى وصلت إلى موضع المسجد النبوى اليوم فبركت، ولم ينزل عنها حتى نهضت وسارت قليلًا، ثم التفتت ورجعت فبركت في موضعها الأول، فنزل عنها، وذلك في بني النجار ـ أخواله صلى الله عليه وسلم ـ وكان من توفيق الله لها، فإنه أحب أن ينزل على أخواله، يكرمهم بذلك، فجعل الناس يكلمون رسول الله صلى الله عليه وسلم في النزول عليهم، وبادر أبو أيوب الأنصارى إلى رحـله، فأدخله بيته،فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏(‏المرء مع رحله‏)‏، وجـاء أسعد بن زرارة فأخـذ بزمام راحلته، فكانت عنــده‏.‏

وفي رواية أنس عند البخاري، قال نبى الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏أي بيوت أهلنا أقرب‏؟‏‏)‏ فقال أبو أيوب‏:‏ أنا يا رسول الله، هذه دارى، وهذا بأبي‏.‏ قال‏:‏ ‏(‏فانطلق فهيئ لنا مقيلًا‏)‏، قال‏:‏ قوما على بركة الله‏.‏

وبعد أيام وصلت إليه زوجته سَوْدَة، وبنتاه فاطمة وأم كلثوم، وأسامة بن زيد، وأم أيمن، وخرج معهم عبد الله بن أبي بكر بعيال أبي بكر، ومنهم عائشة، وبقيت زينب عند أبي العاص، لم يمكنها من الخروج حتى هاجرت بعد بدر‏.‏

قالت عائشة‏:‏ وقدمنا المدينة وهي أوبأ أرض الله، فكان بُطْحَان يجرى نَجْلًا، أي ماءً آجِنًا‏.‏

وقالت‏:‏ لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وعك أبو بكر وبلال، فدخلت عليهما فقلت‏:‏ يا أبه كيف تجدك‏؟‏ ويا بلال كيف تجدك‏؟‏ قالت‏:‏ فكان أبو بكر إذا أخذته الحُمَّى يقول‏:‏

كل امرئ مُصَبَّحٌ في أهله ** والموت أدنى من شِرَاك نَعْلِه

وكان بلال إذا أقلع عنه يرفع عقيرته ويقول‏:‏

ألا ليت شِعْرِى هل أبيتَنَّ ليلة ** بـوَادٍ وحـولى إذْخِرٌ وجَلِيـــلُ

وهل أردْن يومــًا ميـاه مِجَنَّة ** وهل يَبْدُوَنْ لى شامة وطَفِيلُ

قالت عائشة‏:‏ فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبرته، فقال‏:‏ ‏(‏اللهم العن شيبة بن ربيعة، وعتبة بن ربيعة، وأمية بن خلف، كما أخرجونا من أرضنا إلى أرض الوباء‏)‏‏.‏

ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:
‏ ‏(‏اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد، وصححها، وبارك في صاعها ومدها، وانقل حماها فاجعلها بالجُحْفَة‏)‏‏.‏

وقد استجاب الله دعاءه صلى الله عليه وسلم، فأرى في المنام أن امرأة سوداء ثائرة الرأس خرجت من المدينة حتى نزلت بالمَهْيَعَة، وهي الجحفة‏.‏ وكان ذلك عبارة عن نقل وباء المدينة إلى الجحفة، وبذلك استراح المهاجرون عما كانوا يعانونه من شدة مناخ المدينة‏.‏


المصدر

كتاب الرحيق المختوم



تلكم أيها الأحبة أحداث الهجرة ،
وفيها من الدروس والعبر ما يضيق عنه المقام . فمنها :


1) درس في الهجرة :

لقد أذن الله تعالى لنبيه وأصحابه بالهجرة لما ضاقت عليهم الأرض ، ومنعتهم قريش من إقامة دين الله .
إن الهجرة بالمعنى الشرعي ليست مجرد الانتقال من بلد إلى آخر فحسب ، بل هي هجرة عامة عن كل ما نهى عنه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ، حتى يكون الدين كله لله .

هجرة من الذنوب والسيئات ... هجرة من الشهوات والشبهات ... هجرة من مجالس المنكرات .. هجرة من ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة .



2) الصبر واليقين طريق النصر والتمكين :

فبعد سنوات من الاضطهاد والابتلاء قضاها النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بمكة يهيأ الله تعالى لهم طيبة الطيبة ، ويقذف الإيمان في قلوب الأنصار ، ليبدأ مسلسل النصر والتمكين لأهل الصبر واليقين
{ إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم الأشهاد } .

إن طريق الدعوة إلى الله شاق محفوف بالمكاره والأذى . لكن من صبر ظفر .. ومن ثبت انتصر ..

{ والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون } .



3) درس في التوكل على الله والاعتصام بحبل الله :

لقد كانت رحلة الهجرة مغامرة محفوفة بالمخاطر التي تطير لها الرؤوس .
فالسيوف تحاصره عليه الصلاة والسلام في بيته وليس بينه وبينها إلا الباب ..
والمطاردون يقفون أمامه على مدخل الغار ..
وسراقة الفارس المدجج بالسلاح يدنو منه حتى يسمع قراءته ..
والرسول صلى الله عليه وسلم في ظل هذه الظروف العصيبة متوكل على ربه واثق من نصره .
فمهما اشتدت الكروب ومهما ادلهمت الخطوب يبقى المؤمن متوكلاً على ربه واثقاً بنصره لأوليائه .

فالزم يديك بحبل الله معتصماً *** فإنه الركن إن خانتك أركان



4) درس في المعجزات الإلهية :

هل رأيتم رجلاً أعزلاً محاصراً يخرج إلى المجرمين ويخترق صفوفهم فلا يرونه ويذر التراب على رؤوسهم ويمضي ..
هل رأيتم عنكبوتاً تنسج خيوطها على باب الغار في ساعات معدودة ..
هل رأيتم فريقاً من المجرمين يصعدون الجبل ويقفون على الباب فلا يطأطيء أحدهم رأسه لينظر في الغار .. هل رأيتم فرس سراقة تمشي في أرض صلبه فتسيخ قدماها في الأرض وكأنما هي تسير في الطين .. هل رأيتم شاة أم معبد الهزيلة يتفجر ضرعها باللبن .

إن هذه المعجزات لهي من أعظم دلائل قدرة الله تعالى ، وإذا أراد الله نصر المؤمنين خرق القوانين ، وقلب الموازين
{ إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون } .



5) درس في الحب :

وقد قال الحبيب صلى الله عليه وسلم :
" لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين " .

إن هذا الحب هو الذي أبكى أبا بكر فرحاً بصحبته صلى الله عليه وسلم . . .
إن هذا الحب هو الذي جعل أبا بكر يقاوم السم وهو يسري في جسده يوم أن لدغ في الغار لأن الحبيب ينام على رجله .
إن هذا الحب هو الذي أرخص عند أبي بكر كل ماله ليؤثر به الحبيب صلى الله عليه وسلم على أهله ونفسه .
إن هذا الحب هو الذي أخرج الأنصار من المدينة كل يوم في أيام حارة ينتظرون قدومه صلى الله عليه وسلم على أحر من الجمر . فأين هذا ممن يخالف أمر الحبيب صلى الله عليه وسلم ويهجر سنته ثم يزعم أنه يحبه !!!
يا مدعي حب أحمد لا تخالفه *** فالحب ممنوع في دنيا المحبينا



6) درس في التضحية والفداء :

لقد سطر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه صفحات مشرقة من التضحية ، والمغامرة بالأنفس والأموال لنصرة هذا الدين .. لقد هاجروا لله ولم يتعللوا بالعيال ولا بقلة المال فلم يكن للدنيا بأسرها أدنى قيمة عندهم في مقابل أمر الله وأمر ورسوله صلى الله عليه وسلم .

فيوم أن بات علي في فراشه صلى الله عليه وسلم وغطى رأسه كان يعلم أن سيوف الحاقدين تتبادر إلى ضرب صاحب الفراش ، ويوم أن قام آل أبي بكر عبدالله وأسماء وعائشة ومولاه عامر بهذه الأدوار البطولية كانوا يعلمون أن مجرد اكتشافهم قد يودي بحياتهم .

هكذا كان شباب الصحابة فأين شبابنا ..
أين شبابنا الذين يضعون رؤوسهم على فرشهم ولا يضحون بدقائق يصلون فيها الفجر مع الجماعة .

نعم .. لقد نام شبابنا عن الصلاة يوم أن نام علي مضحياً بروحه في سبيل الله ، فشتان بين النومتين .
أين شبابنا الذين كلّت أناملهم من تقليب أجهزة القنوات ومواقع الشبكات . أين هذه الأنامل من أنامل أسماء وهي تشق نطاقها لتربط به سفرة النبي عليه الصلاة والسلام . ويوم القيامة ستشهد الأنامل على تضحية أسماء ، وستشهد على الظالمين بما كانوا يعملون .



7) درس في العبقرية والتخطيط واتخاذ الأسباب :

لقد كان صلى الله عليه وسلم متوكلاً على ربه واثقاً بنصره يعلم أن الله كافيه وحسبه ، ومع هذا كله لم يكن صلى الله عليه وسلم بالمتهاون المتواكل الذي يأتي الأمور على غير وجهها . بل إنه أعد خطة محكمة ثم قام بتنفيذها بكل سرية وإتقان .

فالقائد : محمد ، والمساعد : أبو بكر ، والفدائي : علي ، والتموين : أسماء ، والاستخبارات : عبدالله ، والتغطية وتعمية العدو : عامر ، ودليل الرحلة : عبدالله بن أريقط ، والمكان المؤقت : غار ثور ، وموعد الانطلاق : بعد ثلاثة أيام ، وخط السير : الطريق الساحلي .

وهذا كله شاهد على عبقريته وحكمته صلى الله عليه وسلم ، وفيه دعوة للأمة إلى أن تحذو حذوه في حسن التخطيط والتدبير وإتقان العمل واتخاذ أفضل الأسباب مع الاعتماد على الله مسبب الأسباب أولاً وآخراً .



8) درس في الإخلاص :

ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال :
" إنه ليس أحدٌ أمنُّ علي في نفسه وماله من أبي بكر "

فقد كان أبو بكر} الذي يؤتي ماله يتزكى { ينفق أمواله على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعلى الدعوة إلى دين الله .

لكن السؤال هنا هو
لماذا رفض صلى الله عليه وسلم أخذ الراحلة من أبي بكر إلا بالثمن ؟

قال بعض العلماء :
إن الهجرة عمل تعبدي فأراد عليه الصلاة والسلام أن يحقق الإخلاص بأن تكون نفقة هجرته خالصة من ماله دون غيره . وهذا معنى حسن ، وهو درس في الإخلاص وتكميل أعمال القرب التي تفتقر إلى النفقة ( كنفقة الحج ، وزكاة الفطر ، وغيرها من الأعمال ) فإن الأولى أن تكون نفقتها من مال المسلم خاصة .





9) درس في التأريخ الهجري :

التأريخ بالهجرة النبوية مظهر من مظاهر تميز الأمة المسلمة وعزتها . ويعود أصل هذا التأريخ إلى عهد عمر رضي الله عنه . فلما ألهم الله الفاروق الملهم أن يجعل للأمة تأريخاً يميزها عن الأمم الكافرة استشار الصحابة فيما يبدأ به التأريخ ، أيأرّخون من مولده عليه الصلاة والسلام ؟ أم مبعثه ؟ أم هجرته ؟ أم وفاته ؟ .
وكانت الهجرة أنسب الخيارات . أما مولده وبعثته فمختلف فيهما ، وأما وفاته فمدعاة للأسف والحزن عليه . فهدى الله تعالى الصحابة إلى اختيار الهجرة منطلقاً للتأريخ الإسلامي .

وظلت الأمة تعمل بهذا التأريخ قروناً متطاولة ، حتى ابتليت في هذا العصر بالذل والهوان ، ففقدت ه




بسم الله الرحمن الرحيم(رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) [البقرة/286]


عدل سابقا من قبل زكرياء في الأحد نوفمبر 02 2014, 17:53 عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sadakasoft.ahlamountada.net
هداية بسملة
صديق ذهبي
صديق ذهبي


البلد : الجزائر
الهواية :
عدد المساهمات عدد المساهمات : 5084
الجنس : انثى
نقاط : 9538
السمعة السمعة : 110
العمر : 45
الموقع الموقع : صداقة سوفت

مُساهمةموضوع: رد: ذكرى الهجرة النبوية الشريفة   السبت نوفمبر 26 2011, 12:03








بارك الله فيك زكرياء على هذه الوقفة القيمة






الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
nasser
صديق برونزي
صديق برونزي


البلد : الجزائر
عدد المساهمات عدد المساهمات : 1193
الجنس : ذكر
نقاط : 2762
السمعة السمعة : 19
العمر : 29

مُساهمةموضوع: رد: ذكرى الهجرة النبوية الشريفة   السبت نوفمبر 26 2011, 12:09








جزاك الله كل خير زكرياء على المعلومات القيمة و الهامة









الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
زكرياء
مدير الموقع
مدير الموقع


البلد : غير معروف
الهواية :
عدد المساهمات عدد المساهمات : 8302
الجنس : ذكر
نقاط : 173830
السمعة السمعة : 186

مُساهمةموضوع: رد: ذكرى الهجرة النبوية الشريفة   السبت أكتوبر 25 2014, 19:58

الهجرة النبوية، بأي معنى؟


بقلم: رشيد بوصيري


الهجرة، قبل الفتح




تنفتح سنة هجرية جديدة مع ذكرى الهجرة النبوية المتجددة، حيث خرجت الدعوة الوليدة من قريةِ ظلمٍ وعداءٍ وتحركت بكاملها إلى مدينةِ عدلٍ وولاءٍ... ماذا عسى هذه الذكرى العظيمة أن تعلمنا من دروس نستشرف بها مستقبل أمتنا؟
رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ نَاسًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا مَعَ الْمُشْرِكِينَ يُكْثِرُونَ سَوَادَ الْمُشْرِكِينَ عَلَى رَسُولِ اللهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَيَأْتِي السَّهْمُ يُرْمَى بِهِ فَيُصِيبُ أَحَدَهُمْ فَيَقْتُلُهُ أَوْ يُضْرَبُ فَيُقْتَلُ، فَأَنْزَلَ اللهُإِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ (النساء 97).
- يتضح جليًّا من خلال الخبر أن تكثير سواد الموحدين مع دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت إحدى أهداف الهجرة.
- كما نفهم أن المتخلف عن الهجرة كان بالمنطق القرآني يُعد من الظالمين لأنفسهم ولو سبق له إسلام. أَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ قَدْ أَسْلَمُوا، وَكَانُوا يُخْفُونَ الْإِسْلَامَ، فَأَخْرَجَهُمُ الْمُشْرِكُونَ مَعَهُمْ يَوْمَ بَدْرٍ فَأُصِيبَ بَعْضُهُمْ، فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: هَؤُلَاءِ كَانُوا مُسْلِمِينَ فَأُكْرِهُوا، فَاسْتَغْفَرُوا لَهُمْ؛ فَنَزَلَتِ الْآيَةُ إنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (النساء 97) فَكَتَبُوا بِهَا إِلَى مَنْ بَقِيَ بِمَكَّةَ مِنْهُمْ وَأَنَّهُ لَا عُذْرَ لَهُمْ فَخَرَجُوا، فَلَحِقَ بِهِمُ الْمُشْرِكُونَ فَفَتَنُوهُمْ فَرَجَعُوا، فَنَزَلَتْ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَا بِاللهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللهِ (العنكبوت 10)، فَكَتَبَ إِلَيْهِمُ الْمُسْلِمُونَ بِذَلِكَ فَتَحَزَّنُوا، فَنَزَلَتْ: ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينِ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِمَا فُتِنُوا الْآيَةَ، فَكَتَبُوا إِلَيْهِمْ بِذَلِكَ فَخَرَجُوا فَلَحِقُوهُمْ فَنَجَا مَنْ نَجَا وَقُتِلَ مَنْ قُتِلَ.
- الخبر التالي يضعنا أمام نموذج للهجرة هي واجبة في حق المسلمين إلا من ليس لهم حيلة أو سبيل.
- وفي حق المؤمنين جاءت الهجرة "في سبيل الله"، يقول تعالى: وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً (النساء 100).
- أما في حق المحسنين، فالهجرة تنطلق من بيت العبد إلى "الله ورسوله" ليس إلى "المدينة" ولا "في سبيل الله" وإن كانت متضمَّنة، يقول تعالى: وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (النساء 100).
- فأهمية الهجرة، بهذا المعنى، تبرُز لكونها تجمع بين عنصرين: فهي أولا، خروج وهجران لكل ما سوى الله ورسوله من مال ومناصب وأهل وولد وبلد، ثم هي ثانيا، وفي نفس الوقت تجمعٌ لسوادِ الدعوة في زمن مصيري، زمان التهديد بالزوال النهائي. عنصران إذن: الأول مصيرُ عبدٍ فرد والثاني مصيرُ أمّة.
- لذلك، فعندما تتمكن الدعوة في "مدينة النصرة" أو بالمصطلح المعاصر: "تُوفق بالسّند الشعبي"، يكون قد أتاها الفتح ولذلك "لا هجرة بعد الفتح"، لأن العنصر الأول "أي التهديد بالزوال" لم يعد قائما في حياة الأمة، لكن على طول حياة العبد يبقى قائما العنصر الثاني: "الخروج إلى الله ورسوله"، لذلك قال عليه السلام: "ولكن جهاد ونية" (رواه مسلم).
ولكن، جهاد ونية



لكل هذه المعاني، وغيرها كثير، بدأ تاريخ المسلمين من حدث الهجرة وليس من غيرها... وعلى من يعمل لدورة تاريخية جديدة أن يولي أهمية كبيرة لمعاني الهجرة.
تحت أنوار هذه المعاني الربانيةِ المستمدةِ من مشكاة المنهاج النبوي، نتفكر في التحولات ونحلل المآلات بعينين، عين تتفكر في "القدر الغالب" وما يفعله مكر الله في القوم المستكبرين الذين أعماهم مكرهم عن فهم درسِ التاريخ، وعين ثانية تحلل "ما كسبت أيدي الناس" لتستكشف عوارَ مخططاتِ المفسدين الذين انتشوا بنجاحٍ مؤقتٍ عن مصيرٍ دائمٍ.
لا نشك للحظة، ولا ينبغي لنا ذلك، أن الفتح آت لهذه الأمة وأوان مجيئه قد اقترب لكن، ينبغي أن نستقبله بالكيفية التي اقترحها علينا الإمام المرشد رحمه الله، حيث قال في كتابه "سنة الله": "إنّ الخلافة الثانية وعد موعود غير مخلوف، ومن سنة الله ورسوله أن تنشأ كل ناشئة على التدرج، وفي ميدان التدافع بين الناس، وعلى مرأى ومسمع من العالم، وبآلياتٍ أنفُسية وآفاقية تبدو مشتركة حكمها على المجتمعات غَلّاب" (ص: 305).
هذه مفاتيح سنة الله الغالبة:
- هدف استراتيجي هو الخلافة الثانية بمنهاجها وشروطها، لا نحيد عنه.
- الفتح لا يجيء إلا بالتدرج.
- الفتح لا يجيء إلا في ميدان التدافع.
- الفتح لا يجيء إلا على مرأى ومسمع من العالم، وبوسائل غير إعجازية، فلا ننتظر خرقا للعادة.
عندما نقول "لا ننتظر خرقا للعادة" فهذا لا يدخلنا ضرورة في العقلانية المذهبية؛ لأننا نقرر، كما تعلمنا في المنهاج النبوي، أن العطاء والتوفيق الإلهي يتنزل على المجاهدين لكنه يأتي تدريجا حتى لا تكاد تُرى فيه وجها لإعجازٍ. وفي هذا السياق نقرأ خبرا صحيحا أخرجه البخاري وغيره عن مسروق قال: "إِنَّ قُرَيْشًا لَمَّا غَلَبُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاسْتَعْصَوْا عَلَيْهِ قَالَ: "اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَيْهِمْ بِسَبْعٍ كَسَبْعِ يُوسُفَ" فَأَخَذَتْهُمْ سَنَةٌ أَكَلُوا فِيهَا الْعِظَامَ وَالْمَيْتَةَ مِنْ الْجَهْدِ" ...
المفتاح الثاني، هو سنة التدافع، وها هنا يجب أن نقرر أمرين جوهريين: الأول: كيف يتم التدافع؟ والثاني: مع من تتدافع الأمة؟
يجب أن نفرق، أولا، بين التدافع كفعل ذاتي والانفعال كرد فعل موضوعي، بمعنى أن التدافع لا يكون دائما دفاعيا فالمبادرة يجب أن تمتلكها الأمة وليس خصومها أو أعداؤها؛ يقول الله تعالى: قل جاء الحق وزهق الباطل (الإسراء 81). لم يقل "جاء النصر" لأن النصر من عند الله، أما الحق فيحمله أهله، وكلما تخلّفوا عن مساحة ملأها الباطل وحيث ما جاؤوا ذهب الباطل، بل زهق؛ قال صاحب لسان العرب:"زهَقَ الشيءُ يَزْهَقُ زُهوقاً فهو زاهِقٌ وزَهوقٌ، بطَل وهلَك واضْمَحَلّ" . مرة أخرى تتبعنا سنة التدرج: ابن منظور جاء بثلاث مرادفات لكلمة الزهق القرآنية "بطَل وهلَك واضْمَحَلّ" وهي لا تعني شيئا واحدا بل تحمل تدرجا في قيمة النقص، بهذا المعنى: يضمحل الباطل... ثم يبطُل... ثم يهلِك، وذلك بشرط الإصرار من أهل الحق في ساحة التدافع.
هذا أولا أما ثانيا، فيجب التنبيه إلى أن المساحات التي يملأها الباطل متعددة، لذلك لن تكون حركة الأمة التدافعية مجدية إن كانت خطية، فينبغي أن تأخذ اتجاهات تدافعية متعددة تعدد الكفاءات التي هي كامنة داخل اللأمة وتنتظر رجال التربية والتنظيم ليوجهوا الرجل المناسب إلى المكان المناسب دون تفضيل ثَغْرٍ على آخر سوى بمقدار الإمكانات والاستعدادات الشخصية، لكن في إطار مخطط منسجم ومنسق الخطوات.
فإن المُنْبَتَّ لا أرضا قطع، ولا ظهرا أبقى



وبعد ذلك من الواجب علينا، ونحن مقتنعون بسنة التدافع، أن نحدد خصمَ الأمة وعدوها بدقة، خاصة ونحن نشاهد اختلاط الأوراق على فصيل من الحركة الاسلامية تلقّف الحكم بسرعة وانتُزع منه بسرعة بحيث لم يترك له مجال ليتحسس طبيعة هذا البهموت، فسماه مرة الدولة العميقة ومرة أخرى بجمهورية الضباط... وهكذا.
بعضُ الجواب سيأتي من مهد الديمقراطية، اليونان، البلد الذي أصبح يعاني أزمات مالية واجتماعية متتالية لعل أخطرَها أزمة الجوع؛ نعم، فلقد اضطر الناس هناك إلى زرع مساحات خضراء وحدائق عمومية للتغلب على النقص الحاد في الطعام؛ واستفاقوا بفعل هذا الجوع من حلم جميل "اسمه الديمقراطية" ليكتشفوا أن بلادهم التي عَلّمت الغرب مبادئ الديمقراطية، قد بيعت للأبناك الكبرى مقابل مليارات لا تكفي لتطهير الفساد الذي خلفه رجال السياسة هناك. اكتشف اليونانيون أن بلادهم يُقَرَّر لها من داخل أروقة المال في فرانكفورت وواشنطن فتعرفوا على طبيعة نظامهم وسموه باسمه الحقيقي "سينوقراطية" أي السلطة الأتية من الخارج.
بعد اليقظة الشعبية لم يعد المواطنون هناك يطالبون فقط بالحقوق الاقتصادية، بل صاروا ينتظمون في مجموعات الأحياء وفدراليات المدن ليستردوا "سلطة الشعب" ويمارسوا الديمقراطية المباشرة كما أثل لها آباءهم الفلاسفة قبل 2500 عام. من يجرؤ في الغرب أن يعيّر هذا الرجوع بالماضوية أو الرجعية؟!
ما يقع في اليونان ما هو إلا نموذج تجريبي لما يخطط له أصحاب المال والسلطة الحقيقيون، ولكي نكتشف ما يخطط له أعداء الأمة يجب أن نتعرف على مرشديهم! نعم، فلقد جاء في كتاب عقيدة الصدمة لكاتبة أمريكية صدر في 2007 ما يلي: "كان ميلتون فريدمان، المرشد الكبير لحركة الرأسمالية غير المقيدة، والرجل الذي يعود إليه الفضل في وضع نظام الاقتصاد العالمي المعاصر السريع العجلة، من بين أولئك الذين رأوا في فيضان نيو أورلينز فرصة سانحة. فبرغم بلوغه الثالثة والتسعين من العمر، وتدهور صحته، وبعد ثلاثة شهور من انهيار الحواجز والسدود، استجمع "العم ميلتي"، وهو لقب عرف به بين أتباعه، ما يكفي من القوة لكتابة افتتاحية له في صحيفة "وال ستريت". وقد جاء فيها: "بات معظم مدارس نيو أورلينز حطاما، تماما كما باتت منازل الأطفال الذين كانوا يقصدونها. هذه مأساة. لكنها أيضا فرصة تتيح لنا إجراء إصلاحات جذرية في نظام التعليم" .
فريدمان كان يعني بالإصلاحات الجذرية في نظام التعليم: تحويل المدارس إلى أصحاب المال، وفي هذا تضيف الكاتبة: "قبل إعصار "كاترينا"، كانت الهيئة المدرسية في المدينة تدير 123 مدرسة رسمية، إلا أنها اليوم باتت تدير أربعا فقط. كما أنه قبل تلك العاصفة، لم يكن هناك في المدينة سوى سبع مدارس خاصة، في حين بات اليوم، يوجد منها 31 مدرسة. كذلك، اعتاد المعلمون في نيو آورلينز أن يمثلوا في نقابة قوية، أما اليوم فقد فسخ عقد نقابتهم وصرف جميع أعضائها البالغ عددهم 4700" .
بعد الإعصار اكتشفت الأسر المكلومة الوجه الحقيقي لأصحاب المال وكيف يتاجرون في آلام الناس من خلال نظرية فريدمان المسماة "رأسمالية الكوارث". وبعد سنة على أخر وصية سياسية له، سيموت فريدمان في أواخر 2006، وسيُنحت له تمثال من طرف مريديه وتلاميذه الذين كانوا رؤساء لجمهوريات عديدة، ووزراء منهم بريطانيون وروس وبولنديون وطغاة من العالم الثالث وغيرهم كثير... وقد حققوا هم وأمثالهم الـ500 الأغنياء في العالم دخلا صافيا يفوق ما جَمَعَه 416 مليون فقير في سنة الأزمة "2008".
ركزت على جانب أراه ضروريا لفهم الأسباب الحقيقية وراء اضمحلال "الفاعل التاريخي" المغربي منذ عقود، حيث يتفتق مكر أبناء فريدمان عندنا في كل مرحلة على وسائل متجددة من الإخضاع وشراء الولاءات في نفس الوقت الذي يقدّمون فيه ما تبقى من جواهر الاقتصاد الوطني لأولياء النعمة في الخارج للسكوت على المخازي أو لتلميع صورة النظام داخل المحافل الدولية.
المعادلة في المغرب باتت واضحة، سلطة حاكمة تعتمد على ثالوث المال والشرعية الدينية والحكم المطلق وتقوم بتحديد عصبيتها وتجديدها (بالمفهوم الخلدوني). فكلما أينعت ثمرة فاعل سياسي أو نقابي أو جمعوي يتم عصره من مخزونه من الشرعية والمصداقية لضخها في رصيد الاستبداد. بهذه الاستراتيجية تمكن المخزن من الخروج سالما بعد تجربة 20 فبراير، ثم ارتكب خطأً استراتيجيا عندما تسرع في إدماج فاعل جديد قبل نضجه الكامل وفي سياق محلي وإقليمي متحول ما سينعكس على تماسك بنية المخزن ويبرز تناقضاتها الكامنة.
فما العمل؟ والساحة مرشحة لموجة احتجاجية ثانية لأن مجال المناورة بات أضيق وإمكانيات التنفيس باتت ضعيفة؟ العمل لن يكون إلا جماعيا، والتواصل مع الآخر مقدمة ضرورية لأي عمل مشترك قد يكون شكله الإجرائي: جبهة، أو كتلة، أو ميثاق... لكن من الضروري أن يتبلور، بشكل جماعي، تصورٌ واضح حول الهوية الجامعة، والخصم الاجتماعي، وطرق المقاومة والتغيير.
الإشكالات كبيرة ولا يمكن أن نمر عليها مر الكرام حتى لا تفاجئنا الأحداث فنعيدُ تجارب العقود السابقة. العمل جلل، والأمة تريد الأعمال وليس الأقوال، والأعمال بالنيات، ومن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله.




بسم الله الرحمن الرحيم(رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) [البقرة/286]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sadakasoft.ahlamountada.net
زكرياء
مدير الموقع
مدير الموقع


البلد : غير معروف
الهواية :
عدد المساهمات عدد المساهمات : 8302
الجنس : ذكر
نقاط : 173830
السمعة السمعة : 186

مُساهمةموضوع: رد: ذكرى الهجرة النبوية الشريفة   السبت أكتوبر 25 2014, 20:02

الهجرة النبوية.. رؤية معاصرة




بقلم: محمد بن الطالب


بدأ التقويم الهجري (القمري) بهجرة النبي صلى الله عليه وسلم، من مكة إلى المدينة، في محرم الموافق لسنة 622م، كانت حينئذ هجرة بدين المضطهدين والمستضعفين، للتمكين في دولة المصطفين الأخيار، من الأنصار والمهاجرين، هجرة "جيوتاريخية"، مكانية ومادية، للأبدان في البلدان، لم ولن تتكرر، وهجرة "سوسيوبولتيكية"، مكنونة ومعنوية، دائمة، بُذل فيها الغالي والنفيس، وأبدل فيها الظلم بالعدل، والخوف بالأمن، والعادة بالعبادة. القاسم المشترك بين الهجرتين هو الخروج، ففي الأولى يكون الخروج بالعبادة إلى بر الأمان، وفي الثانية يكون الخروج من العادة إلى بحر الإيمان، والمحفز المباشر لهما توجهه الشجاعة، والإرادة، والعزيمة، والتضحية، وشرطهما الجوهري هو العلم والقدرة، ومقومهما العام هو الشعور والإحساس، والدافع الأساسي لهما هو الارتقاء والتنمية.
قبل أيام أهل علينا هلال عام 1435هـ، عام جديد وعلى عملنا شاهد، عام مضى بالأفراح والأقراح، وباللذات والأتعاب، وبالليالي والأيام، وبالدقائق والساعات، وبالأسابيع والشهور، عقارب الساعة تعمل فينا، تسرق منا الشباب، ويسرع بنا الزمان، وتزين لنا الحياة، ونحن نستبطئ التوبة، ونسوف الهجرة.
الهجرة المكانية: هجرة بالعبادة
إذا كان السلف الصالح من الصحابة، رضوان الله عليهم، قد هاجروا بالدين وبالعبادة، من مكة التي فتنوا فيها، إلى المدينة التي فرحوا فيها، فإنهم قاموا بهذا العمل السامي والمقام العالي، أصالة عن أنفسهم ونيابة عن الأمة، لأن الله تعالى انتدبهم لهذه المهمة الصعبة، لأنهم كانوا أهلا لها، فروا من قدر الله إلى قدر الله، كما قال تعالى: وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات، ليستخلفنهم في الارض كما استخلف الذين من قبلهم، وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا، يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون ، ولك أن تتصور لو وكّل لنا هذا الأمر اليوم، ماذا نحن فاعلون؟ ولك أن تسأل التاريخ، ماذا فعل أجدادنا، رحمهم الله، في القدس التي حررها صلاح الدين، وباعها أعداء الدين؟ ماذا فعل الخونة بالأوطان، التي كان حبها من الإيمان، ألم يدخلوا علينا الاستعمار والانتداب والحماية؟ حتى تداعت علينا الأمم لمّا أصابنا الوهن (حب الدنيا وكراهية الموت) والهوى والهوان... ففي الهجرة المكانية قال الصادق المصدوق، صلى الله عليه وسلم، في الحديث المتفق عليه: "لا هجرة بعد الفتح؛ لكن جهاد ونية" ، إيذانا منه، عليه الصلاة والسلام، بنهاية الهجرة بالعبادة والدين لأي مكان، لا إلى جبال أفغانستان ولا إلى أدغال إفريقيا، كما هي قاعدة بعض الدعاة اليوم، وإنما اقتضت السنة النبوية، ما يتضمنه الحديث النبوي الشريف، الذي أخرجه مسلم رحمه الله، عن معقل بن يسار عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "العبادة في الهرج كهجرة إليّ" ، والهرج هو ما تعيش عليه الأمة اليوم، من اضطراب واختلاط و"اختلاف" وقاتل ومقتول، كلها مؤشرات تؤكد ضرورة استيعاب معاني ومقاصد العبادة، ودعوة صريحة لعودة الأمة إلى دينها "المهجور". أما القائلون بهجران العبادة والدين، وتركهما وتخطيهما، والتخلص منهما، للالتحاق بالركب الحداثي (الحداثية المذهبية وهي غير الحداثة الفطرية)، التي تنورت بها باريس يوم تخلصت من عبادتها للقيصر والقس والبابا في إمبراطورية الفاتيكان، نعاود القول لهؤلاء، وننبههم أن لا يسقطوا في مزلق "القياس الفاسد"، حينما يقيسون: الدين الإسلامي على la religion أو يخلطون بين تصرفات المسلمين، وتصورات الإسلام. يقدسون العقلانية، ويحتقرون الغيبيات، ويزدرون العبادات، ويطمسون المعالم الدنية باسم المدنية، هؤلاء يُهجّرون العبادة من الأبدان والبلدان، و يفصلون الأرواح عن الأبدان. لا تسمع لما يقولون وانظر إلى ما يفعلون، بل انظر ما فعلت الحداثة في مجتمعهم: سفهت أحلامهم، ولطخت أخلاقهم، وأنكرت أسلافهم، وزادت من أسقامهم، وشوهت وجدانهم... أفبعد هذا، نقتفي آثارهم، في تعاملنا مع العبادة والدين؟ ومع ذلك فإننا لا ننكر هجرانهم للطاغوت السياسي وإنكارهم للاستبداد الديني، وتلك حكمة نجعلها ضالتنا، وهجرة مكنونة ننشدها...
الهجرة المكنونة: هجرة من العادة
الهجرة المكنونة، كما أسلفنا الحديث، تحتاج إلى محفز مباشر، الذي أشار إليه حديث الفاروق عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، الذي قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه" . متفق عليه، انظر، حفظك الله، إلى البيان اللغوي في هذا البلاغ النبوي، في التوكيد اللفظي لقوله "فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله" ، تأكيد على أهمية الهجرة المكانية بالعبادة وخصوصيتها، وأولويتها، فالهجرة إلى الله ورسوله هي أيضا هجرة الاستبداد والفساد والديكتاتورية، وكل ما من شأنه أن ينازع الله في ملكه ورسول الله في أمته، دون أن ينكر، الحديث، الهجرة المكنونة، التي عبر عنها بقوله "فهجرته إلى ما هاجر إليه"، وهي تفيد العموم، فكل يعرف الهجرة التي يجب أن يهجرها، والأعمال التي يجب أن يتركها، والسلوكات والممارسات السيئة الواجب التخلص منها، والعادات التي كبلت الإرادة، والشهوات التي قيدت النفس، والنزوات التي زيفت الإنسان، والرفقة الفاسدة المطلوب مقاطعتها، والمجتمع الأعوج المفروض تقويم اعوجاجه، والدولة الظالمة المنتظر إشاعة العدل فيها.
موانع الهجرة المكنونة، إذن، أحدها ذاتي والآخر موضوعي، أما الموانع الذاتية فترتبط بالإرادة، والهمة، والنية، وصدق العزيمة، ويغلب عليها سيطرة الهوى، وتفشي الأمية، وهيمنة الأنفة، والغرور، والإعجاب بالنفس، واللامبالاة، والتسويف، والفقر، هي مؤشرات مرضية قابلة للعلاج. وأما الموانع الموضوعية فكثيرة الأنواع، ومتعددة الفروع، ومتباعدة الأطراف، ترتبط بالبيئة، وبالواقع المعيش، مبدؤها الصحبة والرفقة التي تزين المشهد وتأثث المظهر، مرورا بالمجتمع الصامت والعاجز، وانتهاءً بالدولة الظالمة والفاسدة، التي جوعت، وفقرت، وجهلت، وأفسدت، واستكبرت، فكان من الأولى هجرة أفعالها، وعدم الالتفات إلى أقوالها، وعدم الالتفاف حول رجالها، وإجبارهم على التنازل عن أفعالهم، أو إنزالهم من على عروشهم، كما فعل بالدكتاتور التونسي، والسفاح الليبي، والطاغية المصري، لا الهجرة منها، والهروب منها، نزوحا إلى الدول المجاورة، أو هجرة عبر قوارب الموت إلى بطون الحوت وأعماق البحار، أو صعود الجبال.
الهجرة المكنونة، هي الهجرة الدائمة، وهي الهجرة المتجددة، والتي تحدث عنها الحديث النبوي الشريف، فعن معاوية - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: "لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها" . رواه أحمد وغيره. طلوع الشمس وغروبها، آيات من كتاب الله المكتوب وكتابه المنظور، علامات وصوى، ورسائل ربانية، ولطائف إلهية، للعبرة والاتعاظ، غايتها التوبة التي هي تاج الهجرة المكنونة، من يضمن أن لا تطلع شمسه غدا من مغربها؟ فلماذا نسوف التوبة، ولماذا نؤجل الهجرة؟ استمع يا أخي إلى ابن عمر رضي الله عنهما، لما يقول: "إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك ومن حياتك لموتك" .
وفي الختام، أصغ، رحمك الله، وحفظك، ورعاك، إلى هذه الحكمة من ابن عطاء الله السكندري رحمه الله: "لا ترحل من كون إلى كون، فتكون كحمار الرحى، يسير والمكان الذي ارتحل إليه هو المكان الذي ارتحل منه، ولكن ارحل من الأكوان إلى المكون، " وأن إلى ربك المنتهى ، وانظر إلى قوله صلى الله عليه وسلم: "فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أوامرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه" "، وافهم قوله صلى الله عليه وسلم، وتأمل هذا الأمر إن كنت ذا فهم" .




بسم الله الرحمن الرحيم(رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) [البقرة/286]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sadakasoft.ahlamountada.net
زكرياء
مدير الموقع
مدير الموقع


البلد : غير معروف
الهواية :
عدد المساهمات عدد المساهمات : 8302
الجنس : ذكر
نقاط : 173830
السمعة السمعة : 186

مُساهمةموضوع: رد: ذكرى الهجرة النبوية الشريفة   السبت أكتوبر 25 2014, 20:06

دروس من الهجرة النبوية

بقلم: عبد الحميد عماري



مقدمة

نعيش هذه الأيام، مع بداية السنة الهجرية الجديدة ذكرى عظيمة غراء، ذكرى الهجرة النبي –صلى الله عليه وسلم- من مكة إلى المدينة. إنها الهجرة النبوية التي كان لها عظيم الأثر في تغيير العالم وتوجيه سيرورة التاريخ. وأظهرت أن إرادة الله الواحد القهار فوق مكائد المشركين والحاقدين مهما كانت قوتها وقوة أصحابها. حاول مشركو قريش أن يقضوا على دعوة الإسلام ونبيها بشتى الطرق والوسائل؛ من مساومة وحصار وتضييق واضطهاد وتعذيب، لكنها كلها فشلت في أن تزعزع النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته عن ما هم عليه، بل زادتهم يقينا في دعوتهم وإصرارا على نصرة دينهم، فما كان أمام أعداء الإسلام إلا وسيلة أخيرة؛ هي القضاء على رمز الدعوة محمد صلى الله عليه وسلم، غير أن الله أرادها بداية لانتصار الإسلام، قال الله تعالى: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَويَقْتُلُوكَ أَويُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ [1]. هذه الهجرة التي بفضلها تبدل حال الدعوة ومعها ثلة المؤمنين الذين صبروا على الظلم والاضطهاد من ضعف إلى قوة، فكانت بحق الفيصل بين عهد الاستضعاف وعهد التمكين.
ونحن اليوم وإن كانت تفصلنا عن حدث الهجرة قرون من الزمن، لكن معانيها وعبرها ما زالت حية وحاضرة ومتجددة، فقط المطلوب منا أن نعيد الارتباط بها، وما أحوجنا اليوم وواقع الأمة اليوم كما هو جلي لنا، إلى أن نسلك سلوك الهجرة الايماني الجهادي رغبة في إصلاح ما فسد وجبر ما انكسر. فهيا بنا نطوف في تفاصيل ووقائع وأحداث الهجرة نيتنا في ذلك أن نتتلمذ على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى صحابته الأطهار لعلنا نقطف بعض المعاني والدروس والعبر، فتحشد بإذن الله هِممنا وتوجه سلوكنا وتنير طريقنا . فما هي أهم معاني الهجرة؟ وكيف نهاجر إلى الله ورسوله في زماننا هذا؟
أولا- معنى الهجرة
إن الهجرة النبوية لم تكرم على أنها انتقال من مكان إلى مكان آخر بل كرمت لأنها تجسيد للسلوك التعبدي الإيماني الذي ينتقل فيه العبد السالك نحو الله، من العادة إلى العبادة، ومن الغفلة إلى الذكر، ومن البعد عن الله إلى مرتبة القرب منه سبحانه وتعالى. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "المهاجر من هجر ما نهاه الله عنه" [2]، وكرمت كذلك لأنها وسيلة رحيمة تهدف إلى هجران واقع الظلم والاستضعاف والتكذيب والتشتت والعزلة والقلة، نحو واقع القوة والعدل والحرية والوحدة بعد طول جهاد وصبر. قال الله تعالى: واهجرهم هجرا جميلا [3]..
فهي بذلك إذن مفهوم شامل لسلوك الفرد وواقع الأمة، تتجدد معانيها حسب الأشخاص والزمان والمكان، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية" .
يقول الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله: "لا تحسبن أن الهجرة والنصرة معنيان قاما بجماعة الصحابة ثم ذهبا، كلا. فإن معاني القرآن الكريم خالدة، فعلينا أن نبحث ن مناط حكمي الهجرة والنصرة في واقعنا الفتنوي. فإذا حددنا من هو المهاجر وما هي الهجرة والجهاد، اتضح لنا كيف ننزل تلك الأحكام على مجتمعاتنا وفئات الناس فينا" [4].
ثانيا- بعض معاني الهجرة
1- الهجرة بذل وعطاء
من أهم الدروس التي يمكن أن نستخلصها من أحداث الهجرة هو أن انتصار الدعوة رهين بتقديم وبذل الغالي والنفيس؛ فهذا سيدنا علي رضي الله عنه ينام مكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو موقن أن ذلك يعني تعريض حياته للخطر. وهذا سيدنا أبو بكر رضي الله عنه يهاجر مع رسول الله ويأخذ كل ماله معه لخدمة الدعوة ويترك أهله دون مال، همه الوحيد أن يكون في معية رسول الله صلى الله عليه وسلم في الرحلة التاريخية. بل كل هؤلاء المهاجرين الذين هاجروا إلى المدينة تاركين وراءهم أهاليهم وأموالهم في سبيل الله، بل هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه يبقى آخر المهاجرين إلى المدينة رغم كل ما قد يتعرض له من أذى المشركين خصوصا أن صحابته قد هاجروا، وهذا الدرس المستفاد ما أحوج الأمة اليوم إليه في زمن الانبطاح والاستسلام وزمن الوهن، الذي أصبح فيه الكثيرون مطبعين مع أعداء الإسلام مستكينين للظلم والفساد، وتركوا الجهاد، ولا إرادة لهم على الإنفاق والبذل والتضحية، قمة إرادتهم أن يعيشوا حياة مهما كانت ذليلة مهينة، وهذا هو السبب الرئيسي في ما تعيشه الأمة حتى أصبحت قصعة مستباحة لكل أمم الأرض كما وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك، لهذا تزداد حاجتنا أفرادا وجماعات وعلماء إلى التخلق بهذه الخصلة النبوية التي بها يستقيم حال الأمة. يقول الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله "ومتى كان لنا جيل ترخص عليه نفسه في سبيل الله، ويعطي ماله في سبيله سبحانه لا يحسب، متى كان لنا جماعة وطد أعضاؤها عزمهم على السفر إلى الله تعالى مهما كان ثمن الرحلة فما ظهور الإسلام على الدين كله يومئذ ببعيد" [5].
2- الهجرة سلوك وجهاد جماعي
من خلال عملية استقراء وقائع حدث الهجرة النبوية نجد أن من أهم المعاني التي أراد أن يعلمنا إياها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هي أن المهاجر لا بد له من صحبة مؤنسة ورفقة رحيمة توجه همته وترشد قصده وتذكر غفلته، وهذا ما تأكد حينما جاء سيدنا أبو بكر يستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الهجرة فقال له رسول الله عليه وسلم: "على رسلك فإني أرجو أن يؤذن لي" ، فقال أبو بكر: وهل ترجو ذلك بأبي أنت يا رسول الله؟ قال: "نعم" [6]. فاصطفى رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك أبا بكر لصحبته، فكان أبو بكر نعم الصاحب لرسول الله، وفي هذا دعوة لكل مؤمن مهاجر إلى الله أن يبحث عن وارث لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدلل له الصعاب ويقصر له المسافات ويشد بيده نحو الأمان.
كما أن الهجرة جهاد جماعي يتطلب تضافر الجهود من جميع جند الله وكل أنصار الدعوة، فهاهو رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وأبو بكر يهاجران، وهذا علي ينام مكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهذا عبد الله بن أبي بكر يستمع إلى أعداء الدعوة وإلى خططهم ليبلغها لرسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه، وهذه أسماء بنت أبي بكر تزود الرسول صلى الله عليه وسلم وصاحبه بالمؤن والطعام، وهذا درس أهم خلاصته: أنه لن يستقيم حال الأمة اليوم إلا إذا رشّدت الجهود في عمل منظم رشيد يسد فيه جند الله كل من موقعه أي ثغرة قد يؤتى الإسلام وأهله منها أو تكون سببا في نصر الدعوة المحمدية.
3- الهجرة تخطيط ومنهاج
كيف يتصور بناء أمة شاهدة بالقسط قائمة بالحق ما لم يقم أهلها بالتخطيط اللازم، ما لم يمتلك جند الله المنهاج الكفيل بذلك، وأي منهاج أقدر على ذلك من منهاج رسول الله صلى الله عليه وسلم. في الهجرة دروس بليغة للمؤمنين المُصلحين المُضطهَدين ، دروس في التخطيط والأخذ بالأسباب، فرغم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مؤيد بالوحي ومنصور من عند الله لم يجعله ذلك يترك الأسباب، فتجده يُعد خطة محكمة لمسار الهجرة، ويعد الوسائل الكفيلة لتمويه مشركي قريش وغير ذلك... لأن سنة الأخذ بالأسباب سنة الله التي لا تحابي أحدا وإن كانوا أنصار الحق. ولهذا على الأمة اليوم أن تترك الانتظار البليد وأن تعمل على استشراف موعود الله وموعود رسوله صلى الله عليه وسلم بإعداد العدة والأسباب الكافية لاستنزال هذا الموعود موعود التمكين والنصر، وذلك عن طريق اقتحام أفرادها الميدان ليربوا وينشؤوا ويتدافعوا ويؤهلوا الأمة في مجموعها.
كما أن التخطيط وحده لا يكفي ما لم يكن داخلا في كنف منهاج واضح، راسخ، شامل، يثبت العزيمة ويوضح الغاية ويتخذ الوسائل العملية، منهاج ينظر للغد القريب والبعيد رؤية يقين ووضوح.
4- الهجرة استجلاب لمعية الله
في غمرات التنافس على الدنيا تضيع البوصلة وتُخطئ الوجهة، تتثاقل النفس عن طلب الآخرة ويصبح هم الله آخر الهموم وأهونها، لكن الهجرة بمعناها المستمر عبر الزمن تسمح بإعادة توجيه الهم نحو الآخرة وتربية النفس على طلب العلا والتي لا يستقيم حالها إلا بطلب الله ومعيته.
كيف تنال معية الله؟ سؤال يطرحه كل مهاجر يريد وجه الله، وجوابه جاءنا مقررا في مواضع مختلفة من كتاب الله، منها قوله الله تعالى لبني إسرائيل: وقال الله إني معكم لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي وعزرتموهم وأقرضتم الله قرضاً حسناً [7]، وقال تعالى مخاطبا أمة القرآن وبيانا لأسباب حصول معية الله عز وجل: إن الله مع الذين اتقوا وكانوا محسنين [8] ، واصبروا إن الله مع الصابرين [9].
إنها المعية الإلهية التي طمئنت موسى وأخاه هارون –عليهما السلام- بالنصر وبعدم الخوف من فرعون وكيده فقال له الله قال لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى [10]، وهي المعية الربانية نفسها التي طمأنت وأيدت رسول الله – صلى الله عليه وسلم- وصاحبه رضي الله عنه في شدة الابتلاء؛ قال تعالى: فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها [11].
نحن بأمس الحاجة أفرادا وجماعات إلى إدراك خلل ما يتميز به سلوكنا وجهادنا، بصحبة من كان الله معه، قال الله تعالى: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين [12]. فالهجرة سلوك نحو الله وجهاد بصحبة أهل الله طلبا لمعية الله، قال الله تعالى: محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم [13].
لهذا وجب تجديد معنى المعية الإلهية في الجهاد وفي طلب وجه الله في ظل واقع طغت فيه الأنانية المستعلية وتركت فيه الوراثة النبوية.
5- الهجرة قصد ونية
عن أَبي هند الْبجلي قال: كنا عند معاويةَ رضي الله عنه وهو على سريره وقد غمض عينيه فتذاكرنا الهجرة والقَائل منا يقول انقَطعت، والقائل منا يقول لم تنقطع فاستنبه معاوية فقال: "ما كنتم فيه؟"، فأخبرناه وكان قليل الرد على النّبي صلَّى اللّه عليه وسلَم فقال: تذاكرنا عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلَّمَ فَقَالَ: "لا تنقَطع الْهجرة حتَى تنقَطع التوبة ولا تنقَطع التّوبةُ حتى تطلع الشمس من مغربها" [14].، لقد انقطعت الهجرة المكانية بفتح مكة، لكن الهجرة التي لم تنقطع هي تلك الهجرة القلبية التي تتجدد بنية المؤمن وفعله إنها حاضرة في كل عمل وقول يكون القصد فيه الله، قال الله تعالى: ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما كثيرا وسعة ومن يخرج من بيته مهاجرا الى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله وكان الله غفورا رحيما [15].
ما يجب أن ينال في الدنيا هو وجه الله لأنه مقصد العارفين والكيسين، وهو الربح الحقيقي في معركة الدنيا. إن الضامن لصحة القصد هو صحة النية والعزم، قال صلى الله عليه وسلم: "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرء ما نوى" [16] ومتى اختلت النية اختل القصد. في هجرة النبي عليه الصلاة والسلام وصحابته الأخيار دروس في معنى تحديد القصد الذي لا تنال منه محاولات المساومة ولا التمويه، إخلاص النية والقصد عربون على توفيق الله ودليل على نصر الله، قال تعالى: والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه أعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا، ذلك الفوز العظيم [17].
خاتمة
إنها الهجرة النبوية، تلك الرحلة العظيمة التي فتحت للدعوة أفقا أوسع وأكبر فكانت بداية نهج جديد في التبليغ تضافرت فيه جهود المهاجرين والأنصار جميعا لتصنع دولة الاسلام، دولة ستحمل للعالم رسالة جديدة جوهرها أن لا سعادة للإنسان إلا إذا عرف سر وجوده ومبلغ خلقه، ولا سعادة للبشرية إلا بشرع الله وعبادة الله.
إنها الهجرة تخاطبك أنت فردا وتخاطبنا جميعا أمة، فيا أخي المؤمن لنهاجر إلى الله ورسوله بأن نهجر ظلام معصية الله لنتعلق بنور طاعة الله، لنهاجر من سيطرة الهوى إلى نورانية الوحي، لنهاجر من أنانيتنا وتكبرنا إلى رِبقة الصحبة الإيمانية الدالة على الله، لنهاجر إلى درب الجهاد ولنخلص همتنا نحو الله، يقول الأستاذ عبد السلام ياسين رحمة الله عليه في كتابه المنهاج النبوي "والهجرة المطلوبة في حق الفرد المؤمن والجماعة المجاهدة في عصرنا هجرة معنوية. أول خطوة فيها هجرة ما حرم الله. ثم قطع ما يربطنا بالماضي قبل التوبة. وبالتعالي على حاضر الفتنة. وترقب نصر الله بالتخطيط للمستقبل والاستعداد له" .
اللهم ألهمنا السداد ووفقنا لتقواك، وامنن علينا بهجرة إليك تبقى مدى الحياة، واجعلها طريقا لمعيتك يا أرحم الراحمين، اللهم صلي على سيدنا محمد وعلى آله وصحابته الأطهار، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
[1] سورة الأنفال الآية 30.
[2] أخرجه البخاري.
[3] سورة المزمل الآية 10.
[4] المنهاج النبوي، ص: 56.
[5] المنهاج النبوي، ص: 197.
[6] سيرة ابن كثير.
[7] سورة المائدة الآية 12.
[8] سورة النحل الآية 128.
[9] سورة الأنفال الآية 46.
[10] سورة طه الآية 46.
[11] سورة التوبة الآية 23.
[12] سورة التوبة الآية 119.
[13] سورة الفتح.
[14] رواه أحمد، وأبوداود، والدارمي
[15] سورة النساء الآية 100.
[16] رواه الشيخان.
[17] سورة التوبة الآية 100.




بسم الله الرحمن الرحيم(رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) [البقرة/286]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sadakasoft.ahlamountada.net
 
ذكرى الهجرة النبوية الشريفة
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى صداقة سوفت :: ¯°·.¸¸.·°¯°·.¸¸.·°¯ الثقافة والإعلام و التاريخ ¯°·.¸¸.·°¯°·.¸¸.·°¯ :: ۩ حدث في مثل هذا اليوم ۩-
انتقل الى: