نورت منتديات صداقة سوفت ياآ ~ زائر ~ إن شاء الله تكون بألف خير وعاآفية ... نحن نناضل لبناء مجتمع تعمه معاني الصداقة والأخوة المعمقة بالحب والود
 
الرئيسيةمكتبة الصورالتسجيلدخول
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم {اَللَهُ لا إِلَهَ إلا هو اَلحي ُ القَيَوم لا تأخذه سِنَةٌ ولا نوْمٌ لَّهُ مَا فيِِ السَمَاوَاتِ وَمَا في اَلأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَينَ أَيدِيهِمْ ِوَمَا خَلْفَهم وَلا َيُحِيطُونَ بشَيءٍ مِنْ علمِهِ إِلاَ بِمَا شَآء وَسعَ كُرْسِيُّهُ السَمَاوَاتِ وَالأَرضِ وَلاَ يَؤُدُه حِفْظُهُمَا وَهُوَ العَليُّ العَظِيمُ}

شاطر | 
 

 موسوعة الخطب المكتوبة و الدروس

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
انتقل الى الصفحة : 1, 2  الصفحة التالية
كاتب الموضوعرسالة
جيمي
صديق برونزي
صديق برونزي


البلد: الجزائر
الهواية :
عدد المساهمات عدد المساهمات: 2193
الجنس: انثى
نقاط: 3644
السمعة السمعة: 33
العمر: 34

مُساهمةموضوع: موسوعة الخطب المكتوبة و الدروس    الجمعة يونيو 22, 2012 4:30 pm




السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


[size=25]
][ موسوعة الخطب المكتوبــــة والدروس][





هنا ان شاء الله سيتم تجميع مواضيع الخطب المكتوبة والدروس المكتوبة ايضاً

ومن طرح موضوع في قسم الخطب والدروس والمحاضرات الاسلامية

وهو عبارة عن خطبة مكتوبة او درس مكتوب
 ورغب ان يشارك

ففضلاً يضع رابط الموضوع هنا وسيصبح لدينا ان شاء الله

موسوعة للخطب المكتوبة والدروس

ليسهل الاطلاع عليها والاستفادة منها ان شاء الله




[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

 
[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]


[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]



[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]


[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

 [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

 [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

 [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]





 [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]



 [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

 [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]



[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

 [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

 [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

 [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]


 

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]


 



[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]


 
[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]



 
[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]


[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

 [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

 [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]


[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]
[/size]


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
جيمي
صديق برونزي
صديق برونزي


البلد: الجزائر
الهواية :
عدد المساهمات عدد المساهمات: 2193
الجنس: انثى
نقاط: 3644
السمعة السمعة: 33
العمر: 34

مُساهمةموضوع: رد: موسوعة الخطب المكتوبة و الدروس    الجمعة يونيو 22, 2012 4:32 pm

[size=16][size=25]][ موسوعة الخطب المكتوبــــة والدروس][[/size]





[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]


[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]


[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]


[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]


[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]



[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]




[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]


[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]


[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]


[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]



[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]


[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]


[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]


[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]


[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]


[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]


[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]


[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

[size=16][ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط][/size]
[/size]


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
زكرياء
مدير الموقع
مدير الموقع


البلد: غير معروف
الهواية :
عدد المساهمات عدد المساهمات: 6490
الجنس: ذكر
نقاط: 171369
السمعة السمعة: 99

مُساهمةموضوع: رد: موسوعة الخطب المكتوبة و الدروس    الجمعة يونيو 22, 2012 8:00 pm





بارك الله فيك أختنا جيمي على الخطب و الدروس القيمة
سنحاول إضافة المزيد من الروابط لموضوعك الهام
الف شكر لك







بسم الله الرحمن الرحيم(رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) [البقرة/286]


Sahar
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sadakasoft.ahlamountada.net
inass
صديق برونزي
صديق برونزي


البلد: الجزائر
الهواية :
عدد المساهمات عدد المساهمات: 1374
الجنس: انثى
نقاط: 2403
السمعة السمعة: 14
العمر: 20

مُساهمةموضوع: رد: موسوعة الخطب المكتوبة و الدروس    السبت يونيو 23, 2012 12:38 am

شكرا لك أخت جيمي و هذه مساهمتي بمجموعة محاضرات للشيح محمد حسان
1 ـ وصف الرسول صلى الله عليه و سلم :
[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

2 ـ هل سيهدم الأقصى ؟
[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

3 ـ الحج و أنفلونزا الخنازير
[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

4 ـ حجة الوداع
[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

5 ـ السحابة السوداء
[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

6 ـ فقه الحج و سننه
[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

7 ـ فقه الحج و سننه 2
[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

8 ـ سبيل النجاة من الفتن
[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

9 ـ ماذا يريدون من المرأة ؟
[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

10 ـ حرمة القتل
[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

11 ـ عاقبة شرب الخمر
[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

12 ـ لأنفلونزا الخنازير
[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

13 ـ عائشة حبيبة رسول الله
[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

14 ـ ماذا قدمت لدين الله ؟
[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

15 ماذا قدمت لدين الله 2 ؟
[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

16 ـ الغيبة و النميمة 1
[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

17 ـ الغيبة و النميمة 2
[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

18 ـ وفاة الرسول صلى الله عليه و سلم 1
[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]
19 ـ وفاة الرسول صلى الله عليه و سلم 2
[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

20 ـ الطريق إلى القدس 1
[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

21 ـ الطريق إلى القدس 2
[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

22 ـ سكرات الموت 1
[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

23 ـ سكرات الموت 2
[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

24 ـ الثبات حتى الممات 1
[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

25 ـ الثبات حتى الممات 2
[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

26 ـ سماحة الاسلام و إرهاب الغرب 1
[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

27 ـ سماحة الاسلام و إرهاب الغرب 2
[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

28 ـ الجهاد سلعة ثمنها الجنة 1
[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

29 ـ الجهاد سلعة ثمنها الجنة 2
[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

30 ـ حكم تارك الصلاة 1
[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

31 ـ حكم تارك الصلاة2
[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

32 ـ مشاهد من أمريكا 1
[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

33 ـ مشاهد من أمريكا 2
[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

34 ـ خطورة الكلمة 1

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]
35 ـ خطورة الكلمة 2
[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
inass
صديق برونزي
صديق برونزي


البلد: الجزائر
الهواية :
عدد المساهمات عدد المساهمات: 1374
الجنس: انثى
نقاط: 2403
السمعة السمعة: 14
العمر: 20

مُساهمةموضوع: رد: موسوعة الخطب المكتوبة و الدروس    السبت يونيو 23, 2012 12:50 am

36 ـ صفحات سود من تاريخ اليهود 1
[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

37 ـ صفحات سود من تاريخ اليهود 2
[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

38 ـ الباحثون عن السعادة 1
[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

39 ـ الباحثون عن السعادة 2
[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

40 ـ سوء الخاتمة 1
[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

41 ـ سوء الخاتمة 2
[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

42 ـ الغفلة 1
[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]
43 ـ الغفلة 2
[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

44 ـ تحذير الأحباب ممن حرم النقاب 1
[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

45 ـ تحذير الأحباب ممن حرم النقاب 2
[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

46 ـ أيها العاصي تب إلى ربك 1
[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

47 ـ أيها العاصي تب إلى ربك 2
[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

48 ـ الاسلام قادم 1
[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]
49 ـ الاسلام قادم 2
[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

50 ـ جرائم بشعة 1
[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

51 ـ جرائم بشعة 2
[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

52 ـ يا ألف مليون مسلم 1
[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

53 ـ يا ألف مليون مسلم 2
[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

نلتقي ان شاء الله مع دعاة اخرين عن قريب
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
زكرياء
مدير الموقع
مدير الموقع


البلد: غير معروف
الهواية :
عدد المساهمات عدد المساهمات: 6490
الجنس: ذكر
نقاط: 171369
السمعة السمعة: 99

مُساهمةموضوع: رد: موسوعة الخطب المكتوبة و الدروس    السبت يونيو 23, 2012 3:25 pm





المحاضرة الاولى
الدعوة ومقاهي الانترنت للشيخ محمد المنجد
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
هذا النص تفريغ كامل لمحاضرة الشيخ محمد بن صالح المنجد - الانترنت بين الدعوة والمقاهي .
ونعتذر للشيخ محمد وللإخوة القراء فلا يخلو الأمر من خطأ في النقل أو الكتابة ، ونشير إلى أن النص كتب كما ألقي في المحاضرة ما يعني أنه لا ينبغي الحكم عليه كمقال أو رسالة ولكن يبقى نص محاضرة مفرغ .
ولأهمية الموضوع نقترح على من يستطيع من الإخوة أو ممن كان قريب من الشيخ ، إعادة ترتيب وكتابة الموضوع وعرضه على الشيخ ليتم طباعته بعد ذلك كرسالة أو كتيب ومن ثم نشره .
نسأل الله أن ينفع به وأن يثيب الشيخ الفاضل محمد بن صالح المنجد على ما يقوم به من جهد وأن يجعل ذلك في ميزان حسناته

الإنترنت بين الدعوة والمقاهي
الشريط الأول
إلقاء فضيلة الشيخ / محمد المنجد.
الحمد الله رب المعلمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين وبعد…
فعنوان محاضرة هذه الليلة عن موضوع عصري له خطورته الكبيرة الإنترنت بين الدعوة والمقاهي .
في بداية أيلول/سبتمبر عام 1969 م تمكن جهازا حاسب آلي بينهما بضعة أمتار في كاليفورنيا من تبادل المعلومات عن طريق الهاتف ليدشن ذلك ولادة هذه الشبكة - شبكة نسيج العنكبوت - وكانت قد نشأت كفكرة في مختبرات وزارة الدفاع الأمريكية في جزء من برنامج حرب النجوم الذي يرمي إلى بناء شبكه لا يوجد بها مركز تصلح للاستخدامات العسكرية وقد قفز عدد الذين ارتبطوا بهذه الشبكة ، وتطور أمرها تطورا سريعا حتى بلغ عددهم مائة وثمانين مليون مستخدم مرتبطين عن طريق ثلاثين مليون جهاز حاسب آلي في العالم فيما أعتبره بعض الناس أهم اختراع في القرن العشرين .قال الله تعالى ( علم الإنسان ما لم يعلم ) والله سبحانه وتعالى قد جعل الإنسان في هذه الأرض خليفة يعمرها بطاعته وأعطاه من الإمكانات العظيمة في عقله ، وخلق له في الأرض أمورا ليستثمرها فمن أستثمرها في طاعة الله فطوبا له ومن استثمرها في معصيته فويل له ، إن العجب لينقضي إذا قارنا واقع هذه الشبكة ، في حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي رواه أبو هريرة قال عليه الصلاة والسلام (لا تقوم الساعة حتى تظهر الفتن ويكثر الكذب وتتقارب الأسواق ويتقارب الزمن ) وفي رواية ( ويقترب الزمن ويكثر الهرج) وقيل ما الهرج : قال " القتل " . رواه الإمام أحمد رحمه الله وقال الهيثمي رجاله رجال الصحيح غير سعيد بن سمحان وهو ثقة .
وقد فسر الأئمه الماضون رحمهم الله تقارب الزمن الوارد في الحديث بقلة البركة في الوقت وسرعة انقضائه كما جاء ذلك في كلام الخطاب وبن الخطابي والثوري بن حجر وغيرهم . وفي عصرنا هذا قال سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله في تعليقه على فتح الباري في التقارب المذكور: يفسر بما وقع في هذا العصر من تقارب ما بين المدن والأقاليم وقصر المسافة بينها بسب اختراع الطائرات والسيارات والإذاعة وما إلى ذلك والله أعلم .
ولو طبقت هذا الكلام على الشبكة لوجدته ينطبق تمام الانطباق فإن هذه الشبكة قد قربت البعيد ووصلت من قطع وجعلت آفاق العالم بين يديك وكأن هذا العالم قرية واحدة ، وأما تقارب الأسواق الوارد في الحديث فقال الشيخ العالم مسعود بن عبد الله الدخيلي رحمه الله تعالى في كتاب إتحاف الجماعة بما جاء في الفتن والملاحم و أشراط الساعة : وأما تقارب الأسواق الوارد فالظاهر والله أعلم أن ذلك إشارة إلى ما وقع في زماننا من تقارب أهل الأرض بسبب المراكب الجوية والأرضية والآلات الكهربائية التي تنقل الأصوات كالإذاعات والتلفونات الهوائية التي صارت أسواق الأرض متقاربة بسببها فلا يكون تغير في الأسعار في قطر من الأقطار إلا و يعلم به التجار الغالبية في جميع أرجاء الأرض فيزيدون في السعر إن زادوا وينقصون في نقص .
وهكذا فتقارب الأسواق إذا من ثلاثة أوجهه.
أولا : سرعة العلم بما فيها وسرعة السير ومقاربة بعضها بعضا في الأسعار. ومن عرف هذه الشبكة وما فيها من تقارب الأسواق في هذا الزمن لا يجد مثال أكبر على انطباق الحديث في الواقع في مسالة تقارب الأسواق أكبر مما حدث في شبكة الإنترنت . إن موقعا مثل موقع على سبيل المثال يحوي ثلاثة ملايين سلعة ، وفي مزاد عالمي على مختلف هذه السلع ، ويستطيع الإنسان أن يشتري من كثير من هذه المواقع المبثوثة على الشبكة ما شاء من السلع المختلفة بل ويعرض ما لديه وهذا الذي نراه على هذه الشبكة يعطينا دليلا واضحا على أننا في آخر الزمان وعلى أن أشراط الساعة قد تحققت فعلا ، الأشراط الصغرى ولم يبقى منها إلا القليل جدا ربما نحو ثلاثة أن ينحسر الفرات عن جبل من ذهب ، وبعد ذلك تنتهي الأشراط الصغرى كلها ، وتبقى الأشراط الكبرى العشرة التي ستأتي ولا مانع من تداخل بعض الأشراط الصغرى مع بعض الأشراط الكبرى كما ذكر العلماء رحمهم الله تعالى . لكن الشاهد عندما نرى تقارب الأسواق أو تقارب الزمان في شبكة الإنترنت فإننا فعلا نوقن مزيد من إثبات نبوة النبي علية الصلاة وسلام الذي اخبر عن أشياء ورأيناها قد تحققت فعلا بعد أكثر من ألف و أربعمائة سنه مثل هذه الاختراعات المبثوثة في الأرض .
ومن الأحاديث المتعلقة بإشراط الساعة التي لها علاقة أيضا بشبكة الإنترنت حديث النبي صلى الله عليه وسلم ( إن بين يدي الساعة فشو التجارة ) حديث صحيح وهذه التجارة الإلكترونية الآن تكتسح بالبلايين وستقترب عام 2002م من ترليون ونصف ترليون دولار وقد قال عليه الصلاة والسلام أيضا في أشراط الساعة ( ويظهر الزنا) ورواه البخاري وفي رواية الحاكم ( وتشيع الفاحشة ) ويوجد الان في الشبكة ما لا يقل عن 400000 موقع من مواقع الدعارة والفساد تنشر الفحش والعهر والرذيلة على مستوى العالم . ومن علاقة هذه الشبكة بأشراط الساعة ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم ( بين يدي الساعة يظهر الربا ) رواة الطبراني وقال المنذري : رواة الصحيح . وتجري على هذه الشبكة معاملات ربويه كثيرة جدا ومعظم البنوك العالمية قد صار لها مواقع على هذه الشبكة ، وتزداد وتنتشر. لأن إحصائياتهم ودراساتهم وحساباتهم قد أفادت بأن كلفة إجراء عملية واحدة من العمليات البنكية للعمل وجها لوجه يكلف البنك 1.07 دولار بينما يكلف إجراء هذه العمليه عن طريق الشبكة 0.1دولار الفارق كبير جدا ومعنى ذلك أنه بمرور الزمن فإنه من المتوقع أن تختفي البنوك بمعناها المفهوم المعهود من جهة تعامل الناس وربما تصبح مباني ضخمة فيها أجهزة ضخمة وأناس يشغلون هذه الأجهزة ، أما عمليات السحب والإيداع الشراء والبيع والتحويل وغير ذلك من العمليات المصرفية فسيتم عن طريق الشبكات من خلال أجهزة الناس في بيوتهم ومكاتبهم وشركاتهم ولا يحتاج أن يذهبوا إلى البنوك ، وإذا كان الربا هو الذي أسست علية هذه المصارف فان إشاعتها عن طريق الشبكة واضح جدا كما يتضح ذلك في عمليات الدفع المتزايدة بواسطة البطاقات الائتمانية الربويه كالفيزا و الماستركارد وأميركان إكسبرس وغير ذلك من البطاقات التي يسحب فيها الشخص على المكشوف بالفائدة وهي الربا ، ولا يجوز تسميتها بالفائدة إذ أي فائدة فيها وهي تستجلب لعنة الله وغضبة سبحانه وتعالى .
ومما يرتبط أيضا بهذه الشبكة من أشراط الساعة حديث النبي صلى الله علية ( ويكثر الكذب ) وهذا الحديث الصحيح الذي رواه ابن حبان . وأخبر عليه الصلاة والسلام أيضا عن أناس يعذبون في قبورهم ويشرشر شدق أحدهم إلى قفاه ومنخاره إلى قفاه يمنا وشمالا وهو الرجل الذي يكذب فتبلغ الأفاق . والان ممكن أن يكذب الشخص إلى هذه الشبكة فتبلغ المشرق والمغرب .
لقد انتشرت هذه الشبكة انتشارا عظيما وآخر الإحصائيات تقول أن عدد المشتركين على الشبكة قد بلغ 211 مليون شخص ، وهذا اكثر من الإحصائية التي ذكرناها قبل قليل والتي قد نقلت في وقت سابق ، ومعنى ذلك ، وأردت أن أبين أن الانضمام إلى هذه الشبكة يتقدم تقدما سريعا جدا وأن إقبال الناس ينمو نموا مطردا للغاية .
77% من الناس في أمريكا يقولون للمستخدمين هذه الشبكة أنهم قد استفادوا منها .
44% انهم لا يستطيعون العيش بدونها .
87% يستخدمونها للاتصال بأقربائهم وأصدقائهم .
وهذه الشبكة آخذة في الانتشار وقد دخلت في البلاد الإسلامية والعربية. هناك معوقان أساسيان يعوقان استخدام هذه الشبكة بالنسبة للبلاد العربية .
1. ضعف المعلومات الفنية لدى أفراد الناس .
2. ضعف الإلمام باللغة الإنجليزية .
هذه الشبكة أيها الاخوة في الحقيقية لها منافع كثيرة جدا ولا أريد أن أشوق أليها ولا أدعو أليها بل أنني أبين الأخطار بالإضافة إلى الفوائد. وبداية الفوائد لسبب ، هذه الفوائد كثير كما قلنا منها:
الشراء السهل.استعراض السلع طلب السلع بسهولة كالكتب وغيرها بالنسبة للباحثين والجامعين وأصحاب الرسائل وغيرهم .
التجارة عن طريق هذه الشبكة.
انخفاض أسعار المكالمات . بينما تبلغ مثلا تسعيرة المكالمة إلى أمريكا 9 ريالات في الدقيقة فعن طريق الشبكة تتصل في أميريكا في الساعة ب 9ريالات .
وكذلك سهولة الاتصال بمراكز الأبحاث العالمية.
وكذلك إرسال البريد بسرعة هائلة .بدلا من أن يأخذ خطاب بريدي أسبوع أو أسبوعين يأخذ الآن ثواني .
مراقبة المحلات والبيوت من بعد كبير، وحتى المدارس .
سماع راديو والإذاعات عن طريق هذه الشبكة .
ومشاهدة البرامج الاستشارات الطبية النقاشات إلى تتم في قنوات الحوار.
وكذلك فان هذه الشبكة بالإضافة استخداماتهم الدنيوية يوجد لها استخدامات دينية كثيرة جدا . فما هي الاستخدامات النافعة لهذه الشبكة في مجال الدعوة إلى الله سبحانه تعالى ونشر هذا الدين ، وكيف نستفيد من هذه الشبكة في هذا المجال؟
لقد تبين لي من خلال البحث أيها الأخوة أن حضورنا الإسلامي على هذه الشبكة ضئيل جدا ، وهذا أمر مخز بالنسبة لخير أمة أخرجت للناس ، وتخلفنا العام على هذا المستوى على الصعيد العالمي ، ولا اقصد الأفراد الذين همهم الفرجة وإنما أوجه الكلام إلى الدعاة إلى الله سبحانه وتعالى ومن يستطيع منهم أن يقدم شيئا لهذا الدين من أهل العلم وطلبته ، والناس الذين هم بعزل عن الفتن ، الكلام موجه إلى هؤلاء في هذا المجال ، إن الأحداث المتوالية عن الغربيين والشرقيين تثبت بما لا يجعل مجالا للشك أن هناك فراغا في قيادة العالم وان هناك افتقارا لمنهج يحققه العدل في الأرض ، إن العالم مليء بالظلم والاعتداءات والقرصنة ومليء كذلك بأمور كثيرة من الفساد والشحناء والبغضاء وشريعة الغاب التي يأكل فيها القوي الضعيف ، أنة عالم يعيش بلا ضوابط انهم أناس يسقطون تحت الانهيارات العصبية والجنون والانتحار وغير ذلك من الأشياء التي تثبت أن هناك فراغا كبير يعيشه الناس في العالم وانه لا عدل إلى بشريعة الإسلام ولا يملا هذا الفراغ إلا هذا الدين الذي نزلة الله سبحانه وتعالى ولن يستقيم أمر العالم إلا إذا سطعت عليه شمس النبوة .
وإذا كان هذا الدين رحمه للعالمين وكان الإسلام دينا عالميا نازلا من الله سبحانه وتعالى دينا ربانيا لا يقبل الله غيرة من أهل الأرض جميعنا من عربهم وعجمهم كما قال عز وجل ( ومن يبتغي غير الإسلام دينا فلن يقبل منه) ، إذا فلابد إذا اقررنا بعالمية هذا الدين وانه يجب تبليغه للعالم كافة ، لابد أن نستعمل جميع الوسائل التي تؤدي إلى تحقيق عالمية الدين ونشره في الأرض ، ولذلك قال بعض أهل العلم عن هذه الشبكة أنها وسيله عظيمة القيمة ، حجة الله على خلقه ، لا يمكن أبدا أن نكون نحن الأعلى في المنهج إذا لم تكن أيضا نستخدم الوسائل التي تؤدي إلى علوه في الواقع ، والا صارت تلك هزيمة وقعود عن نصرت هذا الدين ، ونحن مطالبون بإقامة حجة الله على خلقة والله عز وجل قال ( لتكونوا شهداء على الناس ) ، ولابد أن نشعر بأن علينا واجبا في إيصال دين الله تعالى لأنها أرض الله كافة ما استطعنا أيها الأخوة .
إن مسألة نشر الدعوة عن طريق هذه الشبكة لا مفر منه ولا يمكن العقود عنه بعد ما وجدت وقامت في العالم . إننا ببعض التخطيط والإمكانات ممكن أن نصل إلى مشاريع دعوية مفيدة جدا نقدمها لهؤلاء الناس الذين يعيشون الانطواء الروحي في الأرض الذين قد عموا ، الذين قد ملأ إبليس قلوبهم بدلا من يعمرها الأيمان . فلابد أن نشعر بالدافع لغزو هذه القلوب ومحاولة إيصال نور الإسلام أليها.
أما بالنسبة للعلوم الشرعية فإننا بحاجة إلى إمكانات ضخمة وخطط وجهات تتبنى مشاريع كبيرة لعمل قواعد بيانات واسعة في سائر لوازم الشريعة مثل التفسير والحديث والفقه والعقيدة وغيرها هذا أولا .
ثانيا نحتاج ألي محركات بحث عربية متقدمة ومتطورة لان الشبكة تفتقر إلى هذا والقليل الموجود ليس شائعا ولا يفي بالغرض .
ثالثا يمكن أن تخدم العلوم الشرعية بإيجاد قواعد البيانات التي يبحث فيها المتخصص عما يشاء من أحاديث النصوص وكلام العلماء بشكل متيسر ثم يربط الناس بدروس أهل العلم على هذه الشبكة. لأن هذه الشبكة يمكن أن يبث من خلالها دروس العلماء سواء من القصيم أو الرياض والحجاز أو الشمال أو الجنوب أو مصر و الشام و اليمن وغير ذلك ، وان توجد هنالك قنوات خاصة بالدروس العلمية على هذه الشبكة وعند ما يلقي الشيخ درسا في المسجد يبث عن طريق الشبكة آنيا وفي الوقت نفسه إلى أنحاء العالم وإذا كان هناك أناس منا قد بلغوا أجرا عظيما في ثني الركب في حلقة العلم وعند المشايخ وأهل العلم وهناك أناس محرومون من هذه النعم بسبب عدم وجود علماء لديهم ، عدم وجود من يقيم الدروس العلمية لديهم ، فإنهم يمكن أن يسلكوا سبلا يلتمسون منها علما عن طريق قنوات الدروس العلمية الموجودة على هذه الشبكة إذا وجدت فان من سلك سبيلا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريق إلى الجنة ، خامسا يجعل فتاوى أهل العلم تصل إلى الناس عن طريق الاستفتاءات التي تحدث بترتيب معين في ساعات معينه مع أهل العلم عبر قنوات الإفتاء التي يمكن أن تكون مبثوثة عن طريق هذه الشبكة سواء كان في الفترة كما يقولون على الهواء أي فورية أو كانت تدرس ويرسل الجواب للسائل .
سادسا يمكن للجامعات الإسلامية المختصة بعلوم الشرعية أن ترتبط بهذه الشبكة وان تدرس العلوم الشرعية للطلاب في أنحاء العالم عبر شبكة الإنترنت نسيج العنكبوت وان تفتح المجال للدراسة للراغبين في الخارج ، يسجلون المواد ولو كان بالأجرة وتغطي تكاليف هذه المشاريع وتشغل من يوجد لديها من المعاضدين والمعيدين والأستاذ بل أن دروس العلم المبثوثة في قاعات الجامعات يمكن أن تكون أيضا متصلة بهذه الشبكة إلى الناس الخارج ولو قيل أن هناك تزيفات تحدث في الاختبارات فانه يمكن عمل أماكن الطلاب في السفارات الموجودة في الخارج بمواعيد معينة وإثباتات تثبت أن هذا هو الطالب الذي كان يدرس عن طريق الشبكة وهذه الطريقة قد درست وبحثت بالنسبة للجامعات الدنيوية الموجودة في أوربا وأمريكا وغيرها فنحن ينبغي أن نلحق بالركب أيضا لأنها تنشر شيئا مما ينشرونه وبكثير وإذا كانوا ينشرون علما دنيويا فأننا نريد أن ننشر علما أخرويا يصلح الناس في معاشهم ومعادهم ، قال عليه الصلاة السلام ( اللهم اصلح لنا ديننا الذي هو عصمة امرنا واصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا واصلح لنا أخرتنا التي أليها معاذنا ) فينبغي أن ينشر في هذه الشبكة ما يصلح الناس في أمور دينهم وفي أمور دنياهم وفي معاشهم وفي أمور أخراهم ، وهذا هدف كبير جدا .
وسابعا كذلك من الاقتراحات نشر لرسالات الجامعية والأبحاث الإسلامية بفهرسة دقيقة وموضوعة لتكون في متناول أيدي القارئين والباحثين والمطلعين في أنحاء العالم بل حتى من الكفار الذين لا يدينون بدين الإسلام قد يطلعون على بعض الأبحاث الشرعية فيستفيدون منها جدا وينبغي أن نستفيد من النهم الموجود للمعرفة عند كثير من الغربيين والشرقيين عندما يريدون معرفة أي شئ ، هم يريدون معرفة معلومات عن أي شيء ونحن الآن في عصر انفجار معلومات أو ثورة معلومات لان هذا عصر قد اتضح فيه جلاء أمرين الأمر الأول ثورة المعلومات الثاني ثورة الاتصالات ، وكلاهما مرتبط بالآخر ولذلك يجب أن نستغل أو نغتنم هذه الفرصة لنشر معلومات عن هذا الدين تفيد الباحثين .
هناك أناس من الكفرة يبحثون في الإسلام ويبحثون في الأديان عموما ويقارنون الأديان بعضها ببعض ، هناك أناس يريدوا أن يقرءوا القران أو ترجمة القران أو أحاديث النبي عليه السلام أو يعرفون طبيعة هذا الدين ، نظام الدين الاجتماعي ، ونظامه الاقتصادي ونظامه الدين السياسي وغير ذلك من الأنظمة التي أنزلها الله سبحانه وتعالى في هذا الدين. يتعرفون على العلاقات الدولية في ضوء الاسلام وغير ذلك من شتى فنون العلم والمعرفة . إن من المؤسف أن يذهب الباحث مثلاً إلى مكتبة من المكتبات العالمية كمكتبة الكونجرس مثلاً يجد فيها من ألوان المراجع والمقالات وغير ذلك من الأمور المعرفية عبر وسائل النشر المختلفة في هذه الشبكة بطرق بحث متناهية في الدقة موضوعياً وكمياً وغيرها , بينما لا تجد هذا متيسراً لدينا ولا يوجد مكتبة موسوعية إسلامية على شبكة الإنترنت إلى الآن يطوف فيها الباحث مثلاً ويطلع ويبحث ويطبع إلى الذاكرة الصلبة في جهازه المعلومات التي يريدها , بينما هذا متوفر بشكل كبير جداً عند الكفار . ألسنا الأعلى منهجاً ؟ ألسنا الذين ذكرهم الله تعالى بقوله : ( وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين ) ؟ إذا كنا نحن الأعلى منهجاً ونحن الأعلى ديناً ونحن الأعلى في الحق على الخلق فلا بد أن نحقق هذا العلو واقعاً وليس أن يكون شيئاً نظرياً فقط موجوداً في الكتب , بينما لا نسعى نحن في تحقيقه في الواقع ! وإذا كنا عاجزين عن غزو الكفار بالسلاح فلا أقل أن نغزوهم بهذا الدين عبر إستعمال مثل هذه الشبكة التي تؤدي إلى انتشار هذا الدين في العالم . إننا عندما نتأمل في واقع بعض الإذاعات الأجنبية ك مونتكارلو التي لا تنقصها النواحي الفنية في هذه الموجات التنصيرية التي تبث إلى العالم بالذات بلاد المسلمين بسائر اللغات وهم أهل باطل وكفر يقولون بأن الله هو المسيح ابن مريم ويقولون أن الله ثالث ثلاثة ويقولون أن المسيح ابن الله , هؤلاء الذين ينشرون دعوتهم صباح مساء بهذه الإمكانات الضخمة ثم نحن لا نسعى في نشر دعوتنا حتى بين الخدم والسائقين الموجودين في قعر بيوتنا وبين العمال الموجودين في شركاتنا ومؤسساتنا , وإن ذلك تقصير سنحاسب عليه ولا شك , كل ما بإمكاننا أن نعمله لهذا الدين يجب أن نعمله ( وكنتم خير أمة أخرجت للناس ) لماذا كنا كذلك ؟ الله سبحانه وتعالى قال :
( تدعون إلى الخير ) فأين الدعوة ؟ .
إذا كانت البداية بدعوة الأقربين والنهاية بدعوة العالمين فعندنا قصور في دعوة الأقربين ودعوة الأبعدين , ولذلك فإنه ينبغي علينا أيها الأخوة أن نفكر ونقوم لله سبحانه وتعالى , نفكر في أنفسنا وفي تقصيرنا اين طلاب العلم الشرعي ؟ أين الدعاة الى الله ؟بلغوا عني ولو آيه حتى أن أحدا من عامة المسلمين يمكن أن يبلغ عن النبي صلى الله عليه وسلم ولو أمرا واحدا بما يعلمه من هذا الدين ليس في أن يدخل فيما لايحسن ولا في مالايعلم ولاأن يفتي بغير علم ولا أن يخبط خبط عشواء في دين الله ويكون كحاطب ليل كلا نعوذ بالله أن نقول على الله بغير علم ولكن قد تعلم أشياء يسيرة يمكن أن تبلغها , هذه المعلومات فأين البلاغ ؟ أين البلاغ إذا كان أهل الباطل ينشرون باطلهم صباحا ومساءا ؟ البدع الكفرية الباطنية ينشرون كفرهم وانحلالهم أصحاب وحدة الوجود الذين يقولون ليس في العالم إلا الله كل ماترى بعينك فهو الله , الله حل في المخاليق حتى في الخنزير تعالى الله عن قولهم علواً كبيراً , وهذه الفرق التي تقول بوحدة الوجود الفرق الصوفية المنتشرة التي لها هذه المواقع الكثيرة جدا على الشبكة , ومترجمة بلغات مختلفة ,
موقع للصوفية الضلال الذين تصل بعض أقوالهم إلى الكفر البواح , الصفحة الأولى عندهم سبع لغات / عربي – انجليزي – اسباني – فرنسي – صيني – ياباني ...... الخ . وأهل التوحيد قد يكونون في تخلف عظيم وتقاعس وهذا لا يمكن أن يكون أبداً قواعد الطرق بل الرد على أهل العلم من أصحاب الدعوة السلفية كشيخ الإسلام / ابن تيمية . مواقع لإثبات جواز الإستغاثة بالأموات . الإسماعيلية الكفار والقاديانية الضلال الذين يقولون الغلام أحمد القادياني نبي بعد النبي صلى الله عليه وسلم , وهؤلاء البهائية الذين ينشرون كفرهم وإلحادهم . حتى عبدة الشياطين لهم مواقع . عندما تكتب كلمة إسلام في محرك من محركات البحث الضخمة مثل / ياهو أو غيرها من أوائل المواقع التي تطالعك مواقع هؤلاء الذين يسمون أنفسهم بفرخانية نسبة إلى لويس فرخان الذي فرخ الكفر البواح .
موجودة أوائل ما تطالعك المواقع الإسلامية , شوهوا حتى صورة الإسلام النقي في عيون الكفار بل إن بعض المسلمين يدخل إلى هذه المواقع يظنها مواقع طيبة بينما هي مواقع خبيثة وكافرة وهناك مواقع تدعوا إلى الإنتحار وهناك مواقع تدعوا إلى الفاحشة كما قلنا , وإذا كان الدين يسير ( ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدّكر ) وأن هذا القرآن فيه أشياء كثيرة جداً تشوق الناس وتجذبهم إلى الدين فلماذا لايعرض الإسلام النقي أهل السنة والجماعة يعرضون ماعندهم من الدين على طريقة السلف فهم السلف للكتاب والسنة ؟ يعرض الدين على الناس في العالم بدلا من أن يأتي هؤلاء العقلانيين الضلال الذين يسمون أنفسهم بأصحاب الفكر المستنير ويلون أعناق النصوص لتطاوع مرادهم الانهزامي أمام الكفار أو أنهم ينفون بعض النصوص الثابته في صحيح البخاري ، وغير هؤلاء الذين يقولون إن هناك أخوة بيننا وبين النصارى هؤلاء الذين يقولون بجواز اهداء الكفار في أعيادهم وجواز تهنئتهم فيها , هؤلاء الذين يقولون بالفتاوى الشاذة مجاراة للكفرة واراضاءا للكفرة وتحت ضغوط الكفرة وأن المرأة يمكن أن تلي الولايات العامة كالخلافة والوزارة والقضاء ويردون أحاديث في صحيح البخاري ( لن يفلح قوم ولوا أمرهم أمرأة ) وينعقون بهذه العقلانيات والقاذورات والترهات في مواقع يفتي فيها مفتوهم الضلال كما يفتي المفتون الضلال في القنوات الفضائية , انحرافات وظلمات بعضها فوق بعض أين جهاد الكلمة ؟ أين الجهاد بالكلمة ؟ ننشر ديناً صحيحاً وننشر عقيدة سليمة ومنهجاً نقياً وعلماً سلفياً ننشره بدلا من أن ينشر هؤلاء الضلال ضلالاتهم بإسم الإسلام ويشوهوا هذا الدين ونقاء هذا الدين وصفاء هذا المنهج ثم يجمعون الملايين لنشر هذا القاذورات .
أيها الأخوة : إن الجهاد له أنواع كثيرة ينبغي على المسلمين أن يقوموا بها , إن انشاء مواقع دعوية تدعوا الكفار تفتح لهم مجالا للسؤال والنقاش واجابتهم بناءا على المنهج الاسلامي , إنه امر واجب ولا بد . بل وحتى دعوة المسلمين الذين ضاعوا في الخارج وأخذوا جنسيات تلك الدول ثم انحلوا وأولادهم انحلوا في مجتمعات الكفر وانسلخوا من الدين ولم يعد عندهم من الدين الا الإسم فقط! إسمه إسم مسلم يقولون أنا ( فركس مسلم ) يكتبون هكذا في الشبكة يعني مسلم بالإسم لا أطبق الإسلام !!! .
هؤلاء يحتاجون إلى استعادة استرجاع ، واستعادة رأس المال أولى من تحقيق الأرباح ونحن يجب أن نسير على خطين استعادة رأس المال وتحقيق الأرباح . ثم تعليم المسلمين الموجودين في العالم وأن التجارب تثبت أن هذه الأشياء ناجحة .







بسم الله الرحمن الرحيم(رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) [البقرة/286]


Sahar
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sadakasoft.ahlamountada.net
زكرياء
مدير الموقع
مدير الموقع


البلد: غير معروف
الهواية :
عدد المساهمات عدد المساهمات: 6490
الجنس: ذكر
نقاط: 171369
السمعة السمعة: 99

مُساهمةموضوع: رد: موسوعة الخطب المكتوبة و الدروس    السبت يونيو 23, 2012 3:27 pm





المحاضرة الثانية
هكذا صلى الأنبياء للشيخ سليمان العودة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ..من يهده الله فلا مضل له ..ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً ..وبعد
أيها الأحبة :_
إن حديث اليوم هو عن أعظم عمل بعد التوحيد كلف به الأنبياء وهو الصلاة ، فإنها من خير أعمالكم ، وهي خير موضوع كما قال النبي صلى الله عليه وسلم فلهذا لا غرابه أن يخصص له حديث : ويدندن حوله المتكلمون لأنها سراج للقلب والروح الى بارئها جلى وعلى .
أولاً.. تمهيد :-
إن من عظيم نعمته تعالى وهو الواحد الأحد الصمد أن يجود بعليائه على ذلك العبد الفقير فيبسط يده إليه ويأذن له بذكره وشكره وحسن عبادته وسؤاله ، مجرد الإذن كما قال تعالى (( في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها أسمه )) فإن مجرد إذنه لنا بأن نذكره وندعوه هو نعمة عظمى .. فكيف وقد أمرنا بذلك وأوجبه علينا ، وجعل لنا عليه الأجر العظيم . إنه سبحانه يفتح أبوابه لعباده دون أن يجعل بينه وبينهم وسيطاً (( وقالالأول :_ دعاء عبادة : كالصلاة والقرآن والذكر والتسبيح ، فهذا دعاء عبادة له تعالى .
الثاني :- دعاء مسألة ، أي أن تسأل الله تعالى وترجوه فيما تريد وتحب من خيري الدنيا والآخرة ، وذكره تعالى هو في حقيقته دعاء لإنك إن أثنيت عليه تعالى بأسمائه وصفاته فأنت تتعرض له بالسؤال ، فإذا قلت اللهم لامانع لما أعطيت ولامعطي لما منعت ولاينفع ذا الجد منك الجد فكأنك تقول اللهم لامانع لما أعطيت فأعطني ولا معطي لما منعت فلا تمنع عني فضلك ولاتحرمني بذنوبي ، ولا ينفع ذا الجد منك الجد فأغنني بفضلك عن سواك .
أأذكر حاجتي أم قد كفاني حباؤك إن شيمتك الحباء
إذا أثنى عليك العبد يومًا كفاه من تعرضه الثناء

إنه تبارك وتعالى ينزل في ثلث الليل الآخر فيقول لعباده : هل من سائل ؟ هل من داعي ؟ هل من مستغفر؟ هل من تائب ؟
لا تسألن بني آدم حاجة وسل الذي أبوابه لا تحجب
الله يغضب إن تركت سؤاله وبني آدم حين يسأل يغضب
(( ياابن آدم إنك مادعوتني ورجوتني إلا غفرت لك على ماكان منك ولا أبالي ، ياابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ياابن آدم إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة )) حديث قدسي –
ثانياً :_صفات وأسماء وفضائل ..
هذه الصلاة شأنها عظيم .. ولماذا أتكلم أنا ويتكلم غيري وقد تكلم الرب جلا وعلا ؟! ولماذا يتحدث الإنسان وقد تحدث سيد ولد آدم محمد صلى الله عليه وسلم،فبيّن ما في هذه الصلاة من الأسرار والمعاني الكبار . فالصلاة عهد .. قال الله تعالى :- (( ونسوق المجرمين إلى جهنم ورداً .لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهداً )) .و قال صلى الله عليه وسلم كما في السنن : - (( العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر)) فمن حُرم الصلاة فقد حُرم الشفاعة يوم الحساب .
والصلاة عبادة تصل العبد بربه تعالى ، فتجعل هذا الضعيف الحقير الفاني المخلوق من تراب الأرض! تجعله عظيماً لأنه موصول بالله تبارك وتعالى (( يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون )) .
وهي إيمان ، وكل الأعمال بلا إيمان لا قيمة لها ولا ثمرة قال الله تعالى : (( وما كان الله ليضيع إيمانكم)) يعني صلاتكم إلى بيت المقدس قبل أن تحول القبلة إلى الكعبة المشرفة في البيت الحرام – ولهذا أيضاً بيّن النبي صلى الله عليه وسلم أن ترك الصلاة كفر ، فقال كما في صحيح مسلم : -(( بين الرجل وبين الكفر والشرك ترك الصلاة)) وتركها أيضاً نفاق كما في قوله عليه الصلاة والسلام في الحديث المتفق عليه ((أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر ولو يعلمون ما فيها لا توهما ولو حبواً )).
والصلاة توبة . قال الله تعالى:- (( فإن تابوا وأقاموا الصلاة وأتوا الزكاة فإخوانكم في الدين )) وقال في الآية الأخرى : (( فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم )).
والصلاة ذكرُُ لله تعالى ، قال الله عز وجل (( إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري )) يعني لتذكرني بها .
والصلاة طمأنينةٌ للقلب وسكينةٌ للنفس وهناء للروح ، قال الله تعالى:- (( وصلّ عليهم إن صلاتك سكن لهم)) .وفي حديث متفق عليه أن أ سيد بن حُضير قام يصلي من الليل فقرأ من سورة البقرة أو من سورة الكهف- اختلفت الرواية – فرأى بين السماء والأرض أمثال القناديل فجالت الفرس حتى خشي على ولده فهدأ وسكن في قراءته فعاد فعادت ، فلما أصبح غدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : (( اقرأ يا ابن حُضير تلك السكينة تنزلت لقراءة القرآن ، تلك الملائكة ، ولو قرأت لأصبحت يتراءاها الناس بين السماء والأرض )) .
والصلاة شكرُُ (( ذرية من حملنا مع نوح إنه كان عبداً شكوراً )) .. بماذا كان عبداً شكوراً ؟! .. بكثرة الصلاة .. ولهذا لما قالت عائشة كما في الصحيحين لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد أطال القيام حتى تفطرت قدماه : تفعل هذا وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ؟ قال يا عائشة أفلا أحب أن أكون عبداً شكوراً ))
والصلاة عونُُ للعبد على ما يعانيه ويواجهه من المشكلات في الدنيا والآخرة ، ولهذا قال الله تعالى :-
(( واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا الخاشعين)) فالذين يواجهون مشاكل الدنيا وصعوباتها ويتصدون لجلائل الأعمال ، خاصة من أهل العلم ، وأهل الدعوة ، وأهل الجهاد الذين يلقون التعب في هذه الدار ، ويواجهون من المشاكل الصغيرة والكبيرة ، ويحط الناس بهم كل قضاياهم وكل مشكلاتهم ، لابد أن يستعينوا على ذلك بالصلاة وإلا عجزوا وانقطعوا . وكان شيخ الإسلام ابن تيميه رحمه الله يصلي الفجر ثم يجلس في مصلاه يذكر الله حتى يتعالى النهار ويرتفع ثم يصلي ركعتين ثم يقول : - (( هذه غدوتي ، لو لم أتغدها لم تحملني قدماي )).
والصلاة مناجاة لله سبحانه وتعلى ووقوفُُ بين يديه ولهذا قال النبي صلىالله عليه وسلم كما في الصحيح
(( إذا قام العبد في الصلاة فإنه يناجي ربه )) . ثم نهى أن يبصق العبد بين يديه أو عن يمينه ولكن من تحت قدميه أو عن شماله ،والذي يناجي ربه تعالى أنّى أن يقبل على غيره أو ينصرف عنه أو يجعل بصره يلتفت يمنة ويسرة والله تعالى قُبالة وجهه .
والصلاة قربى وزلفى إلى الرب تعالى فإن العبد بعيد عن الله إن غفل عن ذكره ، فكلما ذكر الله تعالى وصلى اقترب من الله سبحانه ، ولهذا قال تعالى (( أرأيت الذي ينهى عبداً إذا صلى )) ثم قال في آخر السورة (( كلا لاتطعه واسجد واقترب )) اقترب إلى الله تعالى بالسجود له. وفي الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : -(( أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا فيه من الدعاء فقمن أن يستجاب لكم )
والصلاة كفارة ، قال الله تعالى : (( وأقم الصلاة طرفي النهار وزُلفاً من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين )) فالعبد يحترق بالذنوب والمعاصي ، هذه نظرة حرام ، وهذه كلمة ما حسب لها حساب ، وهذه خطوة إلى معصية ، وهذه يدٌ تمتد إلى مالا يرضي الله ، وهذه .. ، وهذه .. فإذا جاءت الصلاة كفَر العبد بها عن ذنوبه وخطاياه وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن العبد يغفر له ما بين الصلاتين ما لم يؤتي كبيرة ، وذلك الدهر كله . ولما جاءه الرجل يشتكي ذنباً. قال له النبي صلى الله عليه وسلم (( أشهدت معنا الصلاة قال: نعم . قال : اذهب فقد غُفر لك )) . وقد شبه النبي صلى الله عليه وسلم كما في الحديث الصحيح – الصلاة ب(( نهرغمر جارٍ بباب أحدكم يغتسل منه العبد كل يوم خمس مرات هل يبقى من درنه شىء . قالوا :لا يارسول الله .قال : فذلك مثل الصلوات الخمس يمحوا الله بهن الخطايا والذنوب )). والصلاة عصمة من الشيطان . ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم (( إن الشيطان يئس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب )) وهي نور كما قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الذي رواه مسلم :- (( والصلاة نور )) . وهي شغلٌ أي شغل ولهذا في حديث ابن مسعود :- (( إن في الصلاة لشغلاً )) يعني من أمور الدنيا بل حتى عن أمور الدين من غير الصلاة مما لا يتعلق بها .فإذا أقبل العبد على صلاته ينبغي أن يفرغ قلبه من جميع الشئون والهموم ، ويقبل عليها بقلب حاضر ولسان ذاكر .
وهي أيضاً حقن لدم الإنسان . ولهذا لما وقف الرجل أمام الرسول صلى الله عليه وسلم وهو يقسم الغنائم ، فقال: اعدل يا محمد - وفي رواية : - (( أنه قال : هذه قسمة ما أريد بها وجه الله )) – فاستأذن رجل من الصحابة في قتله فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : لعله أن يكون يصلي )) فاعتبر أن صلاته تعصم دمه من أن يقتل .
ولما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم حكّام الجور وحكّام السوء قال بعض الصحابة : يا رسول الله أفلا ننابذهم ونقاتلهم ؟ قال : -(( لا.. ما صلوا ..))
وهي ناهية عن الفحشاء والمنكر (( وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر )) .. بل هي أفضل الأعمال كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد سئل كما في الصحيح :- (( أي الأعمال أفضل ؟ فقال :
(( الصلاة لوقتها )) .. وهي شعار الإخاء والحب و المودة بين المصلين والمترددين على المساجد وقد جاء في مسند الإمام أحمد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال عن المملوك (( مملوكك كافيك ، فإذا صلى فهو أخوك ، فإذا صلى فهو أخوك )) يعني العبد الذي تستخدمه إذا أدى الصلاة فهو أخوك ، فعليك أن تحسن معاملته وتبتعد عن إيذائه بالقول أو بالفعل . بل هي وصية الله سبحانه وتعالى لأفضل خلقه للرسل عليهم الصلاة والسلام : -(( قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبياً وجعلني مباركاً أينما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة مادمت حيا )) .
* بالتالي فإن الرسل نقلوا هذه الوصية إلى من وراءهم من أهليهم وأقوامهم وأتباعهم . قال الله تعالى ..(( وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة )) وقال للنبي صلى الله عليه وسلم : ((وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقاً نحن نرزقك والعاقبة للتقوى )) وفي الصحيحين أن النبي صلا الله عليه وسلم قام فزار البقيع ، فسلم على أهل البقيع ثم صلى وقال : - (( إني أرى مواقع الفتن خلال بيوتكم كمواقع القطر )) ثم قال عليه الصلاة والسلام : -(( من يوقظ صواحب الحُجُرات – يعني أزواجه رضي الله عنهن – يا رُبّ كاسية بالدنيا عارية يوم القيامة )) وكان يقول في مرض موته الذي قبض فيه صلى الله عليه وسلم : (( الصلاة وما ملكت أيمانكم)).
**كل هذا شأن الصلاة فهل يا ترى هذه المعاني العظيمة وهذه الدلالات الربانية وهذه الأوصاف النبوية هل هي تصدق على كل صلاة ؟ .. أم تصدق على تلك الصلاة التي أمر الله بها رسوله صلى الله عليه وسلم . لاشك أنه كم من مصلّ يقول بلسانه ما ليس في قلبه حتى المنافقون كانوا يصلون مع النبي صلى الله عليه وسلم ، وربما تأخروا عن بعض الصلوات كصلاة العشاء ، وصلاة الفجر ، ولكنهم ربما شهدوها وبالتأكيد فهم يشهدون غيرها . وكثير من ضعفاء والإيمان يصلون لكن لا تتحقق تلك المعاني العظام في صلاتهم لإنها صورة مجردة عن الحقيقة ، ولهذا يجب أن نعلم : كيف صلى الأنبياء .
ثالثاً : - نعم هكذا صلى الأنبياء .
كل الأنبياء بعثوا بالصلاة ولهذا لو تأملت هديهم لوجدت الصلاة مذكورة في سيرة كل نبي . قال الله تعالى
(( أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم وممن حملنا مع نوح ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل وممن هدينا واجتبينا إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجداً وبكياً )) ثم قال (( فخلف من بعدهم خلفُُ أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غياً )) . إذن فالأنبياء بعثوا بالصلاة وإذا قرأوا القرآن خروا ساجدين خاشعين باكين لله تعالى . أما الذين من بعدهم ممن غيروا وبدلوا وخالفوا هديهم فقد اتبعوا الشهوات وأضاعوا الصلوات . قال الله تعالى : - (( وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه ولتنذر أم القرى ومن حولها والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به وهم على صلاتهم يحافظون )) وكأن صلاة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كانت متقاربة في هيئتها وشكلها ومظهرها ومخبرها وسرها وجوهرها . ففي حديث ابن عباس وابن عمر وهما حديثان صحيحان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( إنّا معاشر الأنبياء أمرنا أن نعجل إفطارنا ونؤخر سحورنا ونضع أيماننا على شمائلنا في الصلاة ))
فهؤلاء الأنبياء كلهم أمروا أن يقفوا بالصلاة خاشعين لله تعالى مخبتين بين يديه منكسرين إليه واضعاً أحدهم يده اليمنى على يده اليسرى على جزءٍ من بدنه في صلاته على صدره أو غيره . هكذا أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن الأنبياء جميعاً . ووضع اليد على اليد في الصلاة هو من هدي النبي صلى الله عليه وسلم . وقد وردت فيه أحاديث كثيرة أوصلها بعض العلماء إلى درجة المتواتر الذي ثبت ثبوتاً قطعياً ، أنه كان صلى الله عليه وسلم كان يضع يده اليمنى على يده اليسرى في الصلاة ، وفي الصحيحين من حديث سهل بن سعد : -(( كان الناس يأمرون الرجل أن يضع يده اليمنى على يده اليسرى في الصلاة )) . وفي صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : - (( مررت على موسى وهو يصلي على قبره ))[1]
وقال عليه الصلاة والسلام كما في الصحيحين : -(( أفضل الصلاة صلاة داود ..)) وذكر عليه الصلاة والسلام أنه لما أُسري به إلى بيت المقدس جُمع له الأنبياء هناك فصلى بهم إماماً وهم يصلون بصلاته )) ولاشك والله تعلى أعلم – أن هؤلاء المأمومين من أنبياء الله ورسله كانوا يقتدون بإمام الأئمة محمد عليه الصلاة والسلام ، فإذا كبّر كبّروا ، وإذا قرأ أنصتوا ، وإذا قام قاموا ، وإذا ركع ركعوا ، وإذا سجد سجدوا ، وإذا قعد قعدوا ، وإذا سلّم سلّموا من ورائه صلى الله عليه وعليهم جميعاً وسلّم فهذا ما يقتضيه الشرع في إقتداء المأموم بالإمام ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : (( إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه )) فكيف تظن هؤلاء الأنبياء الكرام عليهم الصلاة والسلام صلوا خلف إمامهم- نبينا محمد صلى الله عليه وسلم – إلا أن يكونوا يصلون بصلاته حذو القذة بالقذة ويتبعونه في كل أفعاله عليه الصلاة والسلام .
وفي آخر الزمان ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن عيسى عليه الصلاة والسلام ينزل على المنارة البيضاء شرقي دمشق ، فيصلي الفجر مع المسلمين يقتدي بإمامهم ويقول : (( أئمتكم أنتم أئمة بعضكم لبعض تكرمة الله تعالى لهذه الأمة )) ولاشك أن عيسى حين يصلي سوف يقتدي بسنة سيد المرسلين عليه الصلاة والسلام ، إذ أن شريعة محمّد صلى الله عليه وسلم باقية إلى قيام الساعة ، وهي حق واجب على كل الناس الذين يأتون من بعده ، فبذلك تعلم أن جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بُعثوا بالصلاة وأُمروا بها وأمروا بها غيرهم ، وأن صفة الصلاة عند الأنبياء جميعاً – والله تعالى أعلم – متقاربة ، بل حتى الملائكة هم يصلون ، ولهم صلوات كصلوات المسلمين ، قيام وركوع وسجود ، ففي الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( نزل جبريل فأمسّني فصليت معه )) وفي الحديث الذي رواه أهل السنن أن جبريل أتى في اليوم الأول فصلى بالنبي صلى الله عليه وسلم الظهر ثم العصر ثم المغرب ثم العشاء ثم الفجر في أول الوقت . وفي اليوم الثاني نزل عليه السلام فصلى بالنبي صلى الله عليه وسلم الظهر ثم العصر ثم المغرب ثم العشاء ثم الفجر في آخر الوقت وقال له : - (( الصلاة بين هذين الوقتين )) وكذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم يوماً لأصحابه .. ألا تصفون كما تصُّف الملائكة عند ربها ، قالوا وكيف تصف الملائكة عند ربها ؟ قال : يُتمون الصف الأول فالأول ويتراصّون في الصف )) وفي الحديث الذي رواه أصحاب السنن وغيرهم وهو حديث صحيح عن أبي ذر وغيره أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : -(( أطت السماء وحُقّ لها أن تئط ، ما فيها موضع شبر إلا وفيها ملك واضع جبهته ساجد لله تعالى يسبح الله ويحمده ، والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ، ولبكيتم كثيراً ، وما تلذذتم بالنساء على الفرش ، وخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله تعالى )) .. قال الله تعالى : - (( فإن استكبروا فالذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون )) . وصلاة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فيها كيفيتان :-
الكيفية الأولى : - الكيفية الباطنة : -
وهي كمال الذل والخشوع لله تعالى وصدق التعبد والإقبال عليه والإنقطاع إليه عما سواه ولهذا قال الله تعالى : (( قد أفلح المؤمنون ، الذين هم في صلاتهم خاشعون )) وقال : - (( إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجداً ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا ، ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعاً )) وقد قام نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ليلة تامة حتى أصبح . يقرأ آية واحدة من كتاب الله تعالى ، وكان يرددها ويبكي كما في حديث أبي ذر عن النسائي وغيره وهي قوله تعالى (( إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت الغفور الرحيم )) فالخشوع سر الصلاة ولبُّها وجوهرها وثمرتها ولاشك أن من الخشوع قدراً واجباً يأثم المرء بتركه والتفريط فيه كما في حديث أبي قتادة الذي رواه أحمد والدارمي والحاكم وصححه وسنده جيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :- (( أسوأ الناس سرقة الذي يسرق من صلاته )) قالوا يارسول الله وكيف يسرق من صلاته ؟ قال لايتم ركوعها ولا سجودها ولا خشوعها )) ولا شك أن السرقة حرام ، بل هي من كبائر الذنوب فكون النبي صلى الله عليه وسلم وصف ذلك الذي لا يتم خشوع الصلاة ولا ركوعها ولا سجودها بأنه قد سرق بل عد سرقته أسوأ سرقة وعدّه هو أسوأ الناس سرقة هذا دليل على أن من إتمام الركوع والسجود والخشوع في الصلاة قدراً واجباً يأثم الإنسان بتركه ولا تتم الصلاة إلا به ، ولا شك أن الخشوع من أعمال القلب . وأعمال القلب هي الأصل لأعمال الجوارح ، وفي الصحيحين من حديث النعمان : - (( إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب فالأصل في أعمال الجوارح أعمال القلوب ، فإن صلح القلب وأعماله صلحت أعمال الجوارح ، وإذا فسد القلب وأعماله فسدت أعمال الجوارح ، والناس يتنافسون في أعمال الجوارح ، فربما تنافسوا في التبكير إلى الصلاة وربما تنافسوا في تطبيق السنن الواردة في الصلاة ، وربما تنافسوا في تطويل الصلاة وهذا كله حسن وجيد ومشروع وفي ذلك فليتنافس المتنافسون ، وهو خير من التنافس في الدنيا أو في الأموال أو في الأولاد أو في غير ذلك ، ولكن أعظم من هذا التنافس على الأمور الظاهرة ، أن يتنافس الناس على الأمور الباطنة – أعمال القلوب – ولكنهم لا يتنافسون فيها لأنها ليست مما تراه العين أو تسمعه الأذن أو تلمسه اليد فهي سر لا يعلمه إلا العالم بالأسرار والخفيات وهو الله سبحانه وتعالى . وفي صحيح مسلم عن عثمان بن عفان رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : - (( ما من مسلم تحضره صلاة مكتوبة فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب ما لم يؤتى كبيرة ، وذلك الدهر كله ))
يا سبحان الله !! .. أيُّ خير زيد بعد ذلك ؟ ! كفارة لما قبلها من الذنوب !! .. وهي لا تستغرق منك أكثر من عشر دقائق ! .. والمقصود : الذنوب الصغيرة شريطة أن يحسن وضوءها وخشوعها وركوعها . وفي الترمذي ومسند الإمام أحمد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الصلاة (( تشهُّدُُ في كل ركعتين وتخشّع وتضرّع وترفع يديك وتقول :يا للهم .. يا للهم ، فمن لم يفعل فهي خداج .. فهي خداج )) وفي صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : - (( والله ما يخفى عليّ خشوعكم ولا ركوعكم ولا سجودكم )) . والخشوع أيها الأحبة علمُُ ، ولا غرابة أن يتسابق الطلاب إلى حضور المجالس التي فيها علمُُ لبعض الأحكام .. لكن كم رأينا ممن يتسابقون إلى المجالس التي فيها علم القلوب كعلم الخشوع أو علم اليقين أو علم الإقبال على الله ومعرفته ومحبته وغير ذلك .
فالخشوع علمُُ لأنه علمُُ بالله وأسمائه وصفاته ومعرفة لعظيم قدره ، حتى لا يكون في شيء أكبر وأعظم من الله تعالى ، ولهذا تستفتح الصلاة لتقول : - (( الله أكبر )) وغير الخاشع يعد من الجاهلين ، وقد قال شداد بن
أوس – وهو صحابي – لجبير بن نفيل : (( هل تدري ما ذهاب العلم ؟ قال : لا ، قال : ذهاب العلم ذهاب أوعيته وهم العلماء . قال له : أتدري أي العلم يرفع أول ؟ قال لا أدري : قال : أول علم يرفع من الناس علم الخشوع ، يوشك أن تدخل المسجد الجامع فلا ترى فيه رجلاً خاشعاً )) وهذا الأثر رواه الإمام أحمد في مسنده والدارمي وأهل السنن وهو حديث صحيح .. وللخشوع أسباب لابد من تحصيلها : -
1- تفريغ القلب ، .. فصاحب القلب المشغول بهموم الدنيا المملوء بمشاكلها ، والمستغرق بملذاتها وقضاياها ؟ أنّى له أن يجد في قلبه خانة فارغة يملؤها بشأن الصلاة ، فالصلاة تحتاج إلى القلب ، فإذا احتاج العبد قلبه في الصلاة وجسده الآن مشغول بهموم الدنيا فلا يفرغ لصلاته فلابد أن يكون في قلب الإنسان خانات فارغة دائماً وأبداً لأمر الآخرة ، ولأمر الدين ، لا يسمح أن تملأ بشيء دنيوي قط .
2- التبكير إلى المساجد ، وإحسان الطهور ، والتنفل قبل الصلوات ، وقراءة ما تيسر من القرآن فإن هذا يفرغ القلب ويجرده من الشواغل ويهيئه للإقبال على الله تبارك و تعالى ، ولهذا شرعت السنن الرواتب :
[ ركعتان قبل الفجر ، وأربع قبل الظهر أو ركعتان ، وركعتان بعد العشاء ] وبين كل أذانين صلاة :
[ ركعتين قبل العصر – بين الأذان والإقامة - ، وركعتين قبل المغرب – بين الأذان والإقامة - ، وركعتين قبل العشاء – بين الأذان والإقامة ] . حتى يتفرغ القلب="mso-spacerun: yes" ويتجرد للإقبال على الفريضة .
3- الإقبال على الصلاة ، بقراءتها وذكرها ودعاءها ، فيتأمل العبد ماذا يقرأ في صلاته وبماذا يدعوا أما أن يكون في واد وقلبه في واد آخر فهذا بعيد من الإجابة ، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه أبو هريرة وابن عمر وهو حديث حسن (( ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة واعلموا أن الله لا يستجيب دعاءً من قلب غافل لاهٍ )) . فلا بد أن يقبل العبد على ربه ويدعوه وإذا قرأ القرآن يعرف ماذا يقرأ ، وإذا ذكر الله يعرف ماذا يقول .
4- ألا يؤدي الصلاة وقلبه مشغول ، بل ينتظر قضاء الصلاة ، ليذهب إلى حاجته ، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم (( لا صلاة بحضرة طعام ، ولا هو يدافعه الأخبثان )) وذلك أن النفس إذا استشرفت إلى شيء من أمر الدنيا طعام أو شراب أو عملاً أو خبراً أو غير ذلك .فإن العبد يصلي وهو ينتظر قضاء الصلاة لينظر في هذا العمل ، ينبغي للعبد أن يخلص عمل الدنيا ويقبل على صلاته بقلبٍ حاضرٍ متفرغ ، ولهذا وصف الله سبحانه وتعالى الصالحين بالمحافظة على الصلوات وهذا يشمل المحافظة على الوقت ، والطهور وأعمال الصلاة والخشوع وغير ذلك ، وبضدهم ذكر المنافقين فقال : (( وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلاً )) وذكر المشركين فقال : - (( وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاءً وتصديه)) وذكر المرائين فقال:- (( فويلُُ للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون ، الذين هم يراءون ويمنعون الماعون )) .. إن الصلاة عبادة محضة ، ليس لها مرتبات .. وليس فيها فوائد دنيوية ولا داعي أن نقول للناس أن العبد إذا صلى كسب رياضة وصحة واستقام حاله ، وتخلص من بعض الأمراض إلى غير ذلك ، .. كلا .. فالعبد لا يأتي إلى المساجد ليكسب مالاً ولا ليكسب صحة ، ولا ليكسب ثروة ، ولا ليكسب جاهاً ، ولا ليكسب مكانة اجتماعية ، إنما يمشي هذه الخطوات إلى مسجد الله تعالى يضع جبهته في التراب لربه تبارك وتعالى ويقول : - (( سبحانك وبحمدك أنا عبدك وبين يديك ، اعترف بذنبيفليس في الصلاة كبير وصغير وليس فيها أمير ومأمور ولا غني ولافقير بل الجميع فيها سواسية ، أقدامهم سواء ، وأكتافهم سواء ، وجباهم كلهم في التراب معفرة لرب الأرباب . إذن : هذه هي الكيفية الأولى والعظمى ، والكيفية الباطنة لصلاة الأنبياء علهم الصلاة والسلام . فإن الواحد منهم إذا قام إلى صلاته أقبل على ربه أشد الإقبال . قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم (( ياأيها المزمل . قم الليل إلا قليلاً . نصفه أو انقص منه قليلاً
أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلاً . إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً )) عبء الدعوة وتكاليفها ومسئولياتها وهمومها وتبعاتها لا يقوم لها إلا من استعان بالله تعالى وعبد الله وصلى وذكر الله ولذلك قال : - (( إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً)).
الكيفية الثانية : - الكيفية الظاهرة
والمقصود بها أعمال الصلاة وأقوالها ، وهذه أمرها كبير وطويل ، ولكني اختصر شيئاً منها ، وسوف أتجاوز كثيراً من الأشياء المعروفة المتداولة التي لا إشكال فيها :
-1- يرفع العبد يديه في مبدأ الصلاة ويقول(( الله أكبر )) وهذه تكبيرة الإحرام ، وبها يدخل الإنسان كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : (( تحريمها التكبير وتحليلها التسليم )) فإذا كبر دخل في الصلاة وأحرم بها ، فأصبح محرماً عليه أن يأكل أو يشرب أو يتكلم أو ينصرف عن القبلة أو يعاني أي عمل من أعمال الدنيا التي تتنافى مع الصلاة ، وهذه التكبيرة ركن من أركان الصلاة ، وينبغي أن يرفع يديه مع التكبير ، يرفعهما إلى منكبيه كما جاء في بعض الأحاديث – أو إلى أطراف أذنيه – كما جاء في أحاديث أخرى ، ورفعهما إلى المنكبين هو مذهب الجمهور وأكثر الأحاديث عليه ولو رفعهما إلى أطراف الأذنين فلا حرج ، فجاء ذلك في أحاديث أخرى . وتوسط بعض أهل العلم فقال : يكون أسفل اليد إلى المنكب وأطراف الأصابع إلى فروع الأذنين ، وهذا الرفع مسنون عند : -
أ- تكبيرة الإحرام ب- تكبيرة الركوع -ج- الرفع من الركوع -د- القيام من التشهد الأول
فهذه الأربعة مواضع ثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر وغيره أنه يشرع للإنسان أن يرفع يديه فيهما مع التكبير أو مع التسميع(( يعني قول سمع الله لمن حمده )) وهو سنة على كل حال كما هو مذهب الجماهير من العلماء بما في ذلك الأئمة الأربعة .
-2- بعد التكبير يستفتح العبد وهو سنة ليس بواجب عند جميع أهل العلم ، وأي دعاء ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم جاز أن يستفتح به العبد مثلاً (( سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك أسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك)) هذا ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم وثبت عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كما في صحيح مسلم وغيره ، وجهر به عمر وعلمه الناس ورجحه الإمام ابن القيم من نحو عشرة أوجه ، واختاره الإمام أحمد ، وفي كتاب التوحيد لابن منده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : - (( أحب الكلام إلى الله : سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك أسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك )) وسند الحديث جيد . وغيره ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة أنه عليه السلام كان يستفتح فيقول : - (( اللهم باعد بين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب ، اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس اللهم إغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد )) .
وإن دعا بغير ذلك من الاستفتاحات الواردة وهي نحو أربعة عشر استفتاحاً فلا بأس بذلك ، ولو جمع بين استفتاحين لم يكن عليه في ذلك إن شاء الله حرج ، كما رجحه الإمام ابن تيميه رحمه الله ثم يتعوذ بالله من الشيطان الرجيم لقوله تعالى (( فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم )) .
-3- يضع يده اليمنى على يده اليسرى – كما سبق – وهذا يكاد أن يكون اتفاقا بين العلماء ، وخالف في ذلك القليل-
ثم يضع يديه على صدره لحديث وائل بن حِجر قال : صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فوضع يده اليمني على اليسرى على صدره )) والحديث رواه ابن خزيمه وفي سنده ضعف ولكن له شاهد آخر مرسل صحيح عن طاووس قال في صلاة النبي صلى الله عليه وسلم (( أنه كان يضع يده اليمنى على اليسرى ثم يشد بينهما على صدره )) والحديث هذا رواه أبو داود وهو صحيح مرسل وبه يتقوّى حديث وائل بن حجر رضي الله عنه .
وهناك أقوال : بعضهم يقول : يرسل يديه ، وبعضهم يقول يضعهم فوق السرة ، وبعضهم يقول : يضعهم تحت السرة . وأود أن أقول : إن الأمر في ذلك كله واسع ، أما السنة فلا شك أن السنة هي وضع اليد اليمنى على اليسرى هذا ظاهر وليس إرسال اليدين ، ثم إن وضعها على صدره أو تحت الصدر بقليل أو فوق السرة أو تحت السرة فذلك كله واسع ، والأولى أن يضعهما فوق الصدر .. .. إنما لا ينبغي أن تكون هذه مسألة من المعضلات ، وألا تكون مثاراً للجدل والإشكال والقيل والقال ، وينبغي أن يكون فيها تعاذر وتغا فر وتناصح ، فلو خالفتني في هذه المسألة فلا حرج عليك إن شاء الله ، وأرجو ألاّ تؤاخذني إذ خالفتك أيضاً ، فإن الصلاة كما أسلفنا عبادة المقصود فيها التقرب إلى الله تعالى ، وليس المقصود فيها الجدل والقيل والقال وارتفاع الأصوات ، واختلاف القلوب ، ولأن نضع أيدينا مختلفين فهذا وضعهما تحت سرته ، وهذا وضعها على صدره ، وهذا وضعها فوق سرته مع اتفاق القلوب ، وسلامتها ، والنصح للمسلمين لهو خيرُُ عند الله تعالى من أن نفعل غير ذلك وتكون القلوب مختلفة متنافرة مليئة بالبغضاء لإخوانك المسلمين .
-4- قراءة الفاتحة وهي ركن للإمام والمنفرد لقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عبادة :- (( لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب )) أما المأموم فإن كان الإمام يسكت قرأ الفاتحة وإلا سكت المأموم وتكفيه قراءة إمامه إن شاء الله تعالى وفي ذلك أقوال كثيرة هذا أصحها وأرجحها – في ما ظهر لي إن شاء الله – ولذلك أدلة منها قول ربنا تبارك وتعالى (( وإذا قُرِأ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون )) قال بعض المفسرين أجمع العلماء على أن ذلك في الصلاة ، فإذا كان الإجماع على أن هذه الآية نزلت في الصلاة ، فكيف نستثني منها لحالة الوحيدة التي يمكن أن يقرأ فيها الإمام والمأموم ، وهي ألا يسكت الإمام يعد قراءة الفاتحة ، فإذا لم يسكت الإمام فعليك أن تسمع وتطيع لما قال الله ، فتسكت رجاء أن تدخل في رحمة الله . وقال النبي صلى الله عليه وسلم عن الأئمة : - (( يصلون لكم فإن أصابوا فلكم ولهم ، وإن أخطأوا فعليهم ولكم )) صحيح . فقول النبي صلا الله عليه وسلم – يصلون لكم – دليل على أن قراءة الإمام قراءة لمن وراءه . وكذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم :"إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه فإذا كّبر فكّبروا وإذا قرأ فأنصتوا ، وإذا ركع فاركعوا ، وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا ربنا ولك الحمد ، وإذا سجد فاسجدوا .. ..)) إلى غير ذلك ، فقوله : - (( وإذا قرأ فأنصتوا )) بعد ما بّين ماذا يقول الإمام بيّن ماذا يقول المأموم . فإذا قال الإمام سمع الله لمن حمده )) قال المأموم (( ربنا ولك الحمد )) .
وإذا ركع الإمام ركع المأموم فبيّن ماذا يجب عليهم جميعاً وهو (( الركوع ، والوقوف ، والسجود ، وغير ذلك ، وبيّن ما يجب على الإمام دون المأموم وهو مثل قوله (( سمع الله لمن حمده )) .
وبيّن ما يجب على المأموم مع الإمام وهو قوله ((ربنا ولك الحمد )) ثم قال (( فإذا قرأ فأنصتوا )) فدل ذلك على أن المأموم مطالب بالإنصات متى شرع إمامه بالقراءة حتى لو لم يتمكن من قراءة الفاتحة . وقد جاء في ذلك حديث (( من كان له إمام فقراءته له قراءة )) وهذا الحديث جاء عن أنس بن مالك وابن عباس وأبي هريرة وابن سعيد وابن عمر وجابر وغيرهم ، وصححه جماعة من أهل العلم كالإمام البوصيري والإمام شيخ الإسلام ابن تيميه رحمه الله ومن المعاصرين الشيخ الألباني وغيره ، وضعفه آخرون . وعلى كل حال فإنه لم يثبت قطعياً أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسكت وهو إمام حتى يتمكن من وراءه من القراءة . ولو كانت قراءة الفاتحة واجبة على المأموم لسكت النبي صلى الله عليه وسلم حتى يتمكن المأموم من قراءتها . وقد قال عليه الصلاة والسلام يوماً بعد ما انصرف من صلاة الفجر (( مالي أنازع القرآن ، لعلكم تقرئون خلف إمامكم )) قالوا نعم ، فنهاهم – قال الزهري : فانتهى الناس عن القراءة فيما يجهر فيه النبي صلى الله عليه وسلم بالقراءة .
-5- يقرأ بعد الفاتحة سورة استحباباً لا وجوباً – في الركعتين الأولين من الصلاة الرباعية وفي الركعة الثالثة من الصلاة الثلاثية . ففي الفجر يقرأ بطوال المفصل ، وقد قرأ النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الفجر سورة السجدة و (( هل أتى على الإنسان )) وقرأ سورة ق وقرأ إذا الشمس كورت ، وغالب ما يقرأ ما بين .6 إلى ..1 يقسمهما ما بين الركعتين . أما في الظهر فإنها أقل من الفجر ولكنها أطول من العصر ، وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ أحياناً في الظهر بطوال المفصل فقرأ بالذاريات بل قرأ في الظهر بلقمان ثبت هذا عنه عليه الصلاة والسلام .
والغالب أنه يقرأ قراءة أقل من صلاة الفجر وأطول من صلاة العصر ، أما في العصر فيقرأ بأواسط المفصل كسورة عمّ والمطففين والتكوير والبروج ونحوها .
أما المغرب فيقرأ أحياناً بالقصار كما في حديث سليمان بن يسار أنه كان يقرأ بقصار المفصل ، وقال أبو هريرة ((اذكرني هذا صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم )) ومثله حديث الصنابحي وقد صلى خلف أبي بكر بالمدينة رضي الله عنه وقد ذكر أنه كان يقرأ في المغرب بقصار المفصل . وقد قرأ صلى الله عليه وسلم بالمغرب بغير ذلك فقرأ بالطور مرة ، وقرأ بسورة المرسلات بل قرأ بسورة الأعراف – طولى الطوليْين – في مرة أو أكثر.
أما في العشاء فهو يقرأ فيها كالعصر بأواسط المفصل وقد قرأ عليه الصلاة والسلام بالعشاء ((إذا السماء انشقت )) ذات مرة وسجد فيها . وكذلك قرأ في الصحيحين من حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ بن جبل : (( أفتّان أنت يا معاذ ؟ لما أطال القراءة – اقرأ بالشمس وضحاها ، والليل إذا يغشى ، وسبح بسم ربك الأعلى . وهذا يتعلق بما يقرأه الإنسان .
-6- يركع الإنسان ويحني ظهره ويجعل ظهره مساوياً لظهره كما قالت عائشة – عن الرسول صلى الله عليه وسلم – أنه : - (( إذا ركع لم يرفع رأسه ولم يصوّ به ولكن كان بين ذلك )) وكان لو صُبّ على ظهره الماء لستقر من تساويه واعتداله ، ورأسه كذلك كان مساوياً لظهره عليه الصلاة والسلام وكان يقول في ركوعه
(( سبحان ربي العظيم ، سبحان ربي العظيم )) أما الوجوب فمرة لإنه صلى الله عليه وسلم لما نزل قوله تعالى
(( فسبح باسم ربك العظيم قال : - (( اجعلوها في ركوعكم )) وهذا يتحقق بمرة واحدة . وأما أدنى الكمال فكما قال الفقهاء (( ثلاث )) ويدعوا في الركوع أيضاً بما ورد وكان من دعائه صلى الله عليه وسلم في ركوعه كما في حديث عائشة المتفق عليه (( سبحانك اللهم وبحمدك ، اللهم اغفر لي )) إلى غير ذلك من الأدعية.
-7- يرفع رأسه ويقول (( سمع الله لمن حمده )) إن كان إماماً أو منفرداً ، أما المأموم فلا يقولها بل يكتفي بقوله (( ربنا ولك الحمد )) وهذا الدعاء يشترك فيه الإمام والمأموم والمنفرد فيقولون جميعاً (( ربنا ولك الحمد حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه ملء السماء ، وملء الأرض ، وملء ما شئت من شيء بعد ، أهل الثناء والمجد ، أحق
ما قال العبد ، وكلنا لك عبد ، اللهم لا مانع لما أعطيت ، ولا معطي لما منعت ، ولا ينفع ذا الجد منك الجد ))
ما معنى هذا الدعاء .. .. ؟! قد نردده ولا نفهم معناه : -
(( ربنا ولك الحمد حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه ملء السماء وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد )) يعني هذا الحمد الذي أحمدك يا رب هو حمدٌ كثيرٌ طيبٌ لا ينتهي أ بداً يملأ السماوات ويملأ الأراضي ويملأ غيرهما مما تشاء يا رب. ثم قال (( أهل الثناء والمجد ، أحق ما قال العبد ، وكلنا لك عبد )) كلنا عبيد لك ، وأفضل وأعظم كلمة قالها عبد هي : - (( اللهم لا مانع لما أعطيت )) هذه أعظم كلمة قالها العبد وأحق كلمة قالها العبد :- (( اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ، ولا ينفع ذا الجد منك الجد )) فذوا الحظ والغنى .. . ذو الملك والسلطان .. ذو المال والثراء .. ذو الصحة والقوة ..لا ينفعه منك ذلك ، إنما ينفعه عمله الصالح
أما جدٌّه وحظه الدنيوي فلا ينفعه ..
فليس لإمرٍ قدر الله جمعه مشتٌّ ، ولا مفرق الله جامع
فالعبد الذي يقول هذا أنّى له أن ٌيطأطأ رأسه لغير الله ، أو يذل لسواه ، أو يطلب الدنيا ويفتلها بالدين ، أو يضعف ويخاف من الطواغيت وأعداء الله وأعداء رسوله عليه الصلاة والسلام .. إن المؤمن الذي يقول هذا الدعاء بقلبٍ حاضر سيمتلئ قلبه ثقة بالله وتوكل وشجاعة وجرأة وقوة وإعراض عن الدنيا وهكذا كانت مثل هذه العبادات والأذكار والصلوات تخرج الناس خلقاً آخر غير ما عهد الناس ، فكان الواحد منهم يهجم على الموت ، يبحث عنه ويطلبه في فطانه رجاء أن يكتب الله تعا لى له أجر الشهداء في سبيله . أما المسلم اليوم فإنه يقول هذا الدعاء ثم يمد يده طلباً للدنيا ، ويقول هذا الدعاء ثم يخاف من القوى العظمى – كما تسمى.. أو يخاف من رجال الأمن ، أو يخاف من الدول ، أو يخاف من أعدائه وخصومه ، أو يخاف من الجن – كما نجد عند الكثيرين-
أو يخاف من الشياطين ، أين الإنسان الذي يقول بلسانه وقلبه يواطء لسانه (( لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ، ولا ينفع ذا الجد منك الجد )) أن يطلب الدنيا من غير الله تعالى ، أو يقف بباب غير باب الله تعالى ، وهذا الموضع – موضع القيام من الركوع – هو موضع قنوت ودعاء فهو أحد المواضع التي يشرع فيها الدعاء ، ففي الركعة الأخيرة من الوتر ، وكذلك في غير الوتر في الصلوات في النوازل والمصائب العامة التي تنزل بالمسلمين ، ويمكن للإنسان أن يقنت ولو سراً منفرداً ، أو غير منفرد ، فيطيل الوقوف كما كان النبي صلى الله عليه وسلم – يطيله ، ويدعوا الله تعالى بما أحب من خيري الدنيا والآخرة .
-8- يهوي الإنسان بعد ذلك ساجداً لله تعالى .. وهل يقدم للسجود يديه أم ركبتيه ؟
في ذلك خلاف كثير طويل بين أهل العلم .. وقد نقل الإمام ابن تيميه رحمه الله الإجماع على أن صلاة من قدم يديه أو ركبتيه صحيحة ، وإنما الخلاف في الأوْلى والأفضل من ذلك إذن ينبغي أيضاً أن نعطي هذه المسألة قدرها فلا نعظمها ونجعلها مجالاً للخصومات والعدوات والقيل والقال ، واختلاف القلوب ، بل نبحثها بحثاً علمياً هادئاً رزيناً بعيداً عن التشنٌّج والانفعال والإثارة ، فنقول من أهل العلم من قال السنة أن يقدم الإنسان ركبتيه ثم يديه ثم جبهته .. بهذا الترتيب ، وهذا الذي رجحه الإمام ابن القيم ورجحه جماعة من علماؤنا المعاصرين كسماحة الشيخ ابن باز والشيخ ابن عثيمين وغيرهم من أهل العلم . ومن أهل العلم من قال السنة أن يقدم الإنسان يديه ثم ركبتيه – إذا هوى إلى السجود – وكأن هذا أشبه وأقرب إلى السنة أن يقدم الإنسان يديه ثم ركبتيه . وفي حديث أبي هريرة (( إذا سجد أحدكم فلا يبرُك كما يبرُك البعير ، وليضع يديه قبل ركبتيه )) ومثله حديث عمر بمعناه ، وهو أصح من حديث وائل بن حجر الذي ذكر تقديم الركبتين قبل اليدين .
وعلى كل حال فسواءً قدم الإنسان يديه أو قدم ركبتيه فإنه ينبغي ألا يشتبه بالحيوانات في هذا الهويّ ، فإن الإنسان إذا انحط بجملته وكُلّيته مرة واحدة كان متشبهاً ببروك البعير ، والتشبه بالحيوانات مذموم خاصة في الصلاة ، فعلى الإنسان إن هوى بركبتيه أن ينزل تدريجياً ، وإن هوى بيديه أيضاً أن ينزل تدريجياً أيضاً ، وعليه في سجوده أن يباعد جسمه بعضه عن بعض ، فيباعد بطنه عن فخذيه وفخذيه عن ساقيه ، ويرفع ذراعيه ، ليعطي كل عضو حقه من السجود ويقول في ذلك السجود :- (( سبحان ربي الأعلى ، سبحان ربي الأعلى )) والواجب مرة واحدة ، وما زاد فهو من الكمال والفضل ، ولما نزلت (( سبح اسم ربك الأعلى )) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : - (( اجعلوها في سجودكم )) . ويستحب له أن يكثر من الدعاء لقوله عليه الصلاة والسلام : - (( أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد ، فأكثروا فيه من الدعاء فقمن أن يستجاب لكم )) وكان من الدعاء المشروع أن يقول :- (( سبحانك اللهم ربنا وبحمدك ، اللهم اغفر لي )) وكذلك (( سبّوح قدوس رب الملائكة والروح )) وكذلك (( يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك ، ويا مصرف القلوب صرّف قلوبنا على طاعتك ))
-9- يرفع من سجوده ويجلس بين السجدتين ، ويضع يديه على ركبتيه أو على فخذيه ، ويدعوا بما ورد ، وقد ورد في هذه المواضع عشرة ألفاظ يدعوا بها (( رب اغفر لي ، وارحمني ، واهدني ، وعافني ، وارزقني ، وانصرني ، واجبرني ، وارفعني ، واعفوا عني ))
وقد جاء أيضاً ولا حرج أن يقول ذلك كله (( رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير))
** يسجد السجدة الثانية كطبيعة السجدة الأولى .
0- 1- يقوم بعد السجدة الثانية إلى الركعة الثانية وإن جلس قبل أن يقوم للركعة الثانية جلسة خفيفة فهذا حسن وهذه الجلسة تعرف عند الفقهاء ب(( جلسة الاستراحة )) وقد جاء فيها أحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم منها حديث مالك بن الحويرث في صحيح البخاري أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يصلي فإذا كان في وترٍ من صلاته – يعني إذا انتهى من الركعة الأولى أو الثالثة – لم ينهض حتى يستوي قاعداً )) وهذا الحديث – حديث مالك بن الحويرث – هو أشهر الأحاديث في الباب كما قال الحافظ ابن حجر ، ومن ميزاته أنه لم يرد إلا على هذه الصورة ، فكل أحاديث مالك بن الحويرث فيها ذكر هذه الجلسة الخفيفة بعد الركعة الأولى وبعد الركعة الثالثة ، وقد جاء أيضاً حديث أبي حميد الساعدي في صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم (( أنه يرفع من السجود ثم يقول (( الله أكبر )) ثم يثني رجله فيقعد عليها معتدلاً )) وهذا اللفظ رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه ، وحديث أبي حميد جاء فيه رواية أخرى سكت عن جلسة الإستراحه ، وجاء في رواية ثالثة نفى أن يكون جلس قال (( ثم يقوم ولا يتورك )) ومثله أيضاً حديث أبي هريرة في قصة المسىء صلاته وأن النبي صلى الله عليه وسلم جلس تلك الجلسة ، وقد رواها البخاري في الأوجه الثلاثة ، فمرة ذكر هذه الجلسة الخفيفة ، ومرة سكت عنها ، ومرة ذكر ما يدل على أنه تركها . ومثله أيضاً حديث رفاعة بن رافع في قصة المسىء صلاته ، وقد اختلف أهل العلم كثيراً – فقال بعضهم سنة أن تجلس هذه الجلسة الخفيفة ، وقال بعضهم مكروه ، وقال بعضهم يفعلها للحاجة ، والأوْلى والأقرب – والله أعلم – أن يفعلها تارة ويتركها تارة جمعاً بين النصوص ، وهذا ما كان يفعله الإمام أحمد كما في كتاب (( مسائل الإمام أحمد لابن هانىء)
فإنه قال كان يفعلهما مرة ويتركها ، وفي ذلك جمعٌ بين الأقوال . ولو حافظ الإنسان على هذه الجلسة لم يكن عليه في ذلك من حرج أو بأس إذا اعتقد سُنيتها ، لأن أمامه أدله قوية وأمامه علماء جهابذه عظام قالوا بمشروعية هذه الجلسة في كل حال وعلى الإطلاق .
-11- التشهد الأول والجلوس له وهو واجب وقال أكثر أهل العلم هو سنة ويقرأ في هذا التشهد بالتحيات . وإن صلّى على النبي صلى الله عليه وسلم في هذا التشهد أحياناً فحسن لثبوته عن بعض الصحابة ، هذا بالنسبة للتشهد الأول .
· أما التشهد الأخير فهو ركن ولا بد فيه من الصلاة عن النبي صلى الله عليه وسلم ويدعوا في التشهد الأخير بما أحب من خيري الدنيا والآخرة ، ومن الأدعية الواردة – كما في الصحيحين – (( أعوذ بالله من عذاب جهنم ، ومن عذاب القبر ، ومن فتنة المحيا والممات ، ومن فتنة المسيح والدجال )) بل قال بعض أهل العلم هذا الدعاء واجب ، وأمر طاووس ابنه لما ترك هذا الدعاء أن يعيد صلاته ، ومن الدعاء الوارد ((اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً ، وإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ، فاغفر لي مغفرةً من عندك ، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم ))
ومنه أيضاً (( اللهم أعني على ذكرك وشكرك ، ، وحسن عبادتك )) ومنه (( اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت ، وما أسررت وما أعلنت ، وما أسرفت ، أنت المقدم وأنت المؤخر ، لا إله إلا أنت ..)) إلى غير ذلك من الأدعية .
-12- أما الجلسات في الصلاة فهي نوعان :-
النوع الأول - : الإفتراش:- وهو أن يقعد على رجله اليسرى وينصب رجله اليمنى وهذا يكون في القعدة بين السجدتين ، ويكون في التشهد الأول أيضاً ، ويكون أيضاً في التشهد الأخير في الصلاة
النوع الثاني :- التورُّك :- ويُقصد به أن يُفضي الإنسان بمقعدته إلى الأرض ويجعل قدميه عن يمينه ، فينصب اليمنى ويجعل اليسرى مفروشة تحتها ، أو يجعل اليسرى بين فخذه وساقه أو غير ذلك . وهذه القعدة
(( التورك )) إنما تفعل في التشهد الأخير في الصلاة التي يكون فيها تشهدان كصلاة المغرب أو العشاء أو الظهر أو العصر . وقيل بل يفترش في كل تشهد . وقيل بل يتورك في كل تشهد . والاعتدال أنه يتورك في التشهد الأخير من الصلاة الثلاثية والرباعية ويفترش في التشهد الأول في الصلاة الثلاثية والرباعية وكذلك في الصلاة التي ليس فيها إلا تشهد واحد .
-13- هناك صفات متنوعة في بعض الأعمال في الصلاة :- مثل الاستفتاح : فينبغي أن ينوع العبد ، فمرة يستفتح بدعاء ومرة بدعاء آخر ، حتى لا يكون ذلك على سبيل العادة ، ويقرأه دون أن يتدبره أو يتأمله أو ينتبه إليه .
ومثله أيضاً أدعية الركوع والسجود ، ومثله أنواع التشهدات الواردة عن الرسول صلى الله عليه وسلم كتشهد ابن مسعود : - (( التحيات لله والصلوات والطيبات السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته ، السلام علين




بسم الله الرحمن الرحيم(رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) [البقرة/286]


Sahar
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sadakasoft.ahlamountada.net
زكرياء
مدير الموقع
مدير الموقع


البلد: غير معروف
الهواية :
عدد المساهمات عدد المساهمات: 6490
الجنس: ذكر
نقاط: 171369
السمعة السمعة: 99

مُساهمةموضوع: رد: موسوعة الخطب المكتوبة و الدروس    السبت يونيو 23, 2012 3:30 pm





المحاضرة الثالثة
طريقنا الى القلوب للشيخ ابراهيم الدويش
اذا اردت المحاضرة
اضغط هنا
[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]







بسم الله الرحمن الرحيم(رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) [البقرة/286]


Sahar
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sadakasoft.ahlamountada.net
عزف الدموع
صديق برونزي
صديق برونزي


البلد: الجزائر
الهواية :
عدد المساهمات عدد المساهمات: 1548
الجنس: انثى
نقاط: 2548
السمعة السمعة: 19
العمر: 25

مُساهمةموضوع: رد: موسوعة الخطب المكتوبة و الدروس    الأحد يونيو 24, 2012 1:19 pm

شكرا لكم على مجهوداتكم
جعلها ربي في موازين حسناتكم
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
جيمي
صديق برونزي
صديق برونزي


البلد: الجزائر
الهواية :
عدد المساهمات عدد المساهمات: 2193
الجنس: انثى
نقاط: 3644
السمعة السمعة: 33
العمر: 34

مُساهمةموضوع: مذكرات إبليس : عمر عبد الكافي   الثلاثاء سبتمبر 24, 2013 7:37 pm

برنامج جديد الذي له فكرة خاصة
يتخيل فيها الإنسان إن الشيطان أو إبليس
الذي لعنه الله سبحانه وتعالى لتكبره وحقده
على آدم عليه السلام وعلى وبني آ دم

إلا عباد الله المُخلَصين والمخلِصين

أنه في فترة إجازة طوال شهر كامل
طالما أنه متفرغ من العمل
لأنه مقيد ومسلسل بأمر من الله سبحانه وتعالى
هو وكبار مساعديه من مردة الجن

أتخيل أنه جلس ليكتب مذكراته في هذا الشهر
مذكرات إبليس

الذي سوف نعرضها على مدار هذه الحلقات
تنقسم إلى قسمين

1. تقرير منه عن ما سبق فعله من مسلمين وبني البشر

2. تقرير منه بالخطة المستقبلية التي سوف يغوي فيها بني آدم
في مشرق الأرض ومغربها

وعميد مدرسة الشيطنة أو الأبلسة
هو إبليس
له مدرسة أو جامعة لها فروع في كل أنحاء العالم

::::::::::::::::::::::::::::::

وللمتابعة والوقاية من هذه المذكرات
وهي مذكرات إبليس
ملاحظة : الموضوع منقول من موقع الطريق إلى الله

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

أو حمل كل حلقة منفصلة عبر هذه الروابط

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]



الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
زكرياء
مدير الموقع
مدير الموقع


البلد: غير معروف
الهواية :
عدد المساهمات عدد المساهمات: 6490
الجنس: ذكر
نقاط: 171369
السمعة السمعة: 99

مُساهمةموضوع: رد: موسوعة الخطب المكتوبة و الدروس    الإثنين سبتمبر 30, 2013 11:08 pm

أشراط الساعة الصغرى 5
ناصر محمد الأحمد
ملخص الخطبة
1- كثرة التجارة وفشوها بين الناس حتى تشارك فيها النساء، وأثر ذلك على الرجال والنساء 2- ذهاب الصالحين وقلة الأخيار وكثرة الأشرار ومتى يكون ذلك وأثره على الناس 3- ارتفاع الأسافل من الناس على خيارهم
الخطبة الأولى
 
 
أما بعد:
 نواصل حديثنا معكم ايها الأحبة عن أشراط الساعة، ولا نزال في الصغرى منها، ذكرنا في الجمعة الماضية: تقارب الزمان، وظهور الشرك في هذه الأمة، وظهور الفحش، وقطيعة الرحم وسوء الجوار، وتشبب كبار السن، وكثرة الشح.
ثم هذه مجموعة أخرى من أشراط الساعة، فمنها: كثرة التجارة وفشوها بين الناس، حتى تشارك وتزاحم النساء فيها الرجال.
روى الإمام أحمد في مسنده والحاكم في مستدركه بسند صحيح عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((بين يدي الساعة تسليم الخاصة، وفشو التجارة، حتى تشارك المرأة زوجها في التجارة)). وروى النسائي عن عمرو بن تغلب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن من أشراط الساعة أن يفشو المال ويكثر، وتفشو التجارة)) وهذا أمر حاصل وظاهر لكل أحد، إن كثرة التجارة وانتشارها أمر لا بأس به، بل قد يكون مطلوباً، فهو يغني الإنسان عن سؤال الغير، لكن البأس، أن تؤدي التجارة ويؤدي هذا المال للإفتتان، ثم الطغيان، كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى وكذلك المرأة، الأصل أنه لا بأس من مشاركتها في التجارة، والدخول فيه، لكن البأس ما هو حاصل من واقعنا في هذا الزمان، التمرد، والاستغناء عن الزوج، بل والتسلط عليه، وصار المسكين موقفه ضعيفاً، فالمال بيدها، أضف إلى ذلك نقصان العقل والدين، فماذا تتوقع بعد ذلك، لا غرابة إذا سمعنا، بل أصبح هذا أمراً عادياً عند بعض الأسر، أن تسافر بعض النساء لوحدهن، ولا أتكلم هنا عن بعض الأسفار الداخلية، ولا عن ما ذكره الفقهاء في كتبهم من سفر المرأة مع مجموعة إلى الحج، بل أعني سفر عدد من النساء، وفي الغالب أخوات للسياحة والتنزه والإصطياف في الخارج، وهذا حاصل وواقع .. وصل قلة الحياء والإستهانة بأوامر الله وعدم الخجل حتى من الناس أن يقال ويعرف أن بنات فلان قضين شهراً من عطلة الصيف في أوربا، أو أمريكا، أو أحد بلدان الشام، بل وصار الناس يستقبلون مثل هذه الأخبار دون نكارة، ولا حرج، لو سألت وبحثت عن بعض أسباب ذلك، لوجدت أن وفرة المال، وكثرته في يد المرأة، قد يؤدي إلى مثل ذلك، بل وأشد من ذلك .. لقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يخشى على هذه الأمة الفقر، إنما يخشى عليها أن تبسط عليها الدنيا، فيكثر المال، وتفشو التجارة، فيقع بين الناس التنافس، الذي يؤدي إلى الهلاك، ففي الحديث أنه قال عليه الصلاة والسلام: ((والله ما الفقر أخشى عليكم، ولكني أخشى عليكم أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، وتهلككم كما أهلكتهم)) رواه البخاري ومسلم .. وفي صحيح مسلم قال صلى الله عليه وسلم: ((إذا فتحت عليكم فارس والروم، أي قوم أنتم؟ قال عبدالرحمن بن عوف: نقول كما أمرنا الله، قال رسول صلى الله عليه وسلم: أو غير ذلك: تتنافسون، ثم تتحاسدون، ثم تتدابرون، ثم تتباغضون)). فالمنافسة على الدنيا، تجر إلى ضعف الدين، وهلاك الأمة، وتفريق الكلمة، كما وقع في الماضي، وكما هو واقع الآن.
تجد أخوين، خرجا من بطن واحد، ومن صلب رجل واحد، يحصل بينهم مشاكل ومنازعات وخصومات، بل ويصل الأمر إلى المحاكم، من أجل خلاف على مزرعة، أو أرض، أو كانا شريكين في تجارة، والله المستعان.
وتصديق ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم من فشو التجارة، أصبحت ترى مدينة صغيرة، كالتي نحن فيها الآن، كان سوقها قبيل سنوات محصور في شارع واحد، والآن أصبحت المدينة كلها سوق، وتحولت معظمها إلى مجمعات تجارية، أضعاف أضعاف حاجة البلد، والعجيب أن التجار يشتكون من كساد السوق، وفي المقابل هناك ازدياد متضاعف على فتح محلات أخرى وجديدة، بمذا نفسر هذا؟ إن تفسيره أنه أحد علامات الساعة.
أيضاً ومن أشراط الساعة: ذهاب الصالحين، وقلة الأخيار، وكثرة الأشرار، حتى لا يبقى إلا شرار الناس، وهم الذين تقوم عليهم الساعة .. روى الإمام أحمد بسند صحيح عن عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تقوم الساعة حتى يأخذ الله شريطته من أهل الأرض – (شريطته أي أهل الخير والدين) – فيبقى فيها عجاجة – (وهم الأراذل الذين لا خير فيهم) – لا يعرفون معروفاً ولا ينكرون منكراً)). معنى الحديث أن الله يأخذ أهل الخير والدين، ويبقى غوغاء الناس وأراذلهم ومن لا خير فيهم، وتأمل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ربط القضية بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .. وروى الإمام أحمد أيضاً بسند صحيح عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((يأتي على الناس زمان، يُغربلون فيه غربلةً، يبقى منهم حثالة – (والحثالة الردئ من كل شيء) – قد مرِجت – (أي اختلطت) – عهودهم وأماناتهم واختلفوا، فكانوا هكذا، وشبك بين أصابعه)).
متى يكون ذهاب الصالحين؟ ومتى يقل الأخيار ويكثر الفجار؟ يكون ذهاب الصالحين، عند كثرة المعاصي، وعند ترك الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر ((أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم. إذا كثر الخبث)).
والخبث والله قد كثر، وطفح على السطح، ولم يعد الخبث مستوراً، بل أصبح ظاهراً ويعلن عنه، دخل الخبث معظم البيوت، أصبحت ترى الخبث في شوارع المسلمين وأسواقهم، بل لقد تخلل الخبث إلى سلوكيات الأمة وأخلاقها، كان في الماضي يستحي الناس من ظهور وبروز شيء من خبثهم وفجورهم ومعاصيهم، أما اليوم وصل الأمر إلى المجاهرة بالخبث.
أصبح الرجل الصالح الذي لا يريد أن يتلوث بخبث المجتمع غريباً، بل حتى عوام الناس صاروا يطلقون عليه بقولهم – فلان ملتزم – إذا كان هو ملتزماً فأنت ماذا تكون؟ هذا اعتراف منك بأنك غير ملتزم، أي غير ملتزم بأوامر الله، غير ملتزم بأحكام الشرع، وهذه هي الإنتكاسة أيها الأحبة.
أرجع إلى الخبث، ((أنهلك وفينا الصالحون؟ قال نعم إذا كثر الخبث)).
إن كثرة الخبث في المجتمع، سبب لذهاب النعم، وحلول النقم، الخبث سلاّب للنعم جلاّب للنقم، خبث الناس وفجورهم ومعاصيهم يسبب تسلط الخصوم، وتسيطر الأشرار والفجار، وارتفاع الأسعار، وشح الوظائف، وكثرة الجرائم وقلة الأمطار، وانتشار الأوبئة فكلاً أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصباً ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون .
ما نزل بالأمة من ذل وهوان وآلام، وعقوبات ومحن وفتن إلا بسبب كثرة الخبث وقلة الصالحين، فحرمت الأمة من خيرهم وبركتهم ودعوتهم، وما يصيب الأمة في واقعها ما هي إلا نذر لكي يعودوا ويرجعوا ويكفوا من نشر الخبث وتقليص تمدد الصالحين. وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون وقال جل شأنه: فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم . ولعلك تسألني وتقول ما هو الخبث؟ وماذا تعني بالخبث؟ فأقول لك إن الخبث صوره لا تعد ولا تحصى لكن خذ بعض النماذج:
إن من الخبث، إقامة الربا، وانتشار الفواحش، وكثرة الزنا ومن الخبث: إكرام الكفار والفجار، وإهانة الصالحين والأخيار، ونبذ أحكام شريعة الجبار، ومن الخبث: تضيع الصلوات ومنع الزكوات، واتباع الشهوات، وارتكاب المنكرات، ومعاداة أولياء من بيده الأرض والسماوات.
من الخبث: انتشار الغش والظلم، كثرة أكل الحرام، ارتفاع أصوات المعازف، تساهل الناس في سماع الغناء، عدم الإكتراث بمشاهدة التبرج والسفور.
من الخبث: فشو رذائل الأخلاق، ومستقبح العادات في البنين والبنات، وتسكع النساء في الأسواق، وكثرة مشاكل المغازلات والمعاكسات، هذه نماذج وغيرها أضعاف مضاعفة .. ولعله ثار في ذهنك، لماذا لم يذكر الخطيب خبث الإعلام وما يبثه من سموم، والخبث الموجود في التلفاز؟
الجواب: فإن هذا لا يكفيه إشارة عابرة، وإنما يحتاج إلى كلام مفصل، وسيكون بإذن الله تعالى، خصوصاً الخبث الأكبر، وشيطان الخبائث، ما يسمونه: الدش.
والمشكلة أن الناس نيام، والمجتمع غافلٌ لاه، لا يعلم بأن الخبث، يهدم الأركان، ويقوض الأساس، ويزيل النعم، وينقص المال، وترتفع الأسعار، وتغلو المعيشة، وتحل الهزائم الحربية والمعنوية قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعاً ويذيق بعضكم بأس بعض انظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون وكذب به قومك وهو الحق قل لست عليكم بوكيل لكل نبأ مستقر وسوف تعلمون .
قال الله تعالى: أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتاً وهم نائمون أو أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون أو لم يهد للذين يرثون الأرض من بعد أهلها أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم ونطبع على قلوبهم فهم لا يسمعون .
نسأل الله جل وتعالى أن يرحمنا برحمته. وأن لا يؤاخذنا بما فعل السفهاء منا.
نفعني الله وإياكم بهدي كتابه. . .
 
 
الخطبة الثانية
 
 
أما بعد:
ومن أشراط الساعة أيضاً: ارتفاع الأسافل من الناس على خيارهم، واستئثارهم بالأمور دونهم، فيكون أمر الناس بيد سفهالهم وأراذلهم ومن لا خير فيهم، وهذا أيها الأحبة من انعكاس الحقائق وتغيّر الأحوال، وهذا أمر مشاهد جداً في هذا الزمان، فترى أن كثيراً من رؤوس الناس وأهل العقد والحل هم أقل الناس صلاحاً وعلماً، إلا من رحم الله مع أن الواجب أن يكون أهل الدين والتقى هم المقدمون على غيرهم في تولي أمور الناس، لأن أفضل الناس وأكرمهم هم أهل الدين والتقوى، قال تعالى: إن أكرمكم عند الله أتقاكم .
ولذلك لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يولي الولايات وأمر الناس إلا من هم أصلح الناس وأعلمهم، وكذلك خلفاؤه من بعده، والأمثلة على ذلك كثيرة، ومنها ما رواه البخاري عن حذيفة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأهل نجران: ((لأبعثن إليكم رجلاً أميناً حَق أمين)) فاستشرف لها أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فبعث أبا عبيدة.
اسمع أخي المسلم إلى هذه الأحاديث في أن من أشراط الساعة إرتفاع أسافل الناس، روى الإمام أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إنها ستأتي على الناس سنون خدّاعة، يصدق فيها الكاذب، ويكذب فيها الصادق، ويؤتمن فيها الخائن، ويخون فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة، قيل وما الرويبضة؟ قال: السفيه يتكلم في أمر العامة)) وفي حديث جبريل الطويل قوله: ((ولكن سأحدثك عن أشراطها، إذا كانت العراة الحفاة رؤوس الناس، فذاك من أشراطها)) رواه مسلم.
وفي الصحيح: ((إذا أسند الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة)). وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ((من أشراط الساعة، أن يعلو التحوت الوعول، قال: أكذلك يا عبدالله بن مسعود سمعته من حِبي؟ قال: نعم ورب الكعبة، قلنا وما التحوت؟ قال: سفول الرجال، وأهل البيوت الغامضة يرفعون فوق صالحيهم، والوعول: أهل البيوت الصالحة)) رواه الطبراني في الأوسط.
وفي الصحيحين، عن حذيفة رضي الله عنه، فيما رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم في قبض الأمانة، قال: ((حتى يقال للرجل: ما أجلده ما أظرفه ما أعقله، وما في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان)).
وهذا هو الواقع بين المسلمين في هذا العصر، يقولون للرجل: ما أعقله، ما أحسن خلقه، ويصفونه بأبلغ الأوصاف الحسنة، ربما لم يوصف بها بعض الصحابة، وهو من أفسق الناس، وأقلهم ديناً وأمانة، بل قد يكون عدواً للإسلام والمسلمين، ويعمل على هدم الدين ليل نهار، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
ولا داعي لكي تتيقن أن إرتفاع أسافل الناس على خيارهم، وتقلد الأمور دونهم، أن تنظر إلى بعيد، لو نظرت إلى أقرب المؤسسات حولك أو الشركات، أو المصالح والمكاتب، لرأيت أنه يتولى أمر هذه المصلحة، أو ذلك المكتب، أو ذلك القسم أو الإدارة، أقلهم علماً وخبرة بل وشهادة، وربما لا يحمل شهادة، ولا يفقه شيء في العمل، وإذا نظرت إلى خلقه وسلوكياته، لرأيته أفسق من في الإدارة، أو المؤسسة، وأنزلهم خلقاً ومعاملة، بل ربما لو فتشت في أوراقه وملفاته، لوجدت عليه قضايا وطامات، سرقات، اختلاسات، ناهيك عن القضايا الأخلاقية، وربما لم يسلم من جره للهيئة عدة مرات. فلو سألت، كيف تقلد هذا هذا المنصب، وكيف ارتفع هذا التحوت، لجاءك الجواب، بأنه هذا هو الذي أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم أنه سيكون من أشراط الساعة.




بسم الله الرحمن الرحيم(رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) [البقرة/286]


Sahar
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sadakasoft.ahlamountada.net
زكرياء
مدير الموقع
مدير الموقع


البلد: غير معروف
الهواية :
عدد المساهمات عدد المساهمات: 6490
الجنس: ذكر
نقاط: 171369
السمعة السمعة: 99

مُساهمةموضوع: رد: موسوعة الخطب المكتوبة و الدروس    الإثنين سبتمبر 30, 2013 11:08 pm

أشراط الساعة الكبرى 1
ناصر محمد الأحمد
 
ملخص الخطبة
1- فوائد الكلام عن أشراط الساعة 2- ظهور مهدي أهل السنة وكيف يكون ذلك ، وذكر نسبه وأنه بخلاف المهدي الذي تزعمه الرافضة 3- الدجال وحال المسلمين عند ظهوره وشيء من أخبار فتنته وأوصافه 4- كيف يعتصم المسلم من الدجال
 
الخطبة الأولى
 
 
 
أما بعد:
كان لنا حديث قبل سنة عن أشراط الساعة الصغرى، وقد استغرق الحديث ثمان خطب، وقد وعدنا باستكمال الموضوع عن أشراط الساعة الكبرى، وها قد حان وقتها.
أيها المسلمون: إن الحديث في مثل هذه المواضيع الذي قد يكون معروفاً عند البعض أو مكرراً، له عدة فوائد:
أولاً: أن الحديث عن قضايا الغيب وما سيكون في آخر الزمان مما يزيد الايمان وإن كان معروفاً.
ثانياً: ليس بصحيح أن كل ما يقال معروف، فقد يعرف بعضنا مثلاً أن الدخان من أشراط الساعة الكبرى، لكن بعض تفاصيلها قد يجهله.
ثالثاً: ليس الهدف من طرح هذا الموضوع هو السرد فقط، لكن الأهم منه زيادة الايمان والتوحيد، والاستعداد لهذه الأحوال، والأهم ربط هذه المسائل وهذه القضايا بواقعنا، أسأل الله جل وتعالى الاعانة والتوفيق.
روى مسلم عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيِّ قَالَ اطَّلَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْنَا وَنَحْنُ نَتَذَاكَرُ فَقَالَ: ((مَا تَذَاكَرُونَ؟ قَالُوا: نَذْكُرُ السَّاعَةَ. قَالَ: إِنَّهَا لَنْ تَقُومَ حَتَّى تَرَوْنَ قَبْلَهَا عَشْرَ آيَاتٍ فَذَكَرَ الدُّخَانَ وَالدَّجَّالَ وَالدَّابَّةَ وَطُلُوعَ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا وَنُزُولَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَأَجُوجَ وَمَأْجُوجَ وَثَلَاثَةَ خُسُوفٍ خَسْفٌ بِالْمَشْرِقِ وَخَسْفٌ بِالْمَغْرِبِ وَخَسْفٌ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَآخِرُ ذَلِكَ نَارٌ تَخْرُجُ مِنْ الْيَمَنِ تَطْرُدُ النَّاسَ إِلَى مَحْشَرِهِمْ)).
أيها الأحبة: إذا ظهرت علامة من علامات الساعة الكبرى فإن أخواتها تتبعها كتتابع الخرز في النظام يتبع بعضها بعضاً. روى الإمام أحمد بسند صحيح عن عبدالله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الآيات خرزات منظومات في سلك، فإن يُقطع السلك يتبع بعضها بعضاً)).
أيها المسلمون: سيظهر في آخر الزمان وذلك بعد فشو الفساد وكثرة المنكرات واستفحال الظلم وقلة العدل رجلٌ يصلح الله على يديه أحوال هذه الأمة هذا الرجل يعرف عند أهل السنة بالمهدي، من أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم من ذرية فاطمة بنت رسول الله من ولد الحسن بن علي رضي الله عنهم، يؤيد الله به الدين يحكم سبع سنين، يملأ الأرض خلالها عدلاً كما ملئت جوراً وظلماً، تنعم الأمة في عهده نعمة عظيمة، تُخرج الأرض نباتها، وتُمطر السماء قطرها، ويُعطى المال بغير عدد. قال ابن كثير رحمه الله: في زمانه تكون الثمار كثيرة والزروع غزيرة والمال وافر والسلطان قاهر والدين قائم والعدو راغم والخير في أيامه دائم.
يخرج مهدي أهل السنة من قبل المشرق، وعند خروجه لايكون لوحده، بل يؤيده الله بأناس من أهل المشرق يحملون معه الدين ويجاهدون في سبيله كما ورد بذلك الحديث، ووقت خروجه، عندما يقتتل ثلاثة من أولاد الخلفاء على كنز الكعبة كلهم يريد الاستيلاء عليها ولا يكون لواحد منهم معاقبة من الله على نقيض قصدهم فيخرج على الناس فيبايع عند الكعبة. عن ثوبان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يقتتل عند كنزكم ثلاثة كلهم ابن خليفة، ثم لايصير إلى واحد منهم، ثم تطلع الرايات السود من قبل المشرق، فيقتلونكم قتلاً لم يُقتله قوم)) – قال ثوبان: ثم ذكر شيئاً لا أحفظه – فقال: ((فإذا رأيتموه فبايعوه ولو حبواً على الثلج)) رواه ابن ماجه. ولماذا الراية التي يحملها المهدي سوداء اللون؟ قال ابن كثير: ويؤيد بناس من أهل المشرق ينصرونه ويقيمون سلطانه ويشيدون أركانه وتكون راياتهم سود أيضاً، وهو زيّ عليه الوقار لأن راية رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت سوداء يقال لها العقاب. انتهى. روى الحاكم في مستدركه بسند صحيح عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((يخرج في آخر أمتي المهدي، يسقيه الله الغيث، وتُخرج الأرض نباتها، ويُعطي المال صحاحاً – أي تسوية بين الناس – وتكثر الماشية، وتعظم الأمة، يعيش سبعاً أو ثمانياً)). وفي رواية: ((ثم لا خير في الحياة بعده)). وهذا يدل على أن بعد موت المهدي يظهر الشر والفتن العظيمة مرة أخرى. وعن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لو لم يبق من الدهر إلا يوم لبعث الله رجلاً من أهل بيتي يملؤها عدلاً كما ملئت جوراً)) رواه الإمام أحمد بسند صحيح. قال الامام عبدالعزيز بن باز رحمه الله تعالى: أمر المهدي معلوم، والأحاديث فيه مستفيضة بل متواترة متعاضدة وقد حكى غير واحد من أهل العلم تواترها، وتواترها تواتر معنوي لكثرة طرقها واختلاف مخارجها وصحابتها ورواتها وألفاظها، فهي بحق تدل على أن هذا الشخص الموعود به أمره ثابت وخروجه حق، وهو محمد بن عبدالله العلوي الحسني من ذرية الحسن بن علي رضي الله عنهم، وهذا الإمام من رحمة الله عز وجل بالأمة في آخر الزمان يخرج فيقيم العدل والحق ويمنع الظلم والجور وينشر الله به لواء الخير على الأمة عدلاً وهدايةً وتوفيقاً وإرشاداً للناس. انتهى.
أيها الأحبة: والرافضة يزعمون أن لهم مهدياً ينتظرونه، وهو آخر أئمتهم وهو الامام الثاني عشر المدعو محمد بن الحسن العسكري، وهو عندهم من ولد الحسين بن علي لا من ولد الحسن، ويعتقدون أنه دخل سرداب سامراء منذ أكثر من ألف سنة ولما دخل كان عمره خمس سنوات وهو يعيش هناك ولم يمت وسوف يخرج في آخر الزمان، ويعتقدون أنه حاضر في الأمصار غائب عن الأبصار، وكلامهم هذا لم يقم عليه دليل ولا برهان ولا عقل ولا نظر، وهو مخالف لسنة الله في البشر، فأنبياء الله ورسله الذين هم أفضل الخلق عند الله توفاهم الله وهم أحوج ما تكون لهم البشرية، ومهدي الرافضة ما زال حياً منذ ألف سنة، ثم ما الداعي لغيبته واختفائه طوال هذه المدة وهو حي فلماذا لم يخرج ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر وواقع الأمة اليوم أحوج ما تكون له قال ابن كثير رحمه الله: ويكون ظهوره من بلاد المشرق – يعني مهدي أهل السنة -  لامن سرداب سامرا، كما يزعمه جهلة الرافضة من أنه موجود فيه الآن وهم ينتظرون خروجه في آخر الزمان فإن هذا نوع من الهذيان، وقسط كبير من الخذلان، شديد من الشيطان، إذ لا دليل على ذلك ولا برهان، لامن كتاب ولا سنة ولا معقول صحيح ولا استحسان.
أيها الأحبة: هناك رجال من الحكام ادعوا المهدية، لا أنه المهدي بل تفاؤلاً بأن يكون من الأئمة المهديين الذين يقولون بالحق وبه يعدلون، منهم المهدي أحد خلفاء دولة بني العباس. وهناك رجال زنادقة ادعوا المهدية على أنهم المهدي الذي بشر به النبي صلى الله عليه وسلم منهم الملحد عبيدالله بن ميمون القداح عاش في القرن الثالث الهجري، كان جده يهودياً، انتسب زوراً إلى بين النبوة وادعى أنه المهدي، وحكم وتغلّب واستفحل أمره واستولت ذريته على بلاد المغرب ومصر والحجاز والشام واشتدت غربة الاسلام، وكانوا يدعون الألوهية، وهم ملوك الرافضة القرامطة الباطنية أعداء الدين تستروا بالرفض والانتساب كذباً لأهل البيت ودانوا بدين الالحاد ولم يزل أمرهم ظاهراً إلى أن أنقذ الله الأمة منهم بصلاح الدين الأيوبي، فأبادهم وأراح الناس من شرهم.
أيها المسلمون: من علامات الساعة الكبرى الدجال وما أدراكم ما الدجال منبع الكفر والضلال وينبوع الفتن والأوجال، ما من نبي إلا وحذر أمته الدجال بالنعوت الظاهرة وبالأوصاف الباهرة، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أكثر تحذيراً لأمته منه فأوضح للناس صفاته وأعماله حتى لاتخفى على ذي بصر.
أيها الأحبة: ليس هناك فتنة ستمر على البشرية عبر تاريخها أعظم من فتنة الدجال، قال صلى الله عليه وسلم: ((ما بين خلق آدم إلى قيام الساعة خلق أكبر من الدجال))، وفي رواية: ((أمر أكبر من الدجال)) رواه مسلم.
فتسأل وتقول لماذا؟ الجواب: لأن الدجال رجل من بني آدم، واحد من بني البشر لكن الله جل وتعالى يعطيه بعض القدرات والتي لم يعطها لأحد من خلقه ولا أيضاً أحد رسله وأنبيائه، فلهذا يُفتن الناس به وتكون فتنته عظيمة من ذلك أنه يقتل ثم يحي من قتله، يأمر السماء أن تمطر فتمطر، ويأمر الأرض أن تنبت فتنبت، ويأتي للأرض القاحلة الجرداء ويأمرها أن تخرج كنوزها، فتخرج، وأموراً أخرى عجيبة يفعلها كاستجابة الجماد والحيوان لأمره فيسحر الناس ويتبعونه، ومن تبعه وفتن به فهو الخاسر الهالك والله والمستعان.
فربما تسأل ثانية وتقول ولماذا يعطي الله عز وجل هذا الرجل هذه القدرات وهذه الصفات؟ فالجواب: أن الله جل وتعالى لايُسأل عما يفعل هذا أولاً، ثم إن العلماء رحمهم الله تعالى ومنهم الخطابي ذكروا حِكماً في ذلك منها أنها اختبار وامتحان للناس، وأنها على سبيل الفتنة للعباد، فأسأل الله تعالى أن يعصمني وإياكم من كل فتنة.
أيها الأحبة: وقبل خروج الدجال يكون للمسلمين شأن كبير وقوة عظيمة ثم يحصل صلح بين المسلمون والروم، ويغزون جميعاً عدواً مشتركاً، فينتصرون عليه ثم تثور الحرب بين المسلمين والصليبيين وتحصل بينهم ملحمة عظيمة، وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم في غير ما حديث هول هذه المعركة وكيف يكون صبر المسلمين فيها، ثم يكون لهم النصر على أعدائهم، ويحصل فتح القسطنطينية، فتغنم غنائمها وبينما المسلمون يقتسمون الغنائم إذ جاءهم الصريخ بأن الدجال قد خرج. والذي يزيد من فتنة الدجال أن الله جل وعز يبتلي هذه الأمة قبيل خروجه بقحط وبلاء شديد، فعندما يظهر ويأتي بالخوارق ويدعي الألوهية يصدقه الناس ويفتنون به. عن أبي أمامة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((وَإِنَّ قَبْلَ خُرُوجِ الدَّجَّالِ ثَلَاثَ سَنَوَاتٍ شِدَادٍ يُصِيبُ النَّاسَ فِيهَا جُوعٌ شَدِيدٌ، يَأْمُرُ اللَّهُ السَّمَاءَ فِي السَّنَةِ الْأُولَى أَنْ تَحْبِسَ ثُلُثَ مَطَرِهَا وَيَأْمُرُ الْأَرْضَ فَتَحْبِسُ ثُلُثَ نَبَاتِهَا، ثُمَّ يَأْمُرُ السَّمَاءَ فِي الثَّانِيَةِ فَتَحْبِسُ ثُلُثَيْ مَطَرِهَا، وَيَأْمُرُ الْأَرْضَ فَتَحْبِسُ ثُلُثَيْ نَبَاتِهَا، ثُمَّ يَأْمُرُ اللَّهُ السَّمَاءَ فِي السَّنَةِ الثَّالِثَةِ فَتَحْبِسُ مَطَرَهَا كُلَّهُ فَلَا تُقْطِرُ قَطْرَةً، وَيَأْمُرُ الْأَرْضَ فَتَحْبِسُ نَبَاتَهَا كُلَّهُ فَلَا تُنْبِتُ خَضْرَاءَ، فَلَا تَبْقَى ذَاتُ ظِلْفٍ إِلَّا هَلَكَتْ إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ قِيلَ فَمَا يُعِيشُ النَّاسُ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ قَالَ: التَّهْلِيلُ وَالتَّكْبِيرُ وَالتَّسْبِيحُ وَالتَّحْمِيدُ، وَيُجْرَى ذَلِكَ عَلَيْهِمْ مُجْرَى الطَّعَامِ)) رواه ابن ماجة وابن خزيمة والحاكم بسند صحيح.
أيها المسلمون: لقد وصف لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الدجال بصفات دقيقة محددة فقال عنه أنه رجل جسيم، أحمر، جعد الرأس، قصير القامة، أقرب الناس به شبهاً عبدالعزى بن قطن من خزاعة، عقيم لا يولد له، أعور العين، ولقد ركز المصطفى صلى الله عليه وسلم على وصف عيني الدجال، وركز على عوره في غير ما حديث، لأن الدجال مهما تخلص من شئ من صفاته فإنه لايستطيع أن يتخلص من عينيه، فالعينان ظاهرتان بارزتان لكل أحد. قال ابن حجر: "لكون العور أثر محسوس يدركه العالم والعامي ومن لا يهتدي إلى الأدلة العقلية"[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط] عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ما بعث نبي إلا أنذر أمته الأعور الكذاب، ألا إنه أعور، وإن ربكم ليس بأعور، وأن بين عينيه مكتوب كافر)) رواه البخاري. وهذه صفة أخرى للدجال وهو أن الله تعالى مع ما أعطاه من قدرات إلا أنه فضحه بهذه الكتابة التي بين عينيه والتي لا يملك إزالتها، وسيقرأها كل مسلم أراد الله عصمته من الدجال وإن كان أمياً لايقرأ ولا يكتب. قال النووي رحمه الله: "إن هذه الكتابة على ظاهرها وأنها كتابة حقيقية جعلها الله آية وعلامة من جملة العلامات القاطعة بكفره وكذبه وإبطاله، ويظهرها الله تعالى لكل مسلم كاتب وغير كاتب، ويخفيها عمن أراد شقاوته وفتنته ولا امتناع في ذلك"[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط].
أيها المسلمون: إن مما يذهل عقول الناس فتنةً بهذا الرجل ما يعطيه الله من أمور منها: أنه يجول أقطار الأرض ويعطى سرعة فائقة في التنقل والتحرك فلا يترك بلداً إلا دخله إلا مكة والمدينة يقف على أنقابهما الملائكة يمنعانه من الدخول، وقد حمى الله تعالى مكة والمدينة من الدجال والطاعون ووكل حفظهما إلى ملائكته، فبعدما يمنع من الدخول كما قال صلى الله عليه وسلم: ((ينزل بالسبخة، فترجف المدينة بأهلها ثلاث رجفات، يخرج إليه منها كل كافر ومنافق)). وهذا يدل على وجود الكفار في المدينة في ذلك الوقت. قيل يا رسول الله: ((فأين العرب يومئذٍ؟ قال: هم يومئذٍ قليل)).
وعندما سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن سرعة تنقل الدجال قال: ((كالغيث استدبرته الريح)) رواه مسلم.
وأيضاً مما يفتن به الدجال الخلق أن معه ما يشبه الجنة والنار، وواقع الأمر ليس كما يبدو للناس فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الذي يرونه ناراً إنما هو ماء بارد، وأن الذي يرونه ماءً بارداً إنما هو نار. وهذا يدل على أن الناس لايدركون ما مع الدجال حقيقة من شدة الفتنة وأن ما يرونه لايمثل الحقيقة بل يخالفها.
أيها الأحبة: إن الشيطان قد وجد مبتغاه في الدجال، ولذا فهو يعينه ويتعاون معه لكن على الشر، لإضلال الناس زيادةً، ومن المعلوم أن الشياطين لاتخدم إلا من كان في غاية الإفك والضلال. روى ابن ماجة بسند صحيح عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((وإن من فتنته أن يقول للأعرابي: أرأيت إن بعثت لك أباك وأمك، أتشهد أني ربك؟ فيقول: نعم، فيتمثل له الشيطان في صورة أبيه وأمه، فيقولان: يا بني اتبعه، فإنه ربك)).
أسأل الله تعالى أن يعصمني وإياكم من الفتن ما ظهر منها وما بطن.
أقول قولي هذا. . .
 

 

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]  فتح الباري 13/96
[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]  شرح النووي على مسلم 18/60
 
الخطبة الثانية
 
 
أما بعد:
وأما عن مكان خروج الدجال، فإنه أول ما يخرج كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم من المشرق من أرض خراسان من بلد أصبهان ومن حارةٍ يقال لها - اليهودية -، لكن ظهور أمره للمسلمين يكون عندما يصل إلى مكان بين العراق والشام، وعندما يظهر أمره فسيكون اليهود هم أول الناس فرحاً به، رغبة منهم في السيطرة على العالم عن طريقه. روى مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((يتبع الدجال من يهود أصبهان سبعون ألفاً عليهم الطيالسة)). والطيلسان ثوب يلبس على الكتف يحيط بالبدن خال من التفصيل والخياطة. وأيضاً يتبعه كثير من الأعراب لأن الجهل هو الغالب عليهم، وكذلك النساء فحالهنّ أشد من حال الأعراب، وذلك لسرعة تأثرهنّ وقلة عقلهنّ. ففي الحديث عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنها قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((يَنْزِلُ الدَّجَّالُ فِي هَذِهِ السَّبَخَةِ بِمَرِّقَنَاةَ فَيَكُونُ أَكْثَرَ مَنْ يَخْرُجُ إِلَيْهِ النِّسَاءُ، حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ لَيَرْجِعُ إِلَى حَمِيمِهِ وَإِلَى أُمِّهِ وَابْنَتِهِ وَأُخْتِهِ وَعَمَّتِهِ فَيُوثِقُهَا رِبَاطًا مَخَافَةَ أَنْ تَخْرُجَ إِلَيْه)). رواه الإمام أحمد بسند صحيح.
سأل الصحابة رضي الله عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المدة التي يمكثها الدجال في الأرض إذا خرج فقالوا: وَمَا لَبْثُهُ فِي الْأَرْضِ قَالَ: ((أَرْبَعُونَ يَوْمًا يَوْمٌ كَسَنَةٍ، وَيَوْمٌ كَشَهْرٍ، وَيَوْمٌ كَجُمُعَةٍ، وَسَائِرُ أَيَّامِهِ كَأَيَّامِكُمْ قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَسَنَةٍ أَتَكْفِينَا فِيهِ صَلَاةُ يَوْمٍ قَالَ: لا. اقْدُرُوا لَهُ قَدْرَهُ)) رواه مسلم. وهذا يدل على أن اليوم يطول حقيقة حتى يصبح اليوم الأول كسنة حقيقةً، واليوم الثاني كشهر، واليوم الثالث كأسبوع، وبقية الأربعين كأيامنا العادية وأولَ ما فكر فيه الصحابة في خضم هذه الفتنة الصلاة، يوم مفزع ومخيف وطويل ينسى فيه المرء أهله وأولاده بل حتى نفسه والصحابة أولَ ما يهمهم أمر الصلاة. ((يَا رَسُولَ اللَّهِ فَذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَسَنَةٍ أَتَكْفِينَا فِيهِ صَلَاةُ يَوْمٍ قَالَ لَا اقْدُرُوا لَهُ قَدْرَهُ)).
أيها المسلمون: وقد قدّر الله لهذه الفتنة مدة ثم تنتهي بقتل الدجال ويكون هلاكه على يد عيسى بن مريم عليه السلام عندما ينزل في آخر الزمان إلى الأرض، وقد عمّت الفتنة فيُنزل الله عيسى عليه السلام كما أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم في الخبر الصحيح عنه أنه ينزل على المنارة الشرقية بدمشق[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]، فيلتف حوله المؤمنون فيسير بهم قاصداً الدجال، ويكون الدجال وقت نزول عيسى عليه السلام متوجهاً نحو بيت المقدس معه جيوش اليهود فيلتقيان هناك، فإذا رآه عدو الله ذاب كما يذوب الملح في الماء، فيقتله عيسى عليه السلام بحربة في يده ويريق دمه، فينهزم أتباعه، فيتبعهم المؤمنون، فيقتلونهم حتى يقول الشجر والحجر يا مسلم يا عبدالله هذا يهودي خلفي تعال فاقتله إلا الغرقد، فإنه من شجر اليهود.
وبقتله لعنه الله تنتهي هذه الفتنة العظيمة والتي يهلك ويسقط فيها كثير من هذه الأمة.
أيها المسلمون: وقد أرشد النبي صلى الله عليه وسلم أمته إلى ما يعصمها من فتنة الدجال، أولها الفرار منه وعدم إتيانه، ولو كان المرء واثقاً من نفسه فإنه لا يدري. عن عمران بن حصين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((من سمع بالدجال فلينأ عنه، فوالله إن الرجل ليأتيه وهو يحسب أنه مؤمن، فيتبعه مما يبعث به من الشبهات)) رواه مسلم. وسيعصم الله أقواماً بفرارهم إلى الجبال، ففي صحيح مسلم عن أم شريك قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((ليفرنّ الناس من الدجال في الجبال)).
ومما يعصم المسلم من الدجال أن يلجأ إلى أحد الحرمين مكة أو المدينة، فإن الدجال محرم عليه دخولهما.
ومما يعصم من الدجال ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم من قراءة فواتح سورة الكهف وفي بعض الروايات خواتيمها، فعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((مَنْ حَفِظَ عَشْرَ آيَاتٍ مِنْ أَوَّلِ سُورَةِ الْكَهْف عُصِمَ مِنْ الدَّجَّالِ)) رواه مسلم. قال بعض أهل العلم والحكمة في ذلك والله أعلم هو أن الله أخبر في طليعة هذه السورة أن الله أمّن أولئك الفتية من الجبار الطاغية الذي كان يريد اهلاكهم، فناسب أن من قرأ هذه الآيات وحاله كحالهم أن ينجيه الله كما أنجاهم، وما ذلك على الله بعزيز.
ومما يعصم من الدجال التعوذ من فتنة الدجال وخاصة في الصلاة كما ورد بذلك الحديث الذي رواه الامام مسلم في صحيحه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إِذَا تَشَهَّدَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنْ أَرْبَعٍ يَقُولُ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ)).
أيها الأحبة: إذا خرج الدجال فإن الناس سيفتنون به مع ما ورد من تحذيرات وتنبيهات من النبي صلى الله عليه وسلم ومع ما سمعوا عنه، والسبب هو قلة ورقة الدين والايمان في قلوبهم، إن واقع الناس التي نشاهدها اليوم، والله إنه لايبشر بخير، ولو أتاهم ما هو أقل من الدجال بكثير لفتنهم وأفسد عليهم دينهم وأخلاقهم، يا أخي أنظر في حال الناس اليوم وما يهويهم وما يفتنهم. لو فتح محل جديد في البلد لبيع أي شئ وليكن تمراً فما أن يتسامع الناس به إلا رأيت من له حاجة ومن لا حاجة له طوابير على هذا المحل، الناس اليوم فتنهم الإعلام، وفتنهم المناظر، وفتنهم المجمعات التجارية، وفتنهم السياحة والسفر، وفتنهم أمور تافهة، تتعجب من بعض أصحاب العقول والمكانة أن ينساق وراءها فما بالكم بالدجال، الذي لم تمر ولن تمر على البشرية أعظم من فتنته، إذا كان دين الناس اليوم، ومقدار الايمان في قلوب الناس اليوم وما يعرفون من أحكام الشرع لم يعصمهم من هذه الفتن البسيطة في هذه الفترة، فكيف بذلك الوقت الذي تكون فيه الفتنة أعظم والدين والايمان أقل.
نسأل الله تعالى السلامة والعافية.
 

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط] قال المنبر: الصواب أن تقول على المنارة البيضاء شرقي دمشق كما في الحديث في مسلم (( إذ بعث الله المسيح ابن مريم عليه السلام فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق)).




بسم الله الرحمن الرحيم(رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) [البقرة/286]


Sahar
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sadakasoft.ahlamountada.net
زكرياء
مدير الموقع
مدير الموقع


البلد: غير معروف
الهواية :
عدد المساهمات عدد المساهمات: 6490
الجنس: ذكر
نقاط: 171369
السمعة السمعة: 99

مُساهمةموضوع: رد: موسوعة الخطب المكتوبة و الدروس    الإثنين سبتمبر 30, 2013 11:09 pm

 نهاية العالم متى؟ وكيف؟
 للشيخ محمد حسان

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن سيدنا محمد عبده ورسوله
(يا أيها الذين ءامنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون) (يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجال كثير ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا) ( يا أيها الذين ءامنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً)

أما بعد فإن أصدق الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار

ثم أما بعدفحياكم الله جميعا أيها الاخوة الأخيار وأيتها الأخوات الفاضلات وطبتم وطاب ممشاكم وتبوءتم جميعا من الجنة منزلاً وأسأل الله جل وعلا الذي جمعني مع حضراتكم في هذا البيت المبارك على طاعته أن يجمعني مع سيد الدعاة في جنته ودار مقامته إنه ولي ذلك والقادر عليه

نهاية العالم . متى ؟ وكيف ؟ هذا هو عنوان لقاءنها مع حضراتكم في هذا اليوم المبارك وكعادتي حتى لا ينسحب بساط الوقت سريعاً من تحت أقدامنا فسوف ينتظم حديثي مع حضراتكم في هذا الموضوع الكبير الجليل في العناصر التالية:

أولاً:- الأخبار النبوية الفاصلة في الأحداث العالمية المقبلة.

ثانيا:- الملاحم الكبرى.

ثالثا:- وصدق الله ورسوله.

وأخيرا:- ورقة عمل.

فأعيروني القلوب والأسماع جيداً .. والله أسأل أن يقر أعيننا بنصرة الإسلام وعز الموحدين إنه ولي ذلك والقادر عليه

أولا:- الأخبار النبوية الفاصلة في الأحداث العالمية المقبلة:

أحبتي في الله لا يستطيع عاقل على وجه الأرض فضلاً عن عالم أن يجزم بشكل قاطع وفي وقت محدد بنهاية العالم بقيام الساعة. لا يعلم وقت قيام الساعة ملك مقرب ولا نبي مرسل فهذا من العلم والغيب الذي استأثر به الله جل وعلا وحده قال تعالى: ( يسألك الناس عن الساعة قل إنما علمها عند الله)
وفي صحيح مسلم من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن أمين وحي السماء جبريل عليه السلام سأل أمين أهل الأرض محمد صلى الله عليه وسلم : متى الساعة ؟ فقال المصطفى: "ما المسؤول عنها بأعلم من السائل." ومع ذلك فإن الله جل وعلا قد أطلع نبينا صلى الله عليه وسلم على كل أمارات وعلامات الساعة بل وعلى كل الأحداث التي ستقع في الكون بين يدي الساعة

تدبر معي قال الله تعالى: (عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً إلا من ارتضى من رسول..) وقال تعالى: (ولايحيطون بشيئ من علمه إلا بما شاء)
وفي الحديث الصحيح الذي رواه أحمد وغيره من حديث عبد الله بن عمرو أنه قال : كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله أريد حفظه فنهتني قريش عن ذلك وقالوا: إن رسول الله بشر يتكلم في الغضب والرضا قال: فأمسكت عن الكتابة ثم ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال النبي: " اكتب فوالذي نفس بيده ما خرج مني إلا الحق"

قال تعالى: (والنجم إذا هوى (*) ما ضل صاحبكم وما غوى (*) وما ينطق عن الهوى (*) إن هو إلا وحي يوحى (*) علمه شديد القوى (*) ذو مرة فاستوى )
ومن ثم قال الله تعالى: ( وما ءاتكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب )

ما من شيء إلا وأخبر به الصادق صلى الله عليه وسلم تدبروا معي ما رواه البخاري ومسلم من حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: لقد خطبنا النبي صلى الله عليه وسلم خطبة، فما ترك فيها شيئاً إلى قيام الساعة إلا ذكره علمه من علمه وجهله من جهله
وفي صحيح مسلم من حديث أبي زيد عمرو بن أخطب رضي الله عنه قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الفجر ثم صعد المنبر فخطبنا حتى الظهر - ظل النبي واقفا على المنبر يخطب في الصحابة من الفجر إلى الظهر - قال: فنزل فصلى الظهر ثم صعد المنبر فخطب حتى حضرت العصر قال: فنزل فصلى - أي العصر - ثم صعد المنبر فخطب حتى غربت الشمس قال: فأخبرنا بما كان وبما هو كائن فأعلمنا أحفظنا أي من كلام النبي صلى الله عليه وسلم

فما من شيء وقع وما من شيء قائم بيننا الآن وما من حدث سيقع في السنوات المقبلة بين يدي الساعة إلا وقد أخبر به الصادق الذي لا ينطق عن الهوى فما تحياه الأمة الآن من واقع معاصر وما سيشهده العالم من أحداث دامية مؤلمة في السنوات المقبلة إلا وقد أخبر به الصادق الذي لا ينطق عن الهوى .

نعم لقد جسّـد النبي الواقع المعاصر تجسيداً دقيقاً. ففي الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال: " لتتبعن سنن من كان قبلكم شبر بشبر وذراع بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب لتبعتموهم " قالوا: يا رسول الله اليهود والنصارى. قال: " فمن؟‍! ".

وفي الحديث الصحيح الذي رواه أحمد وأبوداود من حديث ثوبان أنه صلى الله عليه وسلم قال: "يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها " قالوا: أومن قلة نحن يومئذٍ يا رسول الله؟ قال: " كلى، ولكنكم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل وليوشكن الله أن ينزع المهابة من قلوب عدوكم وليقذفن في قلوبكم الوهن" قيل: وما الوهن يا رسول الله؟قال: "حب الدنيا وكراهية الموت"

ومع ذلك فقد أخبر الصادق الذي لا ينطق عن الهوى عن زوال هذه المحنة وكشف هذه الغمة وأخبرنا عن نصرة الله الإسلام والمسلمين وعن إذلال الله للشرك والمشركين ووالله ثم والله إننا الآن على مقربة شديدة بوقوع البشريات المحمديات الصادقة مع ما نراه من واقع مر أليم .. لماذا ؟

لأن الذي سيهييء الكون كله في الأيام والسنوات المقبلة ليحدث في الأرض ما أخبر به الصادق الذي سيغيّر الكون كله هو ملك الملوك جل جلاله ومدبر الكون ومسيّر الأمر الذي يقول للشيء: كن فيكون وهذا هو عنصرنا الثاني والمهم.

الملحمـــــــمة الكــــــبــرى.

أيها الإخوة الكرام..
لقد أخبرنا الصادق الذي لا ينطق عن الهوى أن مرحلة بعد هذا الواقع الأليم المر الذي تحياه الأمة سيتقع حتماً إنها سنّة ربّانية من سنن الله في الكون تلك السنن التي لا تتبدل ولا تتغير قال سبحانه: (ولن تجد لسنّة الله تبديلاً)
أخبرنا الصادق أنه بين يدي الملاحم الكبرى في السنوات القليلة القادمة ستكون هــدنــة سيكون هنالك صلح آمن بين الروم والمسلمين من الروم؟
الروم أو بني الأصفر: هم (الأمريكيون و الأوربيون) .. ستبدأ الملاحم القادمة بهدنة أو بصلح آمن بين الأمريكين والأوربين وبين المسلمين
وأنا أسأل الآن أولم تقع الهدنة والصلح الآن بمثل ما أخبر الصادق الذي لا ينطق عن الهوى.؟؟

روى البخاري وغيره من حديث عوف بن مالك رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " اعدد ستاً بين يدي الساعة: موتي، -موت الحبيب صلى الله عليه وسلم- ثم فتح بيت المقدس -فُتِحَ بيت المقدس بعد قول النبي صلى الله عليه وسلم في عهد عمر بن الخطاب بقيادة أبي عبيدة -ثم موتان يأخذ فيكم كقعاص الغنم -طاعون ينتشر فيكم كانتشار هذا الطاعون أو الداء في الأغنام وقد وقع الطاعون في عمواس في بلاد الشام وفيه قتل أبو عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل وكثير من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم-ثم استطاطة المال حتى يعطى الرجل مئة دينار فيظل ساخطاً - وقد وقع ذلك فقد تعطي الرجل الآن مئة جنيه أو مئتين فيظل ساخطاً إما لعدم القناعة والرضا وإما لارتفاع الأسعار وغلاء المعيشة بحيث لا يكفيه هذا المال لحوائجه وضرورياته ، أما العلامة الخامسة - قال: ثم فتنة لا تترك بيتاً في العرب إلا دخلته - يراها كثير من أهل العلم متمثلة في وسائل الإعلام بكل صورها وأشكالها فلم تدع هذه الوسائل الآن بيتاً من بيوت العرب إلا ودخلته ثم تدبر العلامة السادسة - قال: ثم تكون هدنة بينكم وبين الروم فيغدرون - والغدر شيمة للروم -فيجمعون لكم تحت ثمانين غاية تحت كل غاية اثنا عشر ألفاً "
والغاية هي: الراية ، وسميت الراية بالغاية لأنها غاية الجيش فإذا سقطت الجيش ضاعت الغاية وهزم الجيش فسميت الراية لذلك بالغاية

وفي لفظ رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة بسند صحيح قال الصادق صلى الله عليه وسلم: " ستصالحون الروم صلحاً آمناً فتغزون أنتم وهم - أنتم أي أيها المسلمون والروم .. والروم كما اتفقنا هم الأمريكين والأوروبين -عدواً من ورائهم- وتدبر كل كلمات الصادق .. ولم يقل من ورائكم- فتسلمون وتغنمون ثم تنزلون بمرجٍ ذي تلول - مكان أخضر يتسم بالخضرة والمياة- فيقوم رجل من الروم فيرفع الصليب ويقول: غَلَبَ الصليب فيقوم إليه رجل من المسلمين فيقتله فعندئذ يغدر الروم وتكون الملاحم فيجتمعون لكم في ثمانين غاية تحت كل غاية اثنا عشر ألفاً "

تدبر معي إلى هذا الكلام النبوي وقعت الهدنة الآن وها نحن نشهد الآن مرحلة الهدنة والصلح الآمن معاهدات بين الأمريكين والأوربيون وكل الأمة بلى استثناء معاهدات وصلح آمن، لكن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن المسلمين سيشاركون أمريكا و أوروبا في قتال عدو مشترك يا ترى من هذا العدو المشترك؟! هل هو الإرهاب على حد تعبير الأمريكين والأوربيين و جميع وسائل الإعلام العربية بلا استثناء ؟ هل هو المعسكر الشرقي روسيا والصين واليابان؟ هل هم الشيعة؟

الجواب: الله أعلم بمراد رسوله إلا أن أهل الكتاب يؤمون إيماناً جازماً بهذه المعركة المشتركة ويسمونها في كتبهم وعقائدهم بـ معركة (هرمجـدون) أو (هرمجــيدو) ، وهرمجدون كلمة عبريّة تتكون من مقطعين المقطع الأول: (هر) بمعنى جبل و(مجدون) أو (مجيدو) هو وادٍ أين هو في فلسطين ..
في سِفْرٍ من أسفار أهل الكتاب يسمى بـ سِفْرِ الرؤيا في الإصحاح السادس عشر، يقول: اجتمعت جيوش العالم كلها في أرض تسمى هرمجدون يقول: الرئيس الأمريكي الأسبق (رونل دريجن): إن هذا الجيل بالتحديد هو الجيل الذي سيرى هرمجدون، يقول (أورل روبيتسون) صاحب كتاب دراما نهاية الزمن يقول: كل شيئ سيمضي في بضع سنوات فستقع المعركة العالمية الكبرى معركة هرمجدون أو معركة سهل مجيدو.
تقول الكاتبة الأمريكية الشهيرة (جينس هانسل): إننا نؤمن كمسيحين - هذا على حد تعبيرها - بأن تاريخ الإنسانية سينتهي بمعركة تدعى معركة هرمجدون وسيخاض غمارها في سهل مجيدو، قالت: وستتوج هذه المعركة بعودة المسيح إلى الأرض.

يقول القس الأمريكي الشهير (جينيس وجرت) : كنت أود أن أستطيع القول بأننا ننتظر السلام أو سنحقق السلام، ولكنني أؤمن بأن معركة هرمجدون قادمه وسيخاض غمارها في وادي مجيدو في فلسطين
نعم إنها قادمة فليعقدوا ما شاؤوا من اتفاقيات السلام إنهم لن يحققوا شيئاً فهناك أيام سوداء مقبلة، هذه عقيدة القوم في هذه المعركة التي أخبر عنها الصادق الذي لا ينطق عن الهوى بأنها ستكون معركة مشتركة بين الروم - أي الأوروبيون والأمريكين - والمسلمين من جانب وبين عدو آخر من جانب آخر فيغنم المسلمون بعد سلامتهم في هذه المعركة فماذا بعد هرمجدون ؟


وتدبّر جيداً واحفظ هذا الجواب وعلمه امرأتك وعلمه بناتك وعلمه أولادك فهو كلام الصادق الذي لا ينطق الهوى وهو علم الوقت أو فقه المرحلة القادمة ماذا بعد هرمجدون؟ أو إن شئت ماذا بعد المعركة المشتركة بين الروم و المسلمين من ناحية وبين هذا العدو الذي أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم من ناحية أخرى .. ماذا بعد هرمجدون.. انتبه معي..

فلقد أخبر النبي أن الروم سيغدرون بنا وفي فترة يجمعون الجيوش ويعدون العدة لاستئصال شأفة المسلمين من على الأرض حينما يرفع الصليبي الصليب ويقول: غلب الصليب ويقوم إليه رجل من المسلمين فيقتله في هذه الفترة الزمنية ..

ورد في حديث في مسند أحمد بسند ضعيف أن هذه المدة سيجمع الروم فيها للمسلمين مدة حمل المرأة أي في تسعة أشهر يجمعون الجيوش و يجّيشون الجيوش لاستئصال شأفة المسلمين من على الأرض في هذه المنطقة في منطقة فلسطين وسوريا كما سأبين الآن بكلام الذي لا ينطق عن الهوى

في هذه المرحلة الزمنية الخطيرة يحدث في الكون أمر قدري كونيّ لا دخل فيه للبشر على وجه الأرض إنه أمر قدره الله وقضاه في أمّ الكتاب قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة ، أمر ليس بكسب مادي ولا بطلب بشري إنما هو أمر قدّره الرب العلي يقع في الكون كنزول عيسى بن مريم كخروج يأجوج و مأجوج كخروج المسيح الدجال .. ما هو هذا الحدث الكوني الخطير إنه ظهور محمد بن عبد الله المهدي.

اللهم عجّل به يا كريم يا عليم .. إنه ظهور محمد بن عبد الله المهدي .. من المهدي هذا؟
رجل من نسل المصطفى من نسل المصطفى من أولاد السيدة فاطمة بنت الرسول محمد صلى الله عليه وسلم يخرج المهدي بدون كسب منه وبدون طلب منه وبدون رغبة أو طلب من المسلمين أو عمل معين وإنما هو أمر قدريّ كونيّ يقع في الكون كنزول عيسى و خروج الدجال وخروج يأجوج ومأجوج يظهر المهدي عليه السلام

قال الصادق الذي لا ينطق عن الهوى كما في الحديث الصحيح الذي رواه أحمد وصححه العلامة أحمد شاكر والعلامة الألباني من حديث علي أن الحبيب النبي صلى الله عليه وسلم قال: "المهديّ منّا أهل البيت يصلحه الله في ليلة" أي يهيئة الله للخلافة رغم أنف العلمانيين والمنافقين يصلحه الله في ليلة .. هل تدري معنى ذلك؟

معنى ذلك أننا سنبيت ليلة عادية من الليالي ونستيقظ في الصباح فنسمع نشرات الأخبار ونسمع في كل وكالات الأنباء وفي جميع وسائل الإعلام أن المهديّ عليه السلام قد ظهر في بيت الله الحرام. يصلحه الله في ليلة : أي يهيئه الله للخلافة الراشدة ليقود الأمة في هذه المرحلة القادمة .. مرحلة الفتن والملاحم بين يدي الساعة.

روى الإمام أحمد في مسنده بسند صحيح من حديث حذيفة بن اليمان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "تكون النبوّة فيكم ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها ثم تكون خلافة على منهاج النبوّة، فتكون فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكاً عاضّـاً، فتكون فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكاً جبرياً - وهو ما تحياه الأمة الآن - فتكون فيكم ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة"

وفي الحديث الذي رواه الطبراني والبزار والترمذي وابن حبّان وابن ماجة والحاكم بسند صحيح صححه الألباني في السلسلة وغيره من حديث أبي سعيد الخدريّ رضي الله عنه أنّ الحبيب النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لتملؤن الأرض جوراً وظلماً فإذا ملأت الأرض جوراً وظلماً يبعث الله رجل مني إسمه إسمي واسم أبيه إسم أبي ، فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلِأت الأرض ظلما ًو جوراً فلا تمسك السماء شيءٌ من قطرها ولا تمسك الأرض شيئاً من نباتها فيمكث فيكم سبعاً أو ثمانية فإن أكثر فتسعاً"

أيها المسلمون..
لقد بلغ أحاديث المهديّ مبلغ التواتر والحديث المتواتر عند جماهير علماء الأمة يفيد العلم القطعيّ معنى ذلك أن العلم به واجب وأن العمل به فرض لازم، تدبروا معي كلام الصادق الذي لا ينطق عن الهوى..

فقد يسأل سائل وكيف نعرف أن الذي خرج في مكة هو المهدي الحقيقيّ ، فقد خرج كثير من الكذابين و الدجاجلة وادعى كل واحد منهم أنه المهديّ فكيف نعرف أن الذي خرج هو المهديّ الحقيقي لقد أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم بعلامة نبوية محمدية صادقة إن وقعت تلك العلامة فلتعلم الأمة كلها أن الذي ظهر ببيت الله الحرام هو محمد بن عبد الله المهديّ -عليه السلام- ما هي هذه العلامة.؟

اسمع كلام الصادق الذي لا ينطق عن الهوى روى البخاري ومسلم من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: عبث رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً في منامه - يعني تحرك النبي على غير عادته في النوم- فقالت عائشة: يا رسول الله رأيتك قد فعلت شيئاً لم تكن تفعله ، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: "العجب أن ناساً من أمتي يؤمّون البيت الحرام - أي يقصدون البيت الحرام- لرجلٍ من قريش لجأ بالبيت الحرام فإذا كانوا ببيداء من الأرض خُسِفَ بهم - أي إذا خرج هؤلاء القوم لهذا الرجل الذي اعتصم ببيت الله الحرام يخسف الله الأرض بهذا الجيش وهذا أمر كونيّ قدريّ آخر لا دخل للبشر فيه - قالت عائشة: قلت يا رسول الله فإن الطريق يجمع الناس - يعني ما ذنب كثيرٍ من الناس ممن يمشون في الطريق ممن لم يخرجوا لقتال المهدي في هذا الجيش ؟ - فقال النبي: نعم فيهم المستبصر والمجبور وابن السبيل يهلكون جميعاً مهلكاً واحداً ويصدرون مصادر شتى يبعثهم الله على نياتهم" يبعث الله كل واحد منهم على نيته التي خرج بها ومات عليها

وفي صحيح مسلم من حديث حفصة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يعوذ بالبيت -أي يعتصم ويحتمي ببيت الله الحرام مع المهدي - قومٌ ليست لهم منعة ولا عدد ولا عدة - فقراء ضعفاء - فيخرج إليهم جيش -أي لقتالهم والقضاء عليهم- فإذا كانوا ببيداء من الأرض -أي بصحراء من الأرض - خسف بهم "
وفي لفظ في مسلم: " فلا يبقى إلا الشريد أي الذي ينجو من الجيش رجل أو رجلان ليخبر عما أوقعه الله تبارك وتعالى بهذا الجيش الذي خرج للقضاء على المهديّ عليه السلام، إن خسف الله بهذا الجيش علم المسلمون في الأرض أن الذي ظهر ببيت الله الحرام هو المهديّ عليه السلام فتقبل إليه الوفود المسلمة من أنحاء الأرض يقبل إليه المسلمون من كل أرجائها ليشدوا على يديه وليعلنوا له البيعة وليعاهدوا الله معه على الجهاد في سبيل الله وعلى إعلاء كلمة الله للبلوغ إلى إحدى الحسنيـين إما النصر وإما الشهادة نسأل الله أن لا يحرمنا من هذا الشرف إنه ولي ذلك والقادر عليه.

فماذا بعد البيعة ؟ يعلن العالم كله الحرب على المهدي وكتائب التوحيد معاً فلا يعرف الموحدون مع المهديّ طعماً للراحة ولا وقتاً للرخاء بل يخوضون معارك وملاحم خطيرة في فترة لا تساوي في حساب الزمن شيئاً لا يهزم المهديّ في معركة واحدة بإذن الله ما هي هذه الملاحم ؟ ما هي هذه المعارك ؟

قال الصادق كما في صحيح مسلم من حديث نافع بن عتبة : "تغزون جزيرة العرب فيفتحها الله، ثم تغزون فارس -إيران- فيفتحها الله، ثم تغزون الروم -الأمريكين والأوربيين- فيفتحها الله، ثم تغزون الدجال، فيفتحه الله ".

المعركة الأولى التي يخوضها المهديّ بكتائب التوحيد معاً معركة في قلب الجزيرة العربية خرج الجيش الأول للقضاء عليه من المسليمن فخسف الله به الأرض ، الجيش الثاني الذي يخرج لقتال المهديّ مع علمه بأن الرب العليّ قد خسف بالجيش الأول جيشٌ مسلمٌ كذلك من جزيرة العرب

قال النبي صلى الله عليه وسلم: "فيفتحها الله" أي يهزم المهدي وكتائب التوحيد معه هذا الجيش وتفتح الجزيرة العربية للمهدي والموحدين له بإذن الله تبارك وتعالى فيخرج إلى المهديّ جيش آخر من إيران من فارس حينما يعلم الإيرانيون أن الذي خرج ليس المهديّ الذي ينتظرونه في سرداب سامراء فيخرجون إليه جيشاً جرارً فيهزم المهديّ هذا الجيش بإذن من العليّ جل وعلا
"ثم تغزون فارس فيفتحها الله" ، " ثم تغزون الروم" وقفوا معي وتدبروا هذه المعركة الفاصلة الحاسمة فهي أخطر المعارك على وجه الأرض !

الصادق بيّن أرض المعركة وذكر تفاصيل المعركة بل وحدد نتيجة المعركة ماذا قال الصادق الذي لا ينطق عن الهوى قال: "ثم تغزون الروم فيفتحها الله" وخذ التفاصيل.

روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تقوم الساعة حتى ينزل الروم بالأعماق أو بدابق" أين الأعماق وأين دابق؟
موضعان بالقرب من حلب في دولة سوريا ، سينزل الأمريكيون و الأوربيون وفي السنوات القليلة المقبلة هذه الأرض وهذه المنطقة كما أخبر الصادق الذي لا ينطق عن الهوى .
عُدْتُ إلى بعض المعاجم القديمة لأقف على تأويل أهل المعاجم القديمة للأعماق ودابق فوجدت أنهم يقولون: الأعماق ودابق: موطن بين حلب في سوريا وأنطاكيه في تركيا ، قلت سبحان الله العظيم انظروا إلى القواعد العكسرية الأمريكية الآن في تركيا وفي جل أنحاء العالم الإسلامي بل والعالم الأوروبي لا سيما بعد أحداث أفغانستان فقد وضعت أمريكا قواعدها العسكرية الآن في قلب أوروبا قال: "لاتقوم الساعة حتى ينزل الروم بالأعماق و دابق" أي في حلب في منطقة سوريا ولعلكم تعلمون يقيناً أن أمريكا قد وضعت سوريا في قائمة الدول الراعية للإرهاب بل وكان وزير الخارجية الوحيد في اجتماع وزراء الخارجية أمس هو الوزير الوحيد الذي صرّح بمقاطعة كاملة مع الكيان الصهيوني لكنهم رفضوا فسوريا الآن موضوعة على قائمة الإرهاب الأمريكية ، "لاتقوم الساعة حتى ينزل الروم بالأعماق ودابق"

قال صلى الله عليه وسلم : " فيخرج إليهم جيش من المدينة هم من خيار أهل الأرض يومئذ فإذا تصافوا قالت الروم للمسلمين: خلوا بيننا وبين الذين سُبُوا منّا نقاتلهم " سُبُوا منّا نقاتلهم: هؤلاء من الروم أصلاً يوحدون الله جل وعلا ويشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فيسلمون ويتركون جيش الروم من الأمريكين والأوروبيين ويقاتلونهم مع المسلمين

قال: يقول المسلمون: "لا والله لا نخلي بينكم وبين إخواننا قال النبي: " فيتقاتلون فيُقْتَلُ ثُلُثُ الجيش لا يتوب الله عليهم أبداً -أي يقتل ثلث الجيش المسلم لا يتوب الله عليهم أبداً .. لماذا ؟ لأنهم خونه فروا من أرض المعركة وخانوا الله ورسوله والمؤمنين فيُهْزَمون فيفرون - ويقتل ثلث هم أفضل الشهداء عند الله ، ويبقى ثلث فيفتح الله له - أي فينصر الله هذا الثلث على الروم -لا يفتنون أبداً ".

بل في رواية مسلم من حديث عبد الله بن مسعود في غير رواية أبي هريرة قال: "هاجت ريح حمراء بالكوفة فجاء رجل ليس له هجيري إلا يا عبد الله بن مسعود جاءت الساعة جاءت الساعة ‍‍!! فقعد ابن مسعود وكان متكئاً فقال: لا ، لا تقوم الساعة حتى لا يقسم ميراث ولا يفرح بغنيمة ثم أشار بيده نحو الشام ثم قال: عدو يجمعون لأهل الإسلام ويجمع لهم أهل الإسلام ، وعند ذاكم القتال تكون ردة شديدة - هذا هو الثلث الأول الذي وارتد وانهزم وخان-فيشترط المسلمون شرطة للموت لا ترجع إلا غالبة - أي يقدم المسلمون مجموعة من الكتائب ألا ترجع إلا وهي غالبة- فيقتتلون -أي المسلمون والروم -حتى يحجز بينهم الليل ، فتفيء كل فئة غير غالبة وتفنى الشرطة ، ثم يشترط المسلمون - أي في اليوم التالي - شرطة للموت لا ترجع إلا غالبة فيقتتلون حتى يحجز بينهم الليل فتفيء كل فئة غير غالبة وتفنى الشرطة ، ثم يشترط المسلمون في اليوم الثالث شرطة للموت لا ترجع إلا غالبة فيقتتلون حتى يحجز بينهم الليل فتفئ كل منهم غير غالبة وتفنى الشرطة

قال صلى الله عليه وسلم : فإذا كان اليوم الرابع نهد إليهم بقية الإسلام - أي نهض إليهم بقية أهل الإسلام - فيجعل الله الدائرة عليهم -أي على الروم - فيقتتلون مقتلة عظيمة لم يرى مثلها حتى إن الطائر ليمر بجنباتهم فما يخلفهم إلا وقد خر ميتاً ، فيتعاد أبناء الأب الواحد فلا يجدون - قد بلغوا المئة - قد بقي منهم إلا الرجل الواحد فبأي غنيمة يفرح وأي ميراث يقاسم ، فبينما هم كذلك إذ قد وقع بهم بأس هو أكبر من ذلك فإذ بهم يأتيهم الصريخ -أي من يصرخ فيهم- ليخبرهم أن الدجال قد خلفهم في ذراريهم - أي في أولادهم -فيرفضون ما في أيديهم -أي من الأموال والغنائم - ويبعثون عشرة فوراس طليعة - أي ليعلمو الأمر وليطلعوا عليه - والله إني لأعلم أسماءهم وأسماء آبائهم وألوان خيولهم " هم خير فوارس على ظهر الأرض يومئذ

وهكذا ينصر الله عبده المهدي والموحدين معه على كتائب الروم على الأمريكين والأوربيين رغم أنف العلمانيين والماديين الذين لاينظرون ولا يؤمنون إلا بكل ما هو ماديّ محسوس ، هذه الفئة المباركة هؤلاء الأولياء الأصفياء هم الذين يفتح الله لهم مدينة القسطنطينه بغير قتال، بل بغير سلاح

كما في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: " سمعتم بمدينة جانب منها في البر وجانب منها في البحر " قالوا: نعم يا رسول الله، قال: "لا تقوم الساعة حتى يغزوها سبعون ألفاً من بني إسحاق فإذا جاءوها لم يقاتلوها بسلاح ولم يرموا بسهم ، وإنما قالوا: لا إله إلا الله والله أكبر، فيسقط جانبها الذي في البحر، فإذا جاءوها الثانية قالوا: لا إله إلا الله والله أكبر، فيسقط جانبها الذي في البر، فإذا جاءوها الثالثة قالوا: لا إله إلا الله والله أكبر، فيفرج لهم، فيدخلوها"

قال الحافظ ابن كثير: وبنو إسحاق في الحديث هم سلالة العيص بن إسحاق بن إبراهيم وهم من الروم سيسلمون في آخر الزمان وسيجعل الله فتح القسطنطينة على يد طائفة منه ممن وحد الله وآمن بالصادق رسول الله صلى الله عليه وسلم.

أما المعركة الخامسة: والحاسمة التي يقودها المهدي ستكون مع أنجس خلق الله وأشرهم من اليهود وتحدث الكرامات التي وعد بها الصادق الذي لا ينطق عن الهوى، ففي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود فيقتلهم المسلمون، حتى يختبئ اليهودي وراء الحجر والشجر، فيقول الحجر والشجر: يا مسلم ، يا عبد الله تعال خلفي يهوديّ تعال فاقتله، إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود".

أيها الأفاضل.
يخرج اليهود مع الدجال الذي يفتحه الله على يد عيسى والمهدي، يخرج اليهود لنصرة الدجال فيقاتل المسلمون اليهود ويجري الله لهم هذه الكرامة التي أخبر بها الصادق الذي لا ينطق عن الهوى ويستأصل الله شأفتهم ويطهر الأرض من نجاستهم وقذراتهم وبذلك أيها الأفاضل لا يبقى على وجه الأرض دين إلا دين محمد وهذا عنصرنا الثالث

وصدق الله ورسوله.

قال الله جل وعلا: (يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون (*) هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون).

قال صلى الله عليه وسلم كما في الحديث الصحيح الذي رواه أحمد وغيره من حديث أبي تميم الداري: "ليبلغن هذا الأمر -أي هذا الدين- ما بلغ الليل والنهار ولا يترك الله بيت وبر ولا مدر إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل عزاً يعز الله به الإسلام وذل يذل الله به الكفر"

صلى الله وسلم على الصادق الذي لا ينطق عن الهوى وأسأل الله جل وعلا أن يعجّل بهذه الأيام الكريمة إنه ولي ذلك والقادر عليه

أيها الإخوة الكرام وأخيراً أقدّم ورقة عمل ، ليس معنى ذلك أن نتكاسل أو أن نتواكل فهذا الأمل يجب أن يدفع العقلاء للعمل فإن أمل بغير عمل هو أمل السفهاء وأمل الجهلاء ولكن الصادقين العقلاء هم الذين يدفعهم الأمل في موعود الله وموعود رسوله بنصرة الإسلام وظهوره على كل الملل، هؤلاء هم الذين يدفعهم ذلكم الأمل على العمل، لا يجوز لمسلم أن يتواكل على ملاحم المهديّ المقبلة حتماً، ثم لا يجوز أيضاً لمسلم أن يخرج الآن وهو منتظر أن يفتح التلفاز والراديو ليرى المذيع في أول نشرة من نشرات الإخبار يقول: ظهر المهدي في بيت الله الحرام وستبدأ الملاحم الكبرى التي استمعت لها الآن.

أيها الأفاضل:
أود أن نفرق بين أعمار الأمم وأعمار الأفراد، فلابد أن نعمل فهذه ورقة عمل ، يجب أن نعمل وهي:

أولاً :- يجب علينا أن نعتصم بالله وأن نستعين به. فمن أعانه الله فهو المعان ومن خذله الله فهو المخذول إذ لا حول ولا قوة إلا بالله.

ثانياً :- يجب علينا جميعاً مهما كانت وظيفتك ومهما كان عملك أن تخصص وقتاً من وقتك لتتعلم فيه عن الله وعن رسوله، إن كنت طبيباً فأغلق عيادتك ساعة في الأسبوع، إن كنت مهندساً فاعتذر عن عملك ساعة في الأسبوع، إن كنت مدرساً فغيّر مواعيد الدروس أو العمل ساعةً في الأسبوع مهما كان عملك ومهما كانت وظيفتك يجب عليك أن تخصص لنفسك ساعة لتحرص على أن تأتي بيوت الله جل وعلا لتتعلم العلم الشرعيّ الصحيح لتسمع عن الله وعن رسوله محمد صلى الله عليه وسلم ولتقف على فقه المرحلة القادمة فإن الجهل من أخطر الفتن ،لاسيما أننا علمنا أن جاهل بفتنه الدجال سيكفر بالواحد الكبير المتعال، يذهب إلى الدجال وهو لا يعرف شيئاً عمّا قاله سيد الرجال عن فتنته، فيقول له الدجال:أنا ربك
فيقول: لا ، فيقول: فهل لو أحييت لك والديك تؤمن بي ، قال: نعم أؤمن بك، وهو لا يعلم أن الدجال فتنة أخطر فتنة على وجه الأرض قال: فيظهر له شيطانان شيطان على صورة أبيه و شيطان على صورة أمه فيأمرانه باتباع الدجال فيسجد له ويقول: أنت ربي فيكفر بجهله

هذا لو علم الدجال وفتنة الدجال وما قاله سيد الرجال ما فعل ذلك، فلابد لك أن تحرص على العلم الشرعي وعلى السنة الصحيحة.

ثالثاً :- تحقيق الإيمان، الإيمان حصن أمامك وسفينة نوح التي ستركبها في هذه الأمواج المتلاطمة من الفتن التي نحياها والفتن المقبلة، الإيمان ليس كلمة باللسان فحسب بل هو قول وتصديق بالقلب وعمل بالجوارح والأركان، حقّق الإيمان فبه وبه فقط، ينجيك الله من الفتن، وبالإيمان تقرأ على جبين الدجال كلمة كـــافــر
قال الصادق: "يخرج الدجال مكتوب على جبينه: كاف، فاء، راء، " وفي لفظ: "كافر" قال الصادق: "لا يقرأها إلا المـؤمن


رابعاً :- التزود بالتقوى للآخرة
أيها الأفاضل أقسم بالله أقسم بالله إن كل ما أخبر عنه الصادق من علامات صغرى قد وقعت ونحن الآن ننتظر المهدي وقد ذكرت أن الله سيصلحه في ليله في ليله، وإرهاصات المهدي موجودة بين أيدينا الآن فتزودوا للآخرة ( وتزودا فإن خير الزاد التقوى واتقوني يا أولي الألباب )

أيها الأفاضل:
أرجو الله بعد هذه الخطبة وبعد هذه التفصيل النبويّ العظيم الجليل أن لا يصاب أحد من المسلمين بيأس أو قنوط حتى ولو اشتد الواقع فهذه إرهاصات بين يدي هذا الفتح المقبل إن شاء الله هذا وعد الله وهذا وعد الصادق رسول الله

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ، سبحانك ربي رب العزة عما يصفون وسلامٌ على المرسلين و الحمد لله رب العالمين
  




بسم الله الرحمن الرحيم(رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) [البقرة/286]


Sahar
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sadakasoft.ahlamountada.net
زكرياء
مدير الموقع
مدير الموقع


البلد: غير معروف
الهواية :
عدد المساهمات عدد المساهمات: 6490
الجنس: ذكر
نقاط: 171369
السمعة السمعة: 99

مُساهمةموضوع: رد: موسوعة الخطب المكتوبة و الدروس    الإثنين سبتمبر 30, 2013 11:10 pm

محاضرة          : يا سامعا لكل شكوى
فضيلة الشيخ  : إبراهيم الدويّـــش
 
[rtl]  [/rtl]
[rtl] بسم الله الرحمن الرحيم [/rtl]
[rtl]الحمد لله الذي يُطعم ولا يطعم، منّ علينا فهدانا وأطعمنا وسقانا وكل بلاء حسن أبلانا. [/rtl]
[rtl]الحمد لله الذي أطعم من الطعام، وسقى من الشراب، وكسا من العري، وهدى من الضلالة، وبصّر من العمى، وفضل على كثير ممن خلق تفضيلا. [/rtl]
[rtl]الحمد لله رب العالمين، اللهم صلي وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. [/rtl]
[rtl]أما بعد أيها الأحبة في الله السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. [/rtl]
[rtl]يا سامعا لكل شكوى. [/rtl]
[rtl]يا خالق الأكوان أنت المرتجى...... وإليك وحدك ترتقي صلواتي [/rtl]
[rtl]يا خالقي ماذا أقول وأنت تعلمـــني وتعلم حاجتي وشكاتــي [/rtl]
[rtl]يا خالقي ماذا أقول وأنت........... مطلع على شكواي والأناتي [/rtl]
[rtl]اللهم يا موضع كل شكوى، ويا سمع كل نجوى، ويا شاهد كل بلوى، يا عالم كل خفية، و يا كاشف كل بلية، يا من يملك حوائج السائلين، ويعلم ضمائر الصامتين ندعوك دعاء من أشدت فاقته، وضعفت قوته، وقلت حيلته دعاء الغرباء المضطرين الذين لا يجدون لكشف ما هم فيه إلا أنت. [/rtl]
[rtl]يا أرحم الراحمين أكشف ما بنا وبالمسلمين من ضعف وفتور وذل وهوان. [/rtl]
[rtl]يا سامعا لكل شكوى أعن المساكين والمستضعفين وأرحم النساء الثكالى والأطفال اليتامى وذي الشيبة الكبير، إنك على كل شيء قدير. [/rtl]
[rtl]معاشر الأخوة والأخوات:  [/rtl]
[rtl]إن في تقلب الدهر عجائب، وفي تغير الأحوال مواعظ، توالت العقبات، وتكاثرت النكبات، وطغت الماديات على كثير من الخلق فتنكروا لربهم ووهنت صلتهم به. [/rtl]
[rtl]اعتمدوا على الأسباب المادية البحتة، فسادة موجات القلق والاضطراب، والضعف والهوان، وعم الهلع والخوف من المستقبل، خافوا على المستقبل، تخلوا عن ربهم فتخلى الله عنهم: [/rtl]
[rtl]( يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ). [/rtl]
[rtl]جميعُ الخلق مفتقرون إلى الله، مفتقرون إلى الله في كل شؤونِهم وأحوالِهم، وفي كلِ كبيرةٍ وصغيره، وفي هذا العصرُ تعلقَ الناسُ بالناسِ، وشكا الناسُ إلى الناس، ولا بئسَ أن يُستعانُ بالناس في ما يقدرون عليه، لكن أن يكونَ المُعتمَدُ عليهم، والسؤال إليهم، والتعلقُ بهم فهذا هو الهلاكُ بعينه، فإن من تعلق بشيٍ وكلَ إليه. [/rtl]
[rtl]نعتمدُ على أنفسِنا وذكائِنا بكل غرورٍ وعجب وصلف، أما أن نسأل اللهَ العونَ والتوفيق، ونلحَ عليه بالدعاء، ونحرِصِ على دوام الصلة باللهِ في كلِ الأشياء، وفي الشدةِ والرخاء، فهذا أخرُ ما يفكرُ به بعض الناس. [/rtl]
[rtl]فقيراً جئتُ بابك يا إلهي.........ولستُ إلى عبادك بالفقيرِ [/rtl]
[rtl]غنياً عنهمُ بيقينِ قلبي...........وأطمعُ منك في لفضلِ الكبيرِ [/rtl]
[rtl]الهي ما سألتُ سواك عونا......فحسبي العونُ من ربٍ قديرِ [/rtl]
[rtl]الهي ما سألتُ سواك عفوا.....فحسبي العفوُ من ربٍ غفورِ [/rtl]
[rtl]الهي ما سألتُ سواك هديا.....فحسبي الهديُ من ربٍ بصيرِ [/rtl]
[rtl]إذا لم أستعن بك يا الهي......فمن عونيِ سواك ومن مجيرِ [/rtl]
[rtl]إن الفرار إلى الله، واللجوء إليه في كلِ حالٍ وفي كل كربٍ وهم، هو السبيلُ للتخلصَ من ضعفنا وفتورنا وذلنا و هواننا. [/rtl]
[rtl]إن في هذه الدنيا مصائبَ ورزايا، ومحناً وبلايا، آلامُ تضيقُ بها النفوس، ومزعجاتُ تورث الخوفَ والجزع، كم في الدنيا من عينٍ باكيةٍ ؟ [/rtl]
[rtl]وكم فيها من قلب حزين؟ [/rtl]
[rtl]وكم فيها من الضعفاءِ والمعدومين، قلوبُهم تشتعل، ودموعُهم تسيل ؟ [/rtl]
[rtl]هذا يشكُ علةً وسقما. [/rtl]
[rtl]وذاك حاجةً وفقرا. [/rtl]
[rtl]وآخر هماً وقلقا. [/rtl]
[rtl]عزيزٌ قد ذل، وغنيٌ افتقر، وصحيحٌ مرض، رجل يتبرم من زوجه وولده، وآخرُ يشكُ ويئنُ من ظلمِ سيده. [/rtl]
[rtl]وثالثٌ كسدة وبارت تجارته، شاب أو فتاة يبحث عن عروس، وطالب يشكو كثرة الامتحانات والدروس. [/rtl]
[rtl]هذا مسحور وذاك مدين ،وأخر ابتليَ بالإدمان والتدخين، ورابعُ أصابه الخوفُ ووسوسةُ الشياطين. [/rtl]
[rtl]تلك هي الدنيا، تضحكُ وتبكي، وتجمعُ وتشتت، شدةُ ورخاءُ وسراءٌ وضراءُ. [/rtl]
[rtl]وصدق الله العظيم: (لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ). [/rtl]
[rtl]أيها الأخوة، السؤال الذي يجب أن يكون، هؤلاء إلى من  يشكون، و أيديَهم إلى من يمدون؟ [/rtl]
[rtl]يجيبك واقعُ الحال على بشرٍ مثلُهم يترددون، وللعبيدِ يتملقون، يسألون ويلحون وفي المديح والثناء يتقلبون، وربما على السحرة والكهنة يتهافتون. [/rtl]
[rtl]نعم والله تألمنا شكاوي المستضعفين، وزفراتُ المساكين، وصرخاتُ المنكوبين، وتدمعُ أعُينَنا - يعلم الله- لأهات المتوجعين، وأناتُ المظلومين، وانكسارِ الملذوعين، لكن أليس إلى اللهِ وحدَه المشتكى ؟ [/rtl]
[rtl]أين الإيمان بالله ؟ أين التوكلُ على الله ؟ أين الثقةُ و اليقينُ بالله ؟ [/rtl]
[rtl]وإذا عرتك بليةًُ فأصبر لها.......صبرُ الكريمِ فإنه بك أرحمُ [/rtl]
[rtl]وإذا شكوتَ إلى ابنِ أدم إنما.....تشكو الرحيمَ إلى الذي لا يرحمُ [/rtl]
[rtl]ألم نسمع عن أناس كانوا يشكون إلى الله حتى انقطاع سير نعلهم، نعم حتى سير النعل كانوا يسألونه الله، بل كانوا يسألون الله حتى الملح. [/rtl]
[rtl]يا أصحابَ الحاجات. [/rtl]
[rtl]أيها المرضى. [/rtl]
[rtl]أيها المدينون. [/rtl]
[rtl]أيها المكروب والمظلوم. [/rtl]
[rtl]أيها المُعسرُ والمهموم. [/rtl]
[rtl]أيها الفقيرُ والمحروم. [/rtl]
[rtl]يا من يبحث عن السعادة الزوجية. [/rtl]
[rtl]يا من يشكو العقم ويبحث عن الذرية. [/rtl]
[rtl]يا من يريد التوفيق بالدراسة والوظيفة. [/rtl]
[rtl]يا من يهتم لأمر المسلمين. [/rtl]
[rtl]يا كلُ محتاج، يا من ضاقت عليه الأرضُ بما رحبت. [/rtl]
[rtl]لماذا لا نشكوُ إلى اللهِ أمرنا وهو القائل: (ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ). [/rtl]
[rtl]  لماذا لا نرفعُ أكفَ الضراعة إلى الله وهو القائل: ( فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ). [/rtl]
[rtl]لماذا ضُعفُ الصلةِ بالله، وقلةُ الاعتمادِ على الله، وهو القائل: ( قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ ). لولا دعاؤكم. [/rtl]
[rtl]أيها المؤمنون، أيها المسلمون يا أصحابَ الحاجات، ألم نقرأ في القرآنِ قول الحق عز وجل: ( فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ) لماذا ؟ ( لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ). [/rtl]
[rtl]فأين نحن من الشكوى لله، أين نحن من الإلحاح والتضرعِ الله؟ [/rtl]
[rtl]سبحان الله، ألسنا بحاجةٍ إلى ربنا؟ [/rtl]
[rtl]أنعتمدُ على قوتنا وحولِنا، والله ثم واللهِ  لا حول لنا ولا قوةَ إلا بالله. [/rtl]
[rtl]واللهِ لا شفاء إلا بيد الله، ولا كاشفَ للبلوى إلا الله، لا توفيق ولا فلاح ولا سعادةَ ولا نجاح إلا من الله. [/rtl]
[rtl]العجيبُ والغريب أيها الأخوةُ  أن كلَ مسلمٍ يعلمُ ذلك، ويعترفُ بهذا بل ويقسمُ على هذا، فلماذا إذاً تتعلقُ القلوبُ بالضعفاءُ العاجزين ؟ [/rtl]
[rtl]ولماذا نشكو إلى الناسِ ونلجأَ للمخلوقين ؟ [/rtl]
[rtl]سل الله ربك ما عنده......... ولا تسأل الناس ما عندهم [/rtl]
[rtl]ولا تبتغي من سواه الغنى..... وكن عبده لا تكن عبدهم [/rtl]
[rtl]فمن يا إذا  بُليت سلاك أحبابك، وهجرك أصحابك. [/rtl]
[rtl]يا من نزلت بها نازلة، أو حلت به كارثة. [/rtl]
[rtl]يا من بليت بمصيبةٍ أو بلاءٍ، ارفع يديك إلى السماء وأكثر الدمعَ والبكاء، وألحَ على اللهِ بالدعاء وقل: [/rtl]
[rtl]يا سامعاً لكلِ شكوى. [/rtl]
[rtl]إذا استعنت فأستعن بالله، وإذا سألت فأسأل الله، وقل يا سامعاً لكل شكوى. [/rtl]
[rtl]توكل على الله وحده، وأعلن بصدقٍ أنك عبده واسجد لله بخشوع، وردد بصوتٍ مسموع: [/rtl]
[rtl]يا سامعاً لكلِ شكوى. [/rtl]
[rtl]أنت الملاذُ إذا ما أزمةٌ شملت........وأنت ملجأُ من ضاقت بهِ الحيلُ [/rtl]
[rtl]أنتَ المنادى به في كلِ حادثِةٍ.......أنت الإلهُ وأنت الذخرُ والأملُ [/rtl]
[rtl]أنت الرجاءُ لمن سُدت مذاهبهُ......أنت الدليلُ لمن ضلت بهِ السبلُ [/rtl]
[rtl]إنا قصدناك والآمال واقعةٌ.........عليكَ والكلُ ملهوفُ ومبتهلُ [/rtl]
[rtl]  [/rtl]
[rtl]إن الأنبياء والرسلَ، وهم خيرُ الخلق، وأحبُ الناسَ إلى الله،  نزل بهم البلاء واشتدَ بهم الكرب، فماذا فعلوا وإلى من لجئوا. [/rtl]
[rtl]أخي الحبيب، أختصرُ لك الإجابة، إنه التضرعُ والدعاء، والافتقارُ لربِ الأرضِ والسماء، إنها الشكايةُ لله وحُسنُ الصلةِ بالله. [/rtl]
[rtl]هذا نوحٌ عليه السلام يشكو أمرَه إلى الله ويلجأُ لمولاه: [/rtl]
[rtl]قال تعالى: (وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ * وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ). [/rtl]
[rtl]كانتِ المناداة، كانتِ المناجاة، فكانتِ الإجابةُ من  الرحمن الرحيم. [/rtl]
[rtl]وقال تعالى: ( وَنُوحاً إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ). [/rtl]
[rtl]وقال عز من قائل: (فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ * فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ). [/rtl]
[rtl]هذا أيوبُ عليه السلام، ابتلاهُ اللهُ بالمرضِ ثمانيةَ عشر عاماً حتى أن الناسُ ملوا زيارته لطولِ المدة، فلم يبقى معه إلا رجلانِ من إخوانهِ يزورانه، لكنه لم ييئس عليه السلام، بل صبرَ واحتسب، وأثنى الله عليه: ( إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ)، أواب أي رجاعٌ منيبٌ إلى ربه، ظل على صلتِه بربِه وثقتِه به، ورضِاهُ بما قُسم الله له، توجه إلى ربه بالشكوى ليرفع عنه الضراء والبلوى قال تعالى:(وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ). فماذا كانتَ النتيجة ؟ [/rtl]
[rtl]قال الحقُ عز وجل ، العليمُ البصيرُ بعباده، الرحمنُ الرحيم قالَ: (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ). [/rtl]
[rtl]هذا يونسُ عليه السلام، رفع الشكاية لله فلم ينادي ولم يناجي إلا الله قال تعالى: [/rtl]
[rtl]( وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ). فماذا كانتَ النتيجة ؟ [/rtl]
[rtl](فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ). [/rtl]
[rtl]وزكريا عليه السلام قال الحق عز وجل عنه: (وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ). ماذا كانت النتيجة ؟ [/rtl]
[rtl](فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ). الذين يشكون العقم وقلة الولد. [/rtl]
[rtl]إذا لماذا استجاب الله دعاه؟ [/rtl]
[rtl]لأنهم كانوا يسارعون في الخيرات، وكانوا لا يملون الدعاء، بل كان القلب متصل متعلق بالله، لذلك قال الله عنهم: (وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ). [/rtl]
[rtl]خاشعين متذللين، معترفين بالتقصير، فالشكاية تخرج من القلب قبل اللسان. [/rtl]
[rtl]يعقوبُ عليه السلام قال: (قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ)، انظروا لليقين، انظروا للمعرفة برب العالمين: (وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ)، فاستجاب اللهُ دعائَه وشكواه وردَ عليه يوسفَ وأخاه. [/rtl]
[rtl]وهذا يوسف عليه السلام ابتلاه الله بكيد النساء، فلجأ إلى الله، وشكى إليه ودعاه فقال: [/rtl]
[rtl]( وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ)، إنه التضرع والدعاء، والافتقار لرب الأرض والسماء، إنها الشكاية لله، وحسن الصلة بالله. [/rtl]
[rtl](فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ). [/rtl]
[rtl]وأخبر الله عن نبينا محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وأصحابه فقال تعالى: (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ). استغاثة لجاءة إلى الله، شكوى وصلة بالله سبحانه وتعالى.  [/rtl]
[rtl]وهكذا أيها الأحبةِ حينما نستعرضُ حياةَ الرسلِ جميعاً، كما قصها علينا القرآن الكريم، نرى أن الابتلاء والامتحان كان مادتُها وماُئها، وأن الصبرَ وحسنُ الصلةِ بالله ودوام الالتجاءِ وكثرةُ الدعاءِ وحلاوة الشكوى كان قوَمُها. [/rtl]
[rtl]وما أشرنا إليه إنما هي نماذج من الاستجابة للدعاء، ومن في كتب السير والتفاسير وقف على شدةِ البلاء الذي أصاب الأنبياء، وعلم أن الاستجابةَ جاءت بعد إلحاحٍ ودعاء، واستغاثةٍ ونداء. [/rtl]
[rtl]إنها آياتُ بينات وبراهينُ واضحات، تقول بل وتعلن أن من توكلَ واعتمد على الله، وأحسن الصلة بمولاه استجاب الله دعاه، وحفظه ورعاه، فإن لم يكن ذلك في الدنيا كان في الآخرة: ( وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلا تَعْقِلُونَ). [/rtl]
[rtl]أنها صفحاتٌ من الابتلاء والصبر معروضةٌ للبشرية، لتسجل أن لا اعتماد إلا على الله، وان لا فارجَ للهمِ ولا كاشفَ للبلوى إلا الله. [/rtl]
[rtl]هذا هو طريق الاستعلاء أن تنظرَ إلى السماء،  وأن نلحُ بالدعاء، لأن الشكوى إلى الله تشعرك بالقوةِ والسعادة، وأنك تأوي إلى ركنٍ شديد. [/rtl]
[rtl]أما الشكوى إلى الناس، والنظرِ إلى ما في أيدي الناس فيشعرك بالضعف والذل والإهانةِ والتبعية. [/rtl]
[rtl]يا أهل التوحيد، أليس هذا أصل من أصول التوحيد ؟ [/rtl]
[rtl]إن من أصول التوحيد أن تتعلق القلوبُ بخالقها في وقت الشدةِ والرخاء والخوفِ والأمن، والمرضِ والصحة، وفي كل حالٍ وزمان. [/rtl]
[rtl]وما نراه اليومَ من تعلقِ القلوب بالمخلوقين، وبالأسباب وحدها دون اللجأ إلى الله، لهو نذيرُ خطرٍ يزعزعُ عقيدةِ التوحيدِ في النفوس. [/rtl]
[rtl]أيها الأحبة: إن الشكوى لله، والتضرعَ إلى الله، وإظهارَ الحاجة إليه، ولاعتراف بالافتقار إليه من أعظمِ عرى الإيمانِ وثوابتِ التوحيد، وبرهانُ ذلك الدعاء والإلحاح بالسؤال، والثقةُ واليقينُ بالله في كلِ حال. [/rtl]
[rtl]ولقد زخرت كتبُ السنةِ بأنواعٍ من الدعاءِ تجعلُ المسلمَ على صلةٍ بربه، وفي حرزٍ من عدوه، يقضي أمره ويكفي همه. [/rtl]
[rtl]في كلِ مناسبةٍ دعا، في اليقظةِ والمنام، والحركة والسكون، قياماً وقعودا، وعلى الجنوب، ابتهالٌ وتضرعٌ في كل ما أهم العبد، وهل إلى غيرِ الله مفر، أم هل إلى غيره ملاذ. [/rtl]
[rtl]ففي المرض مثلا الأحاديث كثيرة، والأدعية مستفيضة، إليك على سبيل المثال ما أحرجه البخاري ومسلم من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها: [/rtl]
[rtl]أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه المعوذات، وينفث، فلما أشتد وجعه كنت اقرأ عليه وأمسح عليه رجاء بركتها. [/rtl]
[rtl]وأخرج البخاري ومسلم أيضا من حديث عائشة قالت: [/rtl]
[rtl]كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا اشتكى منا إنسان مسحه بيمينه ثم قال: أذهب البأس رب الناس، وأشفي أنت الشافي لا شفاء إلا شفائك، شفاء لا يغادر سقما، أي لا يترك سقما. [/rtl]
[rtl]وفي صحيح مسلم عن عثمان أبن أبي العاص رضي الله تعالى عنه: [/rtl]
[rtl]أنه شكى إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وجعا يجده في جسده منذ أسلم، فقال له (صلى الله عليه وآله وسلم): ضع يدك على الذي تألم من جسدك. [/rtl]
[rtl]انظروا لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، قدوتنا وحبيبنا يربي الناس، ويربي أصحابه على الاعتماد واللجاءة إلى الله، ضع يدك، الإرشاد أولا لله، التعلق أولا بالله، لم يرشده أولا لطبيب حاذق ولا بأس بهذا، لكن التعلق بالله يأتي أولا.  [/rtl]
[rtl]ضع يدك على الذي تألم من جسدك وقل بسم الله، بسم الله ثم يقول سبعا أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر. [/rtl]
[rtl]وفي رواية أمسحه بيمينك سبع مرات، وفي رواية قال عثمان فقلت ذلك  فأذهب الله ما كان بي، فلم أزل آمر بها أهلي وغيرهم. [/rtl]
[rtl]سبحان الله، اسمعوا لحسن الصلة بالله، والتوكل على الله، فلم أزل آمر بها أهلي وغيرهم. [/rtl]
[rtl]أيها المريض، أعلم أن من أعظم أسباب الشفاء التداوي بالرقى الشرعية من القرآن والأدعية النبوية، ولها أثر عجيب في شفاء المريض وزوال علته، لكنها تريد قلبا صادقا وذلا وخضوعا لله. [/rtl]
[rtl]رددها أنت بلسانك، فرقيتك لنفسك أفضل وأنجح، فأنت المريض وأنت صاحب الحاجة، وأنت المضطر، وليست النائحة الثكلى كالنائحة المستأجرة، وما حك جلدك مثل ظفرك، فتوكل على الله بصدق وألح عليه بدون ملل، وأظهر ضعفك وعجزك، وحالك وفقرك إليه، وستجد النتيجة العجيبة إن شاء الله ثقة بالله. [/rtl]
[rtl]فإلى كل مريض مهما كان مرضه أقول: [/rtl]
[rtl]شفاك الله وعافاك، اعلم أن الأمراض من جملة ما يبتلي الله به عباده، والله عز وجل لا يقضي شيئا إلا وفيه الخير والرحمة لعباده، وربما كان مرضك لحكمة خفيت عليك، أو خفيت على عقلك البشري الضعيف، وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم. [/rtl]
[rtl]أيها الحبيب شفاك الله، هل علمت أن للأمراض والأسقام فوائد وحكم أشار أبن القيم إلى أنه أحصاها فزادت على مائة فائدة (انظر كتاب شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل صفحة 525). [/rtl]
[rtl]أيها المسلم أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك وأن يعافيك، هل سمعت قول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ما من مسلم يصيبه أذى من مرض فما سواه، إلا حط الله به سيئاته كما تحط الشجرة ورقها. [/rtl]
[rtl]وهل سمعت أنها (صلى الله عليه وآله وسلم): زار أم العلاء وهي مريضة فقال الله ابشري يا أم العلاء فإن مرض المسلم يذهب الله به خطاياه كما تذهب النار خبث الذهب والفضة. [/rtl]
[rtl]قال أبن عبد البر رحمه الله: الذنوب تكفرها المصائب والآلام، والأمراض والأسقام، وهذا أمر مجتمع عليه. [/rtl]
[rtl]والأحاديث والآثار في هذا مشهورة ليس هذا مقام بسطها، لكن المراد هنا أننا نرى حال بعض الناس إذا مرض فهو يفعل كل الأسباب المادية من ذهاب للأطباء وأخذ للدواء وبذل للأموال وسفر للقريب والبعيد، ولا شك أن هذا مشروع محمود، ولكن الأمر الغريب أن يطرق كل الأبواب وينسى باب مسبب الأسباب، بل ربما لجأ للسحرة والمشعوذين، نعوذ بالله من حال الشرك والمشركين. [/rtl]
[rtl]ألم يقرأ هذا وأمثاله في القرآن:( وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ). [/rtl]
[rtl]أيها المريض أعلم أن الشافي هو الله، ولا شفاء إلا شفائه. [/rtl]
[rtl]أيها المريض، بل يا كل مصاب أيا كانت مصيبته، هل سألت نفسك لماذا ابتلاك الله بهذا المرض، أو بهذه المصيبة ؟ ربما لخير كثير ولحكم لا تعلمها ولكن الله يعلمها،ألم يخطر ببالك أنه أصابك بهذا البلاء ليسمع صوتك وأنت تدعوه، ويرى فقرك وأنت ترجوه، فمن فوائد المصائب استخراج مكنون عبودية الدعاء. [/rtl]
[rtl]قال أحدهم: سبحان من استخرج الدعاء بالبلاء. [/rtl]
[rtl]وفي الأثر أن الله ابتلى عبدا صالحا من عباده وقال لملائكته لأسمع صوته. [/rtl]
[rtl]يعني بالدعاء والإلحاح. [/rtl]
[rtl]أيها المريض، المرض يريك فقرك وحاجتك إلى الله، وأنه لا غنى لك عنه طرفة عين، فيتعلق قلبك بالله، وتقبل عليه بعد أن كنت غافلا عنه، وصدق من قال: [/rtl]
[rtl]فربما صحت الأجسام بالعلل. [/rtl]
[rtl]فأرفع يديك وأسل دمع عينيك، وأظهر فقرك وعجزك، واعترف بذلك وضعفك. [/rtl]
[rtl]في رواية عن سعيد ابن عنبسة قال: بينما رجل جالس وهو يعبث بالحصى ويحذف به إذ رجعت حصاة منه عليه فصارت في أذنه، فجهدوا بكل حيلة فلم يقدروا على إخراجها، فبقيت الحصاة في أذنه مدة وهي تألمه، فبينما هو ذات يوم جالس إذ سمع قارئ يقرأ: (أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ ). [/rtl]
[rtl]فقال الرجل: يا رب أنت المجيب وأنا المضطر فأكشف عني ما أنا فيه، فنزلت الحصاة من أذنه في الحال. [/rtl]
[rtl]لا تعجب، إن ربي لسميع الدعاء، إذا أراد شيئا  قال له كن فيكون. [/rtl]
[rtl]أيها المريض، إياك وسوء الظن بالله إن طال بك المرض، فتعتقد أن الله أراد بك سوء، أو أنه لا يريد معافاتك، أو أنه ظالم لك، فإنك إن ظننت ذلك فإنك على خطر عظيم. [/rtl]
[rtl]أخرج الإمام أحمد بسند صحيح من حديث أبي هريرة أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: إن الله تعالى يقول أنا عند ظني عبد بي، إن ظن خيرا فله، وإن ظن شرا فله. [/rtl]
[rtl]يعني ما كان في ظنه فإني فاعله به، فأحسن الظن بالله تجد خيرا إن شاء الله. [/rtl]
[rtl]لا تجزعن إذا نالتك موجعة.............. واضرع إلى الله يسرع نحوك الفرج [/rtl]
[rtl]ثم استعن بجميل الصبر محتسبا............ فصبح يسرك بعد العسر ينسلج [/rtl]
[rtl]فسوف يدلج عنك الهم مرتحلا........... وإن أقام قليلا سوف يدّلج [/rtl]
[rtl]هذا في المرض، وأطلت فيه لكثرة المرضى، وحاجة الناس إلى مثل هذه التوجيهات، وهي تحتاج إلى دروس ومحاضرات، ولكن حسبي ما ذكرته الآن لأن الموضوع عام في المصائب والآلام. [/rtl]
[rtl]  [/rtl]
[rtl]ومن المصائب والآلام التي يحتاج الناس فيها إلى الشكوى إلى الله تراكم الديون وكثرة المعسرين. [/rtl]
[rtl]كم من مدين عجز عن الوفاء، وكم من معسر يعيش في شقاء، هم في الليل وذل في النهار، أحزان وآلام لا يغمض في منام، ولا يهنأ في طعام، طريد للغرماء، أو مع السجناء، صبية صغار، وبيت للأجار، وزوجة مسكينة لا تدري أتطرق أبواب المحسنين أو تسلك طرق الفاسقين. [/rtl]
[rtl]هذه رسالة مؤلمة من زوجة إلى زوجها في السجن بسبب الديون جاء فيها: [/rtl]
[rtl]لم أتمتع معك في حياتنا الزوجية إلا فترة من الزمن حتى غيبوك في غياهب السجون، كم سنة غبت عني لا أدري ماذا فعل الله بك، ولا أدري عنك أحي فترجى أم ميت فتنعى، ليتك ترى حالي وحال أولادك، ليتك ترى حال صغارك، لست أدري هل أخون أمانة الله وأمانتك وأطلب الرزق لهؤلاء بطرق محرمة وأنا في ذمتك وعهدك، أم أطلب الطلاق ويضيع أولادك.. إلى أخر الرسالة من كتاب  إلى الدائنين والمدينين. [/rtl]
[rtl]وأقول أيها الأحبة، تصوروا حال هذا الزوج كيف يكون وهو يقرأ هذه الكلمات، ديون وسجون وهموم وأولاد، ذل وخضوع للناس. [/rtl]
[rtl]وأسمعوا لهذا الرجل وهو يشكو حاله ويقول: أنا رجل سجين علي مبلغ من المال، وصار لي في السجن أكثر من سنة ونصف، ولا يقبل خصمي كفيلا، وأنا معسر وصاحب عائلة فهل يجوز سجني؟ [/rtl]
[rtl]إلى هؤلاء وأمثالهم أقول: لماذا طرقتم الأبواب كلها ونسيتم باب من يستحي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفرا خائبتين. وسنده جيد. [/rtl]
[rtl]قال السري السبطي: كن مثل الصبي إذا اشتهى على أبويه شهوة فلم يمكناه قعد يبكي عليهما، فكن أنت مثله إذا سألت ربك ولم يعطك، فأقعد وأبكي عليه. [/rtl]
[rtl]ولرب نازلة يضيق بها الفتى............... ذرعا وعند الله منها مخرج [/rtl]
[rtl]كملت فلما استحكمت حلقاتها.......... فرجت وكان يظنها لا تفرج [/rtl]
[rtl]ومن الأدعية في قضاء الدين ما أخرجه أبو داوود في سننه من حديث أبي سعيد الخدري قال: دخل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) المسجد ذات يوم فرأى فيه رجلا من الأنصار يقال له أبو أمامه، فقال له النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إن أراك جالسا في المسجد في غير وقت صلاة، قال هموم لزمتني، وديون يا رسول الله. قال (صلى الله عليه وآله وسلم) أفلا أعلمك كلاما إذ قلته أذهب الله همك وقضى عنك دينك، قلت بلى يا رسول الله، قال قل إذا أصبحت وإذا أمسيت: اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال. [/rtl]
[rtl]قال ففعلت ذلك فأذهب الله تعالى همي وغمي وقضى عني ديني. [/rtl]
[rtl]يعلق القلوب بالله صلوات الله وسلامه عليه. [/rtl]
[rtl]وروى البيهقي في فضائل الأعمال عن حماد ابن سلمة أن عاصما ابن أبي إسحاق شيخ القراء في زمانه قال: أصابتني خصاصة -أ ي حاجة وفاقة - فجئت إلى بعض إخواني فأخبرته بأمري فرأيت في وجهه الكراهة، فخرجت من منزله إلى الصحراء ثم وضعت وجهي على الأرض وقلت يا مسبب الأسباب، يا مفتح الأبواب، يا سمع الأصوات، يا مجيب الدعوات، يا قاضي الحاجات اكفني بحلالك عن حرامك وأغنني بفضل عن من سواك. يلح على الله بهذا الدعاء. [/rtl]
[rtl]قال فوالله ما رفعت رأسي حتى سمعت وقعت بقربي، فرفعت رأسي فإذا بحدأة طرحت كيسا أحمر فأخذت الكيس فإذا فيه ثمانون دينارا وجوهرا ملفوفا بقطنة، فبعت الجواهر بمال عظيم، وأبقيت الدنانير فاشتريت منها عقارا وحمدت الله تعالى على ذلك. [/rtl]
[rtl]لا نعجب أيها الأخوة، إن ربي لسميع الدعاء، ومن يتوكل على الله فهو حسبه. [/rtl]
[rtl]ومن الأدعية عند الهم والقلق ما أخرجه أحمد في المسند من حديث عبد الله ابن مسعود رضي الله عنهما قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ما أصاب أحدا قط هم ولا حزن فقال اللهم إني عبدك، ابن عبدك أبن أمتك نصيتي بيدك، ماض في حكمك، عدل في قضائك، أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن ربيع قلبي ونور صدري وجلاء حزني وذهاب همي، إلا أذهب الله همه وحزن وأبدله مكانه فرجا، وفي رواية فرحا، قال فقيل يا رسول الله ألا نتعلمها، قال بلى ينبغي لمن سمعها أن يتعلمها. [/rtl]
[rtl]أيها الأخوة، إن الإنسان منا ضعيف، ضعيف فكيف إذا اجتمعت عليه الهموم والأحزان، وشواغل الدنيا ومشاكلها فزادته ضعفا، وجعلته فريسة للهم والقلق والتمزق النفسي. [/rtl]
[rtl]انظروا للعيادات النفسية، وكثرت المراجعين لها، شباب وفتيات في أعمار الزهور، أين هؤلاء من الاعتصام بالله، والاتصال والشكوى للذي قدّر الهموم والغموم وقضى بالمصائب والأحزان. [/rtl]
[rtl]يتصل به متذللا معترفا بذنبه طارقا بابه مستعينا به مستيقنا بأنه هو القادر على كشفها دون سواه، وما سواه إلا أسباب هو الذي يقدرها ويهيئها للعبد. [/rtl]
[rtl]إن الله تعالى يقول: ( وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً).[/rtl]

[rtl]يتبع[/rtl]




بسم الله الرحمن الرحيم(رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) [البقرة/286]


Sahar
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sadakasoft.ahlamountada.net
زكرياء
مدير الموقع
مدير الموقع


البلد: غير معروف
الهواية :
عدد المساهمات عدد المساهمات: 6490
الجنس: ذكر
نقاط: 171369
السمعة السمعة: 99

مُساهمةموضوع: رد: موسوعة الخطب المكتوبة و الدروس    الإثنين سبتمبر 30, 2013 11:11 pm

[rtl]قال أبن القيم في طريق الهجرتين: فإن الإنسان ضعيف البنية، ضعيف القوة، ضعيف الإرادة ضعيف الصبر والآفات إليه مع هذا الضعف أسرع من السيل في صيب الحدور، فبالاضطرار لابد له من حافظ معين يقويـه ويعينـه وينصره ويساعده، فإن تخلى عنه هذا المعين فالهلاك أقرب إليه من نفسه. [/rtl]
[rtl]إذا فلنتعلم هذا الحديث كما أوصى (صلى الله عليه وآله وسلم) فإن فيه خضوعا وخشوعا لله، فيه اعترافا بالعبودية والذل لله، فيه توسل واستغاثة بجميع أسماء الله ما يُغرف منها وما لا يعرف، ما كتب وما أخفى. [/rtl]
[rtl]وأبشر أخي الحبيب فإن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم، حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه. [/rtl]
[rtl]يا صاحب الهم إن الهم منفرج......... أبشر بخير فإن الفارج الله [/rtl]
[rtl]إذا بليت فثق بالله وأرضى به......... إن الذي يكشف البلوى هو الله [/rtl]
[rtl]ومن الأدعية عند النوازل والفتن والخوف ما أخرجه أبو داوود والنسائي عن أبي موسى أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان إذا خاف قوما قال: اللهم إنا نجعلك في نحورهم ونعوذ بك من شرورهم. [/rtl]
[rtl]وكان يقول (صلى الله عليه وآله وسلم) عند لقاء العدو: اللهم أنت عضدي وأنت ناصري، بك أصول وبك أجول وبك أقاتل. [/rtl]
[rtl]وفي صحيح البخاري من حديث ابن عباس قال: (حسبنا الله ونعم الوكيل) قالها إبراهيم حين القي في النار، وقالها نبينا محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) حين قال له الناس إن الناس قد جمعوا لكم. [/rtl]
[rtl]فإذا كان المحيي والمميت والرزاق هو الله، فلماذا التعلق بغير الله؟ [/rtl]
[rtl]لماذا الخوف من الناس و(صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء كتبه الله عليك. [/rtl]
[rtl]أيها المسلم، لا يمكن للقلب أبدا أن يسكن أو يرتاح أو يطمأن لغير الله، فاحفظ الله يحفظك وردد : ( فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ). [/rtl]
[rtl]رأى موسى عليه السلام البحر أمامه والعدو خلفه فقال: (قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ)، إنها العناية الربانية إذا ركن إليها العبد صادقا مخلصا. [/rtl]
[rtl]نبينا محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) في الغار ويرى أقدام أعدائه على باب الغار، ويلتفت إلى صاحبه يقول: ( لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا )، والأعجب من ذلك أنه مطارد مشرد يبشر سراقة بأنه سوف يلبس سواري كسرى، هكذا الإيمان والاعتصام بالله. [/rtl]
[rtl]كان (صلى) إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة، أي إذا نزل به أم أو أصابه غم لجأ إلى الله، فزع إلى الصلاة ليلجأ إلى الله، ويشكو إلى الله، ويناجي مولاه. [/rtl]
[rtl]إنها الثقة بالله عند الشدائد، فهو يأوي إلى ركن شديد. [/rtl]
[rtl]فيا من وقعت بشدة أرفع يديك إلى السماء، وألح على الله بالدعاء والله يعصمك من الناس. [/rtl]
[rtl]وإن كنتَ مظلوماً فأبشر فإن النبيَ (صلى الله عليه وآله وسلم) قال لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: وأتقِ دعوة المظلوم فإنها ليس بينها وبين الله حجاب. [/rtl]
[rtl]وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): دعوة المظلوم مستجابة وإن كان فاجرا ففجوره على نفسه. [/rtl]
[rtl]ألا قولوا لشخص قد تقوى............على ضعفي ولم يخشى رقيبه [/rtl]
[rtl]خبأت له سهاما في الليالي............. وأرجو أن تكون له مصيبة [/rtl]
[rtl]  [/rtl]
[rtl]أيها الأخوة والأخوات، إن من أعظم البلايا وأشد الرزايا ما يصيب المسلمين في كل مكان من غزو واجتياح وتعديات ومظالم وفقر وتجويع حتى أصاب بعض النفوس الضعيفة اليأس والقنوط والإحباط وفقدان الثقة والأمل. [/rtl]
[rtl]لماذا أيها الأخوة ؟ أليس الأمر لله من قبل ومن بعد، أليس حسبنا الله وكفى بالله حسيبا، أليس الله بقادر، أليس هو الناصر وكفى بالله نصيرا، ألا يعلم الله مكرهم، ألم يقل: [/rtl]
[rtl] ( وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ). [/rtl]
[rtl]أليس الله بكافي عبده: (أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ). [/rtl]
[rtl]ألم يقل: (إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئينَ). [/rtl]
[rtl]ألم يقل: (فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ). [/rtl]
[rtl]معاشر الأخوة اسمعوا وعوا، وأعلموا وأعلنوا، إن مصيبتنا ليست بقوة عدونا، إنما هي بضعف صلتنا بربنا، وضعف ثقتنا وقلة اعتمادنا عليه، لنفتش في أنفسنا عند وقوعنا في الشدائد والمحن، أين الضراعة والشكوى لله، أين اللجاءة والمنجاة لله؟ ليس شيء أفضل عند الله من الدعاء لأن فيه إظهار الفقر والعجز، والتذلل والاعتراف بقوة الله وقدرته وغناه. [/rtl]
[rtl]أيها المسلمون، نريد أن تعلم فن الدعاء والتذلل والخضوع والبكاء، لنعترف بالفقر إليه، ولنظهر العجز والضعف بين يديه، أليس لنا في رسول الله قدوة، أليس لنا فيه أسوة، أوذي أشد الأذى، وكذّب أشد التكذيب، أتهم بعرضه وخدشت كرامته، وطرد من بلده، عاشا يتيما وافتقر، ومن شدةِ الجوع ربط على بطنه الحجر، قيل عنه كذابُ وساحر، ومجنونُ وشاعر، توضعُ العراقيلُ في طريقه، وسلى الجزورِ على ظهره، يشجُ رأسُه، وتكسرُ رباعيتُه، يقتلُ عمه، جمعوا عليه الأحزابَ وحاصروه، المشركون والمنافقون واليهود. [/rtl]
[rtl]يذهبُ إلى الطائفِ يبلغُ دعوتَه فيقابلَ بالتكذيبِ والسبِ والشتمِ، ويطُردَ ويلاحقَ ويرمى بالحجارةِ  فماذا فعل -بأبي هوَ وأمي- (صلى الله عليه وآله وسلم) ؟ [/rtl]
[rtl]أين ذهب، من يسأل، على من يشكو، إلى ذي الجبروتِ والملكوتِ، إلى القوي العزيز، فأعلن (صلى الله عليه وآله وسلم) الشكوى، ورفعَ يديه بالنجوى، دعاء وألحَ وبكاء، وتظلمَ وتألمَ وشكا، لكن اسمع لفنِ الشكوى وإظهار العجزِ والضعفِ والافتقار منه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: [/rtl]
[rtl]اللهم إليك أشكو ضعفَ قوتي وقلتَ حيلتي وهوانِ على الناس، يا أرحم الراحمين، إلى من تكِلني إلى عدوٍ يتجهمني، أم إلى قريبٍ ملكتَه أمري، إن لم تكن ساخطاً عليَ فلا أُبالي، غير أن عافيتَك أوسعُ لي، أعوذ بنورِ وجهَك الكريم، الذي أضاءت له السماوات، وأشرقت له الظلمات، وصلُحَ عليه أمرُ الدنيا والآخرة، أن تُحلَ عليَ غضبَك أو تُنزلَ علي سخَطَك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حولَ ولا قوة إلا بك. هكذا كان (صلى الله عليه وآله وسلم) ضراعة ونجوى لربه. [/rtl]
[rtl]أيها الأخوة، لماذا نشكو إلى الناس، ونبث الضعف والهوان والهزيمة النفسية في مجالسنا، وننسى أو نتكاسل عن الشكوى لمن بيده الأمر من قبل ومن بعد:( قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِين َ* قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ). [/rtl]
[rtl]أليس فينا من بينه وبين الله أسرار؟ أليس فينا أيها الأحبة أشعث أغبر ذي طمرين لو أقسم على الله لأبره، أليس فينا من يرفع يديه إلى الله في ظلمة الليل يسجد ويركع، ينتحب ويرفع الشكوى إلى الله. [/rtl]
[rtl] فلنشكو إلى الله ولنقوي الصلة بالله: (وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ). [/rtl]
[rtl]ومن الأدعية في المصيبة والكرب والشدة والضيق ما أخرجه البخاري ومسلم من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يقول عند الكرب: لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السماوات ورب الأرض رب العرش الكريم. [/rtl]
[rtl]وفي رواية كان إذا حزبه أمر قال ذلك، قال النووي في شرح مسلم: هو حديث جليل ينبغي الاعتناء به والإكثار منه عند الكرب والأمور العظيمة، وقال الطبراني كان السلف يدعون به ويسمونه دعاء الكرب. [/rtl]
[rtl]وأخرج أبو داوود وأحمد عن أبي بكرة رضي الله عنه أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: دعوات المكروب، اللهم رحمتك أرجو فلا تكلني إلى نفسي طرفت عين وأصلح لي شأني كله لا إله إلا أنت. [/rtl]
[rtl]وأخرج الترمذي عن سعد ابن أبي وقاص رضي الله عنه قال، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): دعوت ذي النون إذ دعا وهو في بطن الحوت لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، فإنه لم يدعو بها رجل مسلم في شيء قط إلا استجاب الله له. [/rtl]
[rtl]لما قالها يونس عليه السلام وهو في بطن الحوت، قال الله عز وجل: (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ)، قال ابن كثير في تفسيره: (وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ)، أي إذا كانوا في الشدائد ودعونا منيبين إلينا، ولا سيما إذا دعوا في هذا الدعاء في حال البلاء، فقد جاء الترغيب بها عن سيد الأنبياء. [/rtl]
[rtl]وأخرج مسلم من حديث أم سلمة رضي الله عنها أنها قالت سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: ما من مسلم تصيبه مصيبة فيقول ما أمره الله إن لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي واخلفني خيرا منها، إلا أخلف الله له خيرا منها. [/rtl]
[rtl]قالت فلما مات أبو سلمة قلت في نفسي أي المسلمين خير من أبي سلمة؟ [/rtl]
[rtl]أو بيت هاجر إلى رسول الله، ثم إني قلتها –أي الدعاء- فأخلف الله لي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). [/rtl]
[rtl]إذا فالاسترجاع ملجأ وملاذ لذوي المصائب، ومعناه باختصار: إن لله توحيد وإقرار بالعبودية والملك، وإن إليه راجعون إقرار بأن الله يهلكنا ثم يبعثـنا. [/rtl]
[rtl]إذا فالأمر كله لله، ولا ملجأ منه إلا إليه، والله عز وجل يقول: ( وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ). [/rtl]
[rtl]  [/rtl]
[rtl]إليكم أيها الأحبة أمثلة ومواقف للذين لجئوا إلى حصن الإيمان وسلاح الدعاء، وأدركوا أن المفزع بعد الإيمان هو الدعاء، السلاح الذي يستدفع به البلاء ويرد به شر القضاء. [/rtl]
[rtl]عن أصبغ ابن زيد قال: مكثت أنا ومن عندي ثلاثا لم نطعم شيئا من الجوع، فخرجت إلي ابنتي الصغيرة وقالت يا أبتي الجوع، تشكو الجوع، قال فأتيت مكان الوضوء – انظروا إلى من اللجاءة، انظروا إلى من يلجئون- فتوضأت وصليت ركعتين، وألهمت دعاء دعوت به وفي آخره: اللهم افتح علي رزقا لا تجعل لأحد علي فيه منة، ولا لك علي فيه في الآخرة تبعة برحمتك يا أرحم الراحمين، ثم انصرفت إلى البيت فإذا بابنتي الكبيرة قامت إلي وقالت: يا أبه جاء رجل يقول أنه عمي بهذه الصرة من الدراهم وبحمال عليه دقيق وحمال عليه من كل شيء في السوق، وقال: أقرءوا أخي السلام وقول له إذا احتجت إلى شيء فأدعو بهذا الدعاء تأتيك حاجتك. [/rtl]
[rtl]قال أصبغ ابن زيد والله ما كان لي أخو قط، ولا أعرف من كان هذا القائل، ولكن الله على كل شيء قدير. [/rtl]
[rtl]فقلت للفكر لما صار مضطربا.......وخانني الصبر والتفريط والجلد [/rtl]
[rtl]دعها سماوية تمشي على قدر........لا تعترضها بأمر منك تـنفسد [/rtl]
[rtl]فحفني بخفي اللطف خالقنا........ نعم الوكيل ونعم العون والمدد [/rtl]
[rtl]  [/rtl]
[rtl]وعن شقيق البلخي قال: كنت في بيتي قاعدا فقال لي أهلي قد ترى ما بهؤلاء الأطفال من الجوع، ولا يحل لك أن تحمل عليهم ما لا طاقة لهم به، قال فتوضأت – نرجع إلى السبب الذي كانوا يدورون حوله رضوان الله عليهم- فتوضأت وكان لي صديق لا يزال يقسم علي بالله إن يكون لي حاجة أعلمه بها ولا أكتمها عنه، فخطر ذكره ببالي، فلما خرجت من المنزل مررت بالمسجد، فذكرت ما روي عن أبي جعفر قال: من عرضت له حاجة إلى مخلوق فليبدأ فيها بالله عز وجل، قال فدخلت المسجد فصليت ركعتين، فلما كنت في التشهد أفرغ علي النوم، فرأيت في منامي أنه قيل: يا شقيق أتدل العباد على الله ثم تنساه، يا شقيق أتدل العباد على الله ثم تنساه، قال فاستيقظت وعلمت أن ذلك تنبيه نبهني فيه ربي، فلم أخرج من المسجد حتى صليت العشاء الآخرة، ثم تركت الذهاب لصاحبي وتوكلت على الله، ثم انصرفت إلى المنزل فوجدت الذي أردت أن اقصد قد حركه الله وأجرى لأهلي على يديه ما أغناهم. [/rtl]
[rtl]إن ربي لسميع الدعاء، فلا نعجب أيها الأحبة، ومن يتوكل على الله فهو حسبه. [/rtl]
[rtl]  [/rtl]
[rtl]وأسمع لدعا أبن القيم في الفاتحة يقول: ومكثت بمكة مدة يعتريني أدوار لا أجد لها طبيبا ولا دواء، فكنت أعالج نفسي بالفاتحة فأرى لها تأثيرا عجيبا، فكنت أصف ذلك لمن يشتكي ألما، فكان كثير منهم يبرأ سريعا. [/rtl]
[rtl]وفي حديث أبي سعيد الخدري المتفق عليه لما قرأ على سيد الحي الفاتحة قال: فكأنما نشط من عقال، وهذا يشهد أيضا بفضل الفاتحة. [/rtl]
[rtl]  [/rtl]
[rtl]ومن المواقف الجميلة الطريفة في فضل الدعاء أنه كان لسعيد أبن جبير ديكا، كان يقوم من الليل بصياحه، فلم يصح ليلة من الليالي حتى أصبح، فلم يصلي سعيد قيام الليل تلك الليلة فشق عليه ذلك، فقال ماله قطع الله صوته –يعني الديك-؟ [/rtl]
[rtl]وكان سعيد مجاب الدعوة، فما سمع للديك صوت بعد ذلك الدعاء، فقالت أم سعيد: [/rtl]
[rtl]يا بني لا تدعو على شيء بعدها. [/rtl]
[rtl]وذكر أحد الدعاة في بعض رسائله أن رجلا من العباد كان مع أهله في الصحراء في جهة البادية، وكان عابدا قانتا منيبا ذاكرا لله، قال فانقطعت المياه المجاورة لنا وذهبت التمس ماء لأهلي فوجدت أن الغدير قد جف، فعدت إليهم ثم التمسنا الماء يمنة ويسرة فلم نجد ولو قطرة، وأدركنا الظمأ واحتاج أطفالي للماء، فتذكرت رب العزة سبحانه القريب المجيب، فقمت وتيممت واستقبلت القبلة وصليت ركعتين، ثم رفعت يدي وبكيت وسالت دموعي وسألت الله بإلحاح وتذكرت قوله: [/rtl]
[rtl](أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ). [/rtl]
[rtl]قال وما هو والله إلا أن قمت من مقامي وليس في السماء من سحاب ولا غيم، وإذا بسحابة قد توسطت مكاني ومنزلي في الصحراء، واحتكمت على المكان ثم أنزلت ماءها فامتلأت الغدران من حولنا وعن يميننا وعن يسارنا فشربنا واغتسلنا وتوضئنا وحمدنا الله سبحانه وتعالى، ثم ارتحلت قليلا خلف هذا المكان وإذا الجدب والقحط، فعلمت أن الله ساقها لي بدعائي، فحمدت الله عز وجل: [/rtl]
[rtl](وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ). [/rtl]
[rtl]  [/rtl]
[rtl]وذكر أيضا أن رجلا مسلما ذهب إلى إحدى الدول والتجأ بأهله إليها، وطلب بأن تمنحه جنسية، قال فأغلقت في وجهه الأبواب، وحاول هذا الرجل كل المحاولة وستفرغ جهده وعرض الأمر على كل معارفه، فبارت الحيل وسدت السبل، ثم لقي عالما ورعا فشكا إليه الحال، فقال له عليك بالثلث الأخير من الليل فأدعو مولاك، إنه الميسر سبحانه وتعالى، قال هذا الرجل: ووالله فقد تركت الذهاب إلى الناس وطلب الشفاعات، وأخذت أداوم على الثلث الأخير كما أخبرني ذلك العالم، وكنت أهتف لله في السحر وأدعوه، وما هو إلا بعد أيام وتقدمت بمعروض عادي ولم اجعل بيني وبينهم واسطة فذهب هذا الخطاب وما هو إلا أيام وفوجئت وأنا في بيتي أني ادعى وأسلم الجنسية، وكنت في ظروف صعبة. [/rtl]
[rtl]إن الله سميع مجيب، ولطيف قريب، لكن التقصير منا، لابد أن نلج على الله وندعوه، وابشروا: [/rtl]
[rtl] (إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ). [/rtl]
[rtl]  [/rtl]
[rtl]وأذكر أن طالبا متميز في دراسته حصل له ظرف في ليلة امتحان إحدى المواد، ولم يستطع أن يذاكر جميع المنهج المقرر للمادة إلا بقدر الثلث، فأهتم لذلك واغتم وضاقت عليه نفسه، ولم يستطع الإفادة من باقي الوقت لاضطراب النفس وطول المنهج. [/rtl]
[rtl]فما كان منه إلا أن توضأ وصلى ركعتين وألح على الله بأسمائه وصفاته وباسمه الأعظم، يقول الطالب فدخلت قاعة الامتحان ووزعت أوراق الأسئلة، وقبل أن انظر فيها دعوت الله ورددت بعض الأذكار، ثم قلبت الورقة فإذا الأسئلة أكثرها من ذلك الثلث الذي درسته، فبدأت بالإجابة ففتح الله علي فتحا عجيبا لم ك أتصوره، ولكن ربي سميع مجيب. [/rtl]
[rtl]فإلى كل الطلاب والطالبات أقول: [/rtl]
[rtl]لماذا غفلتم عن الدعاء والشكوى لله وأنتم تشكون لبعضكم وتزفرون وتتوجعون ؟ [/rtl]
[rtl]لماذا يعتمد الكثير منكم على نفسه وذكائه، بل ربما اعتمد البعض على الغش والاحتيال. [/rtl]
[rtl]إن النفس مهما بلغت من الكمال والذكاء فإنها ضعيفة وهي عرضة للغفلة والنسيان، نعم لنفعل الأسباب ولنحفظ ولنذاكر ولنجتهد ولكن كلها لا شيء إن لم يعينك الله ويفتح عليك، فلا حول ولا قوة إلا بالله في كل شيء، فهل طلبت العون من الله، توكل على الله، وافعل الأسباب، وارفع يديك إلى السماء وقل: [/rtl]
[rtl]يا سامعا لكل شكوى، وأظهر ضعفك وفقرك لله وسترى النتائج بأذن الله. [/rtl]
[rtl]وأنت أيها المدرس والمدرسة، بل ويا كل داعية لماذا نعتمد على أنفسنا الضعيفة في التوجيه والتعليم، هب أننا أعددنا الدرس جيدا وفعلنا كل الأسباب، هل يكفي هذا؟ [/rtl]
[rtl]لعلك تسأل ما بقي؟ [/rtl]
[rtl]أقول هل سألت الله العون والتوفيق عند تحضير الدرس؟ [/rtl]
[rtl]هل سألت الله أن يفتح لك القلوب وأن يبارك في كلماتك وأن ينفع بها؟ [/rtl]
[rtl]هل سألت الله العون والتوفيق وأنت تلقي الدرس؟ [/rtl]
[rtl]هل دعوت لطلابك أن يبارك الله لهم وأن ينفع بهم وأن يصلحهم وأن ييسر عليهم. [/rtl]
[rtl]هذه بعض الأمثلة والمواقف، وما يعرف ويحكى أكثر وأكثر، ولكننا نريد العمل والتطبيق. [/rtl]
[rtl]  [/rtl]
[rtl]تنبيه مهم: [/rtl]
[rtl]كثير من الناس إذا وقع بشدة عمد إلى الحرام، كمن يذهب للسحرة والكهان، أو يتعامل بالربا والحرام، فإذا نصح أو ذكّر قال: أنه مضطر، أو كما يقول البعض ليس كمن رجله في النار كمن رجله في الماء. [/rtl]
[rtl]ولعلي أيها الحبيب أذكرك بآية ربما أنك نسّيتها في خضم المصيبة والشدة التي وقعت فيها، إن الله عز وجل يقول: (أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ)،والمضطر الذي أحوجه مرض أو فقر أو نازلة من نوازل الدنيا إلى اللجأ والتضرع إلى الله كما يقول الزمخشري. [/rtl]
[rtl]وأنت أيها الأخ، أو أيتها الأخت، تذكر أنك مضطر والمضطر وعده الله بالإجابة حتى وإن كان فاسقا، فإذا كان الله قد أجاب دعوة المشركين عند الاضطرار فإن إجابته للمسلمين مع تقصيرهم من باب أولى. [/rtl]
[rtl]جاء رجل إلى مالك ابن دينار فقال: أنا أسألك بالله أن تدعو لي فأنا مضطر، قال فاسأله فإنه يجيب المضطر إذا دعاه. [/rtl]
[rtl]  [/rtl]
[rtl]إن الله قد عز وجل قد ذم من لا يستكين له، ولا يتضرع إليه عند الشدائد، وانتبهوا أيها الأحبة أنه لابد للضراعة والاستكانة لله عند الشدة كما أخبر الله فقال عز من قائل: [/rtl]
[rtl](وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ). [/rtl]
[rtl]أي لو استكانوا لربهم لكان أمرا أخر، فكيف بحال من يقع بالشرك والحرام عند البلاء والشدة فيزيد الطين بلة، كيف يريد الشفاء أو انكشاف البلاء وهو يطلبه من مخلوقين مثله ضعفاء. [/rtl]
[rtl]  [/rtl]
[rtl]قال بعض السلف: قرأت في بعض الكتب المنزلة أن الله عز وجل يقول: يؤمل غيري للشدائد والشدائد بيدي، وأنا الحي القيوم، ويرجى غيري ويطرق بابه بالبكرات وبيدي مفاتيح الخزائن وبابي مفتوح لمن دعاني، من ذا الذي أملني لنائبة فقطعن به؟ [/rtl]
[rtl]أو من ذا الذي رجاني لعظيم فقطعت رجاءه ؟ [/rtl]
[rtl]ومن ذا الذي طرق بابي فلم أفتحه له ؟ [/rtl]
[rtl]أنا غاية الآمال فكيف تنقطع الآمال دوني. [/rtl]
[rtl]أبخيل أنا فيبخلني عبدي، أليست الدنيا والآخرة والكرم والفضل كله لي ؟ [/rtl]
[rtl]فما يمنع المؤملين أن يؤملوني، ولو جمعت أهل السماوات وأهل الأرض ثم أعطيت كل واحد منهم ما أعطيت الجميع، وبلغت كل واحد منهم أمله لم ينقص ذلك من ملكي عضو ذرة، وكيف ينقص ملك أنا قيمه، فيا بأسا للقانطين من رحمتي، ويا بأسا لمن عصاني ووثب على محارمي. ذكر ذل ابن رجب في نور الاقتباس، والإسرائيليات يعتضد بها ولا يعتمد عليه كما يقول شيخ الإسلام أبن تيمية رحمه الله. [/rtl]
[rtl]  [/rtl]
[rtl]أيها الأخوة إن اللهَ يحبُ أن يُسأل، ويغضبُ على من لا يسألُه، فإنه يريدُ من عباده أن يرغبوا إليه ويسألوه، ويدعوه ويفتقروا إليه، ويحبُ الملحين في الدعاء، بل وينادي في كلِ ليلةٍ : هل من سأل فأعطيه، هل من داعٍ فأستجيب له. [/rtl]
[rtl]فأين المضطرون، أين أصحابُ الحاجات، أين من وقع في الشدائدِ والكُربات. [/rtl]
[rtl]معاشر الأخوة والأخوات، اقرءوا وانظروا في حادثة الإفك، وفي حديث الثلاثة أصحاب الغار، وحديث المغترب الذي وضع المال في الخشبة وألقاها في البحر، وحديث الثلاثة الذين خلفوا، وغيرها من القصص النبوي في الصحاح والسنن، فرج عنهم بسؤالهم لله، وإلحاحهم بالدعاء، رفعوا أيديهم إلى الله، وأعلنوا الخضوع والذل لله، وهذا الذل لا يصلح إلى لله، لحبيبه ومولاه. [/rtl]
[rtl]ذل الفتى في الحب مكرمة....... وخضوعه لحبيبه شرف [/rtl]
[rtl] فالعبوديةُ لله عزٌ ورفعةٌ، ولغيره ذلٌ ومهانة، وفي سؤال الله عبودية عظيمة لأنها إظهار للافتقار إليه، واعتراف بقدرته على قضاء الحوائج. [/rtl]
[rtl]فإذا ابتليت ببذل وجهك سائلا......فأبذله للمتكرم المفضال   [/rtl]
[rtl]كان يحي ابن معاذ يقول: يا من يغضب على من لا يسأله لا تمنع من سألك. [/rtl]
[rtl]وكان بكر المزني يقول: من مثل يا ابن آدم؟ متى شئت تطهرت ثم ناجيت ربك ليس بينك وبينه حجاب ولا ترجمان. [/rtl]
[rtl]وسأل رجل بعض الصالحين أن يشفع له في حاجة إلى بعض المخلوقين، فقال له أنا لا أترع بابا مفتوحا وأذهب إلى باب مغلق. [/rtl]
[rtl]هكذا فلتكن الثقة بالله والتوكل على الله. [/rtl]
[rtl]وقبل الختام وحتى نصل إلى ما نريد من فن الشكوى وحسن النجوى تنبه إلى هذه التوجيهات: [/rtl]
[rtl]أولا: الدعاء له آداب وشروط: [/rtl]
[rtl]لابد من تعلمها والحرص عليها، واسمع لهذا الكلام الجميل النفيس من ابن القيم رحمه الله قال: وإذا جمع العبد مع الدعاء حضور القلب وصادف وقتا من أوقات الإجابة وخشوعا في القلب وانكسارا بين يدي الرب وذلا له وتضرعا ورقة واستقبل الداعي القبلة وكان على طهارة ورفع يديه إلى الله، وبدأ بحمد الله والثناء عليه، ثم ثنى بالصلاة على رسول الله، ثم قدم بين يدي حاجته التوبة والاستغفار ثم دخل على الله وألح عليه في المسألة وتملقه ودعاه رغبة ورهبة وتوسل إليه بأسمائه وصفاته وتوحيده، وقدم بين يدي دعائه صدقة فإن هذا الدعاء لا يكاد يرد أبدا، ولا سيما إذا صادف الأدعية التي أخبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنها مظنة الإجابة، وأنها متضمنة للإسم الأعظم. انتهى كلامه بتصرف. [/rtl]
[rtl]  [/rtl]
[rtl]ثانيا: الصدقة: [/rtl]
[rtl]وقد أكد عليها أبن القيم في كلامه السابق، ولها أثر عجيب في قبول الدعاء، بل وفعل المعروف أيا كان وصنائع المعروف تقي مصارع السوء كما قال أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، وبعضهم يرفعه إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، والله عز وجل يقول عن يونس عليه السلام: (فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ). [/rtl]
[rtl]  [/rtl]
[rtl]ثالثا: عليك بالصبر وإياك واليأس والقنوط: [/rtl]
[rtl]وفي هذا توجيهات منها أن تعلم أن الدعاء عبادة، ولو لم يتوفر لك من دعائك إلا الأجر على هذا الدعاء بعد إخلاصك لله عز وجل فيه لكفى، ومنها أن تعلم أن أعلم بمصلحتك منك، فيعلم سبحانه أن مصلحتك بتأجيل الإجابة أو عدمها، ومنها لا تجزع من عدم الإجابة فربما دُفع عنك بهذا الدعاء شرا كان سينزل بك، فعن عبادة ابن الصامت رضي الله عنه أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: ما على الأرض مسلم يدعو الله بدعوة إلا أتاه الله إياها أو صرف عنه من السوء مثلها، ما لم يدعو بإثم أو قطيعة رحم، فقال رجل من القوم إذا نكثر، قال الله أكثر. وزاد فيه الحاكم: أو يدخر له من الأجر مثلها. [/rtl]
[rtl]  [/rtl]
[rtl]رابعا:ربما كان عدم الإجابة أو تأخيرها امتحان لصبرك وتحملك وجلدك: [/rtl]
[rtl]وهل تستمر في الدعاء وفي هذه العبادة، أم تستحسر وتمل وتترك الدعاء، ففي الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: يستجاب لأحكم ما لم يعجل يقول قد دعوت ربي فلم يستجب لي. [/rtl]
[rtl]وفي رواية لمسلم قيل: يا رسول الله ماالاستعجال؟ قال يقول قد دعوت وقد دعوت فلم يستجاب لي، فيستحسر عند ذلك ويدع الدعاء. [/rtl]
[rtl]  [/rtl]
[rtl]خامسا: أن تلقي باللوم على نفسك: [/rtl]
[rtl]وهي من أهمها، فقد يمون سبب عدم الإجابة وقوعك أنت في بعض المعاصي، أو التقصير وإخلالك بالدعاء أو تعديك فيه، فمن أعظم الأمور أن تتهم نفسك وتنسب التقصير وعدم الإجابة لنفسك، فهذا من أعظم الذل والافتقار لله. [/rtl]
[rtl]وأسمع أيضا لهذا الكلام الجميل النفيس لأبن رجب رحمه الله يقول: إن المؤمن إذا استبطأ الفرج ويئس منه ولا سيما بعد كثرة الدعاء وتضرعه ولم يظهر له أثر الإجابة، رجع إلى نفسه باللائمة يقول لها إنما أتيت من قبلك، ولو كان فيك خيرا لأُجبت، وهذا اللوم أحب إلى الله من كثير من الطاعات، فإنه يوجب انكسار العبد لمولاه، واعترافه له بأنه ليس بأهل لإجابة دعائه، فلذلك يسرع إليه حين إذ إجابة الدعاء، وتفريج الكرب، فإنه تعالى عند المنكسرة قلوبهم من أجله، وعلى قدر الكسر يكون الجبر. انتهى كلامه. [/rtl]
[rtl]  [/rtl]
[rtl]سادسا: تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة: [/rtl]
[rtl]قال سلمان الفارسي: إذا كان الرجل دعاء في السراء، فنزلت به ضراء فدعا الله عز وجل قالت الملائكة صوت معروف فشفعوا له، وإذا كان ليس بدعا في السراء فنزلت به ضراء فدعا الله عز وجل قالت الملائكة صوت ليس بمعروف. [/rtl]
[rtl]أيها الأخوة، وأنا أتأمل في حديث الثلاثة أصحاب الغار وهم يدعون ويتوسلون إلى الله بصالح أعمالهم وأخلصها لله، أقول في نفسي وأفتش فيها أين ذلك العمل الصالح الخالص لله الخالي من حظوظ النفس، الذي سألجأ إلى الله فيه عند الشدة. [/rtl]
[rtl]فلنرجع لأنفسنا ولنسألها مثل هذا السؤال، لنبحث في أعمالنا وعن الإخلاص لله فيها، ولنكن على صلة بالله في الرخاء، وصدق من قال: [/rtl]
[rtl]إذا افتقرت إلى الذخائر لم تجد......ذخرا يكون كصالح الأعمال [/rtl]
[rtl]  [/rtl]
[rtl]سابعا: إن الإيمان بالقضاء والقدر ركن من أركان الإيمان بالله تعالى: [/rtl]
[rtl]وفيه اطمئنان للنفس وراحة للقلب، فأعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطئك لم يكن ليصيبك، وتذكر دائما أن كل شيء بقضاء وقدر، وأنه من عند الله. [/rtl]
[rtl]  [/rtl]
[rtl]ثامنا: أحرص على أكل الحلال فهو شرط من شروط إجابة الدعاء: [/rtl]
[rtl]وفي الحديث: ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يده إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنا يستجاب له. [/rtl]
[rtl]فالله الله بالحلال فإن له أثر عجيب في إجابة الدعاء، ربما قصرنا بوظائفنا، أي نوع من التقصير، وكان ذلك التقصير سبب في رد الدعاء أو إجابته، فلنتنبه لهذا أيها الأحبة. [/rtl]
[rtl]  [/rtl]
[rtl]تاسعا: حتى تكون مجاب للدعوة إن شاء الله أكثر من الاستغفار في الليل والنهار: [/rtl]
[rtl]فلو لم يكن فيه إلا قول الحق عز وجل: (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً)، فأين من يشكو الفقر والعقم والقحط عن هذه الآية. [/rtl]
[rtl]هذه توجيهات أنتبه إليها قبل أن ترفع يديك إلى السماء لتكن مجاب الدعاء إن شاء الله. [/rtl]
[rtl]  [/rtl]
[rtl]إلى كل مصاب ومنكوب، وإلى كل من وقع في شدة وضيق أقول: [/rtl]
[rtl]اطمأنوا فقد سبقكم أناس في هذا الطريق، وما هي إلا أيام سرعان ما تنقضي، وفي بطون الكتب المصنفة في الفرج بعد الشدة للتنوخي وأبن أبي الدنيا والسيوطي وغيرهم مئات القصص لمن مرضوا أو افتقروا أو عذبوا أو شردوا أو حبسوا أو عزلوا، ثم جاءهم الفرج ساقه لهم السميع المجيب. [/rtl]
[rtl]فلك في المصابين أسوة قال ابن القيم في زاد المعاد كلام جميل أيضا فأسمعه: [/rtl]
[rtl]قال ومن علاجه – أي علاج المصيبة- أن يطفأ نار مصيبته ببرد التأسي بأهل المصائب، وليعلم أنه في كل واد بنو سعد، ولينظر يمنة فهل يرى إلا محنة، ثم ليعطف يسرة فهل يرى إلا حسرة، وأنه لو فتش العلم لم يرى فيهم إلا مبتلى إما بفوت محبوب، أو حصول مكروه، وأن سرور الدنيا أحلام نوم أو كظل زائل، إن أضحكت قليلا أبكت كثيرا، وإن سرت يوما ساءت دهرا، وإن متعت قليلا منعت طويلا، وما ملئت دارا حبرة –أي سعادة- إلا ملأتها عبرة، ولا سرته بيوم سرور إلا خبأت له يوم شرور. [/rtl]
[rtl]  [/rtl]
[rtl]أيها الأخوة والأخوات، قصص القرآن والأحاديث في كتب السنة والقصص والمواقف في كتب الفرج بعد الشدة، والأحداث والعبر في واقعنا المعاصر جميعها تخبرنا أن الشدائد مهما طالت لا تدوم على أصحابها. [/rtl]
[rtl]إذا اشتملت على اليأس القلوب......وضاقت لما به الصدر الرحيب [/rtl]
[rtl]و أوطنت المكاره واطمأنت..........وأرست غي أماكنها الخطوب [/rtl]
[rtl]ولم ترى لانكشاف الضر وجها.....ولا أغني بحيلته الأريب [/rtl]
[rtl]أتاك على قنوط منك غوث........ يجيء به القريب المستجيب [/rtl]
[rtl]وكل الحادثات إذا تناهت......... فموصول بها الفرج القريب [/rtl]
[rtl]ولو لم يكن في المصائب والبلايا إلا أنها سبب لتكفير الذنوب، وكسر لجماح النفس وغرورها، ونيل للثواب بالصبر عليها وتذكير بالعمة التي غفل عن شكرها. [/rtl]
[rtl]وهي تذكر العبد بذنوبه، فربما تاب وأقلع عنها. [/rtl]
[rtl]وهي تجلب عطف الناس ووقوفهم مع المصاب، بل من أعظم ثمار المصيبة أن يتوجه العبد بقلبه إلى الله، ويقف بابه ويتضرع إليه، فسبحان مستخرج الدعاء بالبلاء. [/rtl]
[rtl]فالبلاء يقطع قلب المؤمن عن الالتفات للمخلوقين ويوجب له الإقبال على الخالق وحده، وهذا هو الإخلاص والتوحيد. [/rtl]
[rtl]فإذا علم العبد أن هذه من ثمار المصيبة أنس بها وارتاح ولم ينزعج، ولم يقنط، فإلى ذوي المصائب والحاجات والشدائد والكربات إن منهج القرآن يقول: [/rtl]
[rtl]( وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ). [/rtl]
[rtl]بل اسمعوا إلى هذه الآية العجيبة ففيها عزاء وتطمين لكل المسلمين قال تعالى: [/rtl]
[rtl]( فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً). [/rtl]
[rtl]فلماذا التسخط والجزع والشكوى والأنين فلعل في ما حصل خيرا لك فتفاءل وأبشر، واعتمد على الله وارفع يديك إلى السماء وقل: يا سامعا لكل شكوى. [/rtl]
[rtl]واحسن الظن بالله وقل: [/rtl]
[rtl]صبرا جميلا ما أسرع الفرج [/rtl]
[rtl]من صدق الله في الأمور نجى [/rtl]
[rtl]من خشي الله لم ينله أذى [/rtl]
[rtl]من رجا الله كان حيث رجا [/rtl]
[rtl]  [/rtl]
[rtl]هذه كلمات لتسلية المحزونين، وتفريج كرب الملذوعين، وهي عزاء للمصابين وتطييب للمنكسرين. [/rtl]
[rtl]أسأل الله أن ينفع بها المسلمين وأن يغفر لي ولك أجمعين. [/rtl]
[rtl]فيا سامعا لكل شكوى، ويا عالما بكل نجوى. [/rtl]
[rtl]يا سابغ النعم، ويا دفع النقم، ويا فارج الغمم، ويا كشف الظلل، ويا أعدل من حكم، ويا حسيب من ظلم، ويا ولي من ظُلم. [/rtl]
[rtl]يا من لا تراه العيون، ولا تخالطه الظنون، ولا يصفه الواصفون، ولا تغيره الحوادث ولا الدهور، يعلم مثاقيل الجبال، ومكاييل البحار، وعدد قطر الأمطار، وعدد ورق الأشجار، وعدد ما يظلم عليه الليل ويشرق عليه النهار. [/rtl]
[rtl]كم من نعمة أنعمت بها علينا قل لك عندها شكرنا، وكم من بلية ابتليتنا بها قل عندها صبرنا، فيا من قل عند نعمته شكرنا فلم يحرمنا، ويا من قل عند بلائه صبرنا فلم يخذلنا أقذف في قلوبنا رجائك، اللهم اقذف في قلوبنا رجائك، اللهم اقذف في قلوبنا رجائك حتى لا نرجو أحدا غيرك. [/rtl]
[rtl]اللهم إنا نسألك إيمانا ثابتا، ويقينا صادقا حتى نعلم أنه لن يصيبنا إلا ما كتبت لنا، اللهم لا نهلك وأنت رجائنا، اللهم لا نهلك وأنت رجائنا احرسنا بعينك التي لا تنام وبركنك الذي لا يرام. [/rtl]
[rtl]يا سامعا لكل شكوى، ويا عالما بكل نجوى، يا كاشف كربتنا، ويا مستمع دعوتنا، ويا راحم عبرتنا، ويا مقيل عثرتنا. [/rtl]
[rtl]يا رب البيت العتيق أكشف عنا وعن المسلمين كل شدة وضيق، واكفنا والمسلمين ما نطيق وما لا نطيق، اللهم فرج عنا وعن المسلمين كل هم غم، وأخرجنا والمسلمين من كل حزن وكرب. [/rtl]
[rtl]يا فارج الهم، يا كاشف الغم، يا منزل القطر، يا مجيب دعوت المضطر، يا سامعا لكل نجوى احفظ إيمان وأمن بلادنا، ووفق ولاة الأمر لما فيه صلاح الإسلام والعباد. [/rtl]
[rtl]يا كاشف كل ضر وبلية، ويا عالم كل سر وخفية نسألك فرجا قريبا للمسلمين، وصبرا جميلا للمستضعفين، يا ذا المعروف الذي لا ينقضي أبدا، ويا ذا النعم التي لا تحصى أبدا، أسألك أن تصلي على محمد وعلى آلي محمد أبدا. [/rtl]
[rtl]اللهم صلي وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. [/rtl]
[rtl]سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا أنت نستغفرك ونتوب إليك.  [/rtl]
 




بسم الله الرحمن الرحيم(رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) [البقرة/286]


Sahar
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sadakasoft.ahlamountada.net
زكرياء
مدير الموقع
مدير الموقع


البلد: غير معروف
الهواية :
عدد المساهمات عدد المساهمات: 6490
الجنس: ذكر
نقاط: 171369
السمعة السمعة: 99

مُساهمةموضوع: رد: موسوعة الخطب المكتوبة و الدروس    الإثنين أكتوبر 07, 2013 7:00 pm

علامات الساعة الكبرى (المسيح الدجال)
محمد حسان
ملخص الخطبة
1- علامات الساعة الكبرى 2- فتنة الدجال 3- وصف الدجال 4- السبيل إلى النجاة من فتنته
الخطبة الأولى
 
 
 
أحبتي في اللـه:
هذا هو لقاءنا الرابع مع دروس سلسلة الدار الآخرة، وكنا قد أنهينا آنفا الحديث عن العلامات الصغرى التي ستقع بين يدي الساعة، والآن حديثنا عن العلامات الكبرى التي ستقع قبل قيام الساعة مباشرة، وقد ذكر النبي هذه العلامات في حديثه الصحيح الذي رواه مسلم في كتاب الفتن وأشراط الساعة من حديث حذيفة بن أسيد الغفاري رضي اللـه عنه قال: اطلع علينا النبي ونحن نتذاكر فقال: ((ما تذاكرون؟)) قلنا: نذكر الساعة قال: ((إنها لن تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات، فذكر الدخان، والدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى بن مريم، ويأجوج ومأجوج، وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم))([ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]).
ولقد ذكر المصطفى هذه العلامات بغير هذا الترتيب في روايات أخرى صحيحة والذي يترجح من الأخبار كما قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" :
أن خروج الدجال هو أول الآيات العظام المؤذنة بتغير الأحوال العامة في معظم الأرض وينتهي ذلك بموت عيسى بن مريم وأن طلوع الشمس من المغرب هو أول الآيات العظام المؤذنة بتغير الأحوال وينتهي ذلك بقيام الساعة ولعل خروج الدابة يقع في نفس اليوم الذي تطلع فيه الشمس من المغرب، واللـه أعلم([ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]).
 ولكن على أي حال فإن العلامات الكبرى ستقع متتابعة فهي كحبات العقد إذا انفرطت منه حبه تتابعت بقية الحبات.
ففي الحديث الذي رواه أحمد والحاكم في مستدركه وصححه على شرط مسلم وأقره الحاكم والذهبي والألباني من حديث أنس أن النبي قال: ((الأمارات (أي العلامات الكبرى) خرزات منظومات في سلك، فإن يقطع السلك يتبع بعضها بعضاً))([ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]).
واسمحوا لي أن أستهل الحديث اليوم مع حضراتكم في العلامات الكبرى عن الآية العظيمة الأولى التي تؤذن بتغير الأحوال على الأرض، ألا وهي المسيح الدجال...  وكعادتنا حتى لا ينسحب بساط الوقت من بين أيدينا سريعا فسوف أركز الحديث في العناصر التالية :
أولاً: الدجال أعظم فتنة على وجه الأرض.
ثانياً: وصف دقيق للدجال وفتنته.
ثالثاً: ما السبيل إلى النجاة.
فأعرني قلبك جيدا...  وأعرني سمعك تماما...  فإن الموضوع من الخطورة بمكان.
أولاً: الدجال أعظم فتنة على وجه الأرض، فتدبر جيدا أيها الحبيب وقِفْ على خطر هذه الفتنة!، فالدجال أعظم فتنة على وجه الأرض من يوم أن خلق اللـه آدم إلى قيام الساعة.
لماذا سمى الدجال بالمسيح الدجال؟!!
سمى الدجال بالمسيح لأن عينه ممسوحة قال المصطفى : ((الدجال ممسوح العين))([ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]) وسمى بالدجال لأنه يغطى الحق بالكذب والباطل فهذا دجل فسمى بالدجال وفتنة الدجال فتنة عظيمة!!
وفى صحيح مسلم من حديث عمران بن حصين رضي اللـه عنهما قال: سمعت رسول اللـه يقول: ((ما بين خلق آدم إلى قيام الساعة خلق أكبر من الدجال))([ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]).
وأمرُ الدجالِ أمرُُ غيبي والأمر الغيبي لا يجوز أن نتكلم فيه بشيء من عند أنفسنا إنما ننقل عن الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، وأنوه أيضاً أننا لا نلتفت إلا لما صح من حديث رسول اللـه كعادتنا ولله الحمد والمنة.
روى ابن ماجه في سننه وابن خزيمة في صحيحه والحاكم في المستدرك وصحح الحديث الشيخ الألباني من حديث أبي أمامة الباهلي أن الحبيب قال: ((إنها لم تكن فتنة على وجه الأرض منذ ذرأ اللـه ذرية آدم أعظم من فتنة المسيح الدجال ولم يبعث اللـه نبيا إلا وقد أنذر قومه الدجال، وأنا آخر الأنبياء، وأنتم آخر الأمم، وهو خارج فيكم لا محالة ،فإن يخرج الدجال وأنا بين أظهركم فأنا حجيج لكل مسلم، وإن يخرج الدجال من بعدي فكل امريء حجيج نفسه، واللـه خليفتي على كل مسلم)).
يا لها من كرامة لأمة الحبيب محمد صلى اللـه عليه وسلم.  
ففتنة الدجال عظيمة!.. أعظم فتنة على وجه الأرض بشهادة الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى.
أحبتي في اللـه:
لقد وصف النبي الدجال وصفاً دقيقاً محكماً وبين لنا فتنته بياناً شافيا حتى لا يغتر بالدجال أحد من الموحدين باللـه رب العالمين...  وهذا هو عنصرنا الثانى.
ثانياً: وصفٌ دقيقٌ للدجال وفتنته
وصف النبي الدجال فقال :والحديث رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي من حديث ابن عمر رضي اللـه عنهما قال :
قام رسول اللـه في الناس خطيبا فحمد اللـه وأثنى على اللـه بما هو أهله....  فذكر الدجال فقال: ((إني لأنذركموه، وما من نبي إلا وقد أنذر قومه الدجال، ولقد أنذر نوح قومه، ولكن سأقول لكم فيه قولا لم يقله نبي لقومه ألا فاعلموا أنه أعور وأن اللـه ليس بأعور))([ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]).
وفى رواية ((أعور العين اليمنى))، وفي رواية أخرى صحيحة ((أعور العين اليسرى))، اعلموا أنه أعور وأن اللـه ليس بأعور جل جلاله، جل ربنا عن الشبيه..  وعن النظير..  وعن المثيل.. لا كفء له، ولا ضد له، ولا ند له ولا شبيه له، ولا زوج له ولا ولد له: قُلْ هُوَ اللَّـهُ أَحَدٌ ، لَيسَ كَمثْلِهِ شَيءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ .
ثم قال المصطفى عليه الصلاة والسلام: ((الدجال ممسوح العين،  مكتوب بين عينيه كافر، يقرؤه كل مسلم))([ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]).
ماذا تريد بعد ذلك من الرحمة المهداة والنعمة المسداة من الذي قال ربه في حقه: بالمُؤمِنِينَ رَؤوفُُ رَحِيمُُ .  
يبين لك لتتعرف على الدجال إن خرج بين أظهرنا، يقول لك ممسوح العين...  مكتوب بين عينيه كافر... يقرؤه كل مسلم.
وفى رواية حذيفة في صحيح مسلم قال : ((الدجال، مكتوب بين عينيه كافر يقرأه كل مؤمن كاتب أو غير كاتب))([ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]).
لا ينبغي أن نصرف لفظ النبي على غير ظاهره، الكتابة على جبين الدجال كتابة حقيقية لدرجة أنه وردت في رواية في صحيح مسلم قال : ((الدجال ممسوح العين، مكتوب بين عينيه (ك ف ر) أي كافر))([ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]).
وصف عجيب للدجال من رسول اللـه عليه الصلاة والسلام !
أستحلفك باللـه أن تتدبر معي هذا المطلع العجيب الذي رواه مسلم في كتاب الفتن وأشراط الساعة من حديث حذيفة بن اليمان رضي اللـه عنه قال الذي لا ينطق عن الهوى : ((لأنا أعلم بما مع الدجال من الدجال، معه نهران يجريان أحدهما رأى العين ماء أبيض، والأخر رأى العين نار تأجج، فإما أدركن أحد فليأت النهـر الذي يراه ناراً، وليغمض، ثم ليطأطيء رأسه فليشرب منه فإنه ماء بارد))([ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]).
يقول لنا الصادق المصدوق لا تخش نار الدجال فهو دجال يغطى الحق بالكذب والباطل، إن رأيت ناره فاعلم بأنها ماء عذب بارد طيب.
وفى رواية أخرى في صحيح مسلم لحذيفة رضي اللـه عنه أن النبي قال: ((يخرج الدجال وإن معه ماءً وناراً، فما يراه الناس ماءً فهي نار تحرق وما يراه الناس نارا فهو ماء بارد عذب))([ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]).
في حديث النواس بن سمعان رضي اللـه عنه أنه قال: سأل الصحابة رسول اللـه عن المدة التي سيمكثها الدجال في الأرض، فقال الحبيب : ((أربعون يوما، يوم كسنة ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كسائر أيامكم ))، قلنا: يا رسول اللـه اليوم الذي كسنة تكفينا فيه صلاة يوم وليلة؟ قال: ((لا، اقدروا له قدره))([ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط])، يعنى صلوا الفجر وعدوا الساعات التي كانت قبل ذلك بين الفجر والظهر، وصلوا الظهر، وعدوا الساعات التي كانت بين الظهر والعصر وهكذا.
فسأل الصحابة رسول اللـه - وما زلنا في حديث النواس ابن سمعان -: وما سرعته في الأرض؟!: ((يمكث في الأرض أربعين ليلة فيمر على الأرض كلها؟ سرعته كالغيث - أي المطر- استدبرته الريح))...  يعنى يمر في كل أرجاء وأنحاء الأرض.
ثم قال الحبيب : ((يأتي الدجال على قوم فيدعوهم فيؤمنون به ويستجيبون، فيأمر السماء فتمطر، والأرض فتنبت، فتروح عليهم سارحتهم أطول ماكانت ذراً وأسبغه ضروعاً وأمده خواصر)).
فتنة رهيبة !!
فلو عقل هؤلاء لعلموا أن صفات النقص من أعظم الأدلة على كفره وبطلان إدعاءاته.
إن الذي يستحق أن يعبد هو المتصف بكل صفات الكمال والإجلال.
ثم ينطلق الدجال إلى قوم آخرين فيقول لهم: أنا ربكم. فيقولون :لا ويكذبونه.
يقول المصطفى : ((ويمر بالخربة فيقول لها: أخرجي كنوزك فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل)) أي جماعات النحل
فتنة رهيبة!!
ثم تزداد الفتنة !!!
يقول النبي ثم يدعوا رجلا ممتلئا شبابا، فيضربه بالسيف، فيقطعه جزلتين، فيمشى الدجال بين القطعتين أمام الناس ويقول للشاب قم فيستوي الشاب حيا بين يديه !!.
فتنه رهيبه !!!
وفى رواية أبي سعيد الخدري في صحيح مسلم([ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]) يقول المصطفى : ((فيخرج إليه شاب فتلقاه المسالح، مسالح الدجال (أي أتباعه من اليهود الذين يحملون السلاح) فيقولون له: أين تعمد؟
فيقول: إلى هذا الذي خرج (أي إلى الدجال) فيقولون له أولا تؤمن بربنا؟ فيقول: ما بربنا خفاء، أي لو نظرت إلى الدجال سأعرفه!
فيقولون: اقتلوه، فيقول بعضهم لبعض: أو ليس قد نهانا ربنا أن نقتل أحداً دونه، فينطلقون بهذا الرجل المؤمن إلى الدجال، فإذا نظر المؤمن إليه قال: أيها الناس! هذا  المسيح الدجال الذي ذكره لنا رسول اللـه يقول المصطفى: ((فيأمر الدجال به فيشج، فيقول: خذوه وشجوه، فيوسع ظهره وبطنه ضربا، قال:  فيقول: أما تؤمن بي؟ فيقول: أنت المسيح الكذاب. قال: فيؤمر به فينشر بالمنشار من مفرقه حتى يفرق بين رجليه، قال: ثم يمشى الدجال بين القطعتين ،: ثم يقول له: قم، فيستوي قائما، قال: ثم يقول له: أتؤمن بي؟ فيقول: ما ازددت فيك إلا بصيرة؟ قال: ثم يقول: يا أيها الناس: إنه لا يفعل بعدي بأحد من الناس، قال: فيأخذه الدجال ليذبحه فيجعل ما بين رقبته إلى ترقوته نحاسا، فلا يستطيع إليه سبيلا، قال: فيأخذ بيديـه ورجليه فيقذف به، فيحسب الناس أنما قذفه في النـار وإنما ألقي في الجنة)) فقال رسول اللـه : ((هذا أعظم الناس شهادة عند رب العالمين))([ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط])
وسأختم حديثي عن فتنة الدجال بحديث عجيب رواه مسلم وأبو داود والترمذي وغيرهم من حديث تميم الداري رضي اللـه عنه من حديث فاطمة بنت قيس عن تميم الداري قالت: سمعت منادي رسول اللـه ينادي: "الصلاة جامعة فخرجت إلى المسجد فصليت مع رسول اللـه ، وكنت في النساء التي تلي ظهور القوم فلما قضى الرسول صلاته جلس على المنبر وهو يضحك فقال: ((أيها الناس ليلزم كل إنسان مصلاه)) ثم قال ((أتدرون لم جمعتكم؟)) قالوا: اللـه ورسوله أعلم.
فقال رسول اللـه : ((أما إني واللـه ما جمعتكم لرغبة ولا لرهبة ولكن جمعتكم لأن تميما الداري كان رجلا نصرانياً فجاء فبايع وأسلم وحدثني حديثا وافق الذي كنت أحدثكم عن المسيح الدجال، حدثني أنه ركب في سفينة بحرية مع ثلاثين رجلا من لخم وجذام "قبيلتان عربيتان مشهورتان" فلعب بهم الموج شهرا في البحر ثم أرفؤوا([ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]) إلى جزيرة في البحر حتى مغرب الشمس، فجلسوا في أقرب السفينة فدخلوا جزيرة فلقيتهم دابة أهلب([ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]) كثير الشعر لا يدرون ما قبله من دبره، فقالوا: ويلك، من أنت؟ قالت: أنا الجساسة، قالوا: وما الجساسة، قالت: أيها القوم انطلقوا إلى هذا الرجل في الدير فإنه إلى خبركم بالأشواق، فلما سمت لنا رجلا فرقنا منها أن تكون شيطانة، قال: فانطلقنا سراعا حتى دخلنا الدير، فإذا أعظم إنسان رأيناه قط خلقا، وأشده وثاقا، مجموعة يداه إلى عنقه، ما بين ركبتيه إلى كعبيه بالحديد، قلنا: ويلك ما أنت؟ قال: قد قدرتم على خبري، فأخبروني: ما أنتم؟ قالوا: نحن أناس من العرب، ركبنا في سفينة بحرية، فصادفنا البحر حين اغتلم، فلعب بنا الموج شهرا، ثم أرفأنا إلى جزيرتك هذه، فجلسنا في أقربها فدخلنا الجزيرة فلقيتنا دابة أهلب كثير الشعر لا ندرى ما قبله من دبره من كثرة الشعر فقلنا: ويلك ما أنت؟ فقالت: أنا الجساسة، قلنا: وما الجساسة؟ قالت: اعمدوا إلى هذا الرجل الذي في الدير فإنه إلى خبركم بالأشواق فأقبلنا إليك سراعا، وفــزعنا منها، ولم نأمن أن تكون شيطانة، فقال: أخبروني عن بيسان قلنا: وعن أي شأنها تستخبر؟ قال: أسألكم عن نخلها هل يثمر؟ قلنا له: نعم، قال: أما إنه يوشك أن لا يثمر، قال: أخبروني عن بحيرة طبرية، قلنا: عن أي شأنها تستخبر؟ قال: هل فيها ماء؟ قالوا: هي كثيرة الماء، قال: أما إن ماءها يوشك أن يذهب، قال: أخبروني عن عين زغر، قالوا: عن أي شأنها تستخبر؟ قال: هل في العين ماء؟ وهل يزرع أهلها بماء العين؟ قلنا له: نعم، هي كثيرة الماء، وأهلها يزرعون من مائها، قال: أخبروني عن نبي الأميين، ما فعل؟ قالوا: قد خرج من مكة ونزل يثرب، قال: أقاتله العرب؟ قلنا: نعم، قال: كيف صنع بهم؟ فأخبرناه أنه قد ظهر على من يليه من العرب وأطاعوه، قال لهم: قد كان ذلك؟ قلنا: نعم، قال أما إن ذاك خيرا لهم أن يطيعوه، وإني مخبركم عنى، أنا المسيح، وإني أوشك أن يؤذن لي في الخروج، فسأخرج فأسير في الأرض، فلا أدع قرية إلا هبطتها في أربعين ليلة، غير مكة وطيبة فهما محرمتان على كلتاهما، كلما أردت أن أدخل واحـدة، أو واحدا منهما، استقبلني ملك بيده السيف صلتا يصدنى عنها، وإن على كل نقب منها ملائكة يحرسونها)) قالت: قال رسول اللـه : وطعن بمخصرته في المنبر ((هذه طيبة..  هذه طيبة)) يعنى: المدينـة ((ألا هل كنت حدثتكم عن ذلك؟)) فقـال النـاس: نعم، قال: ((فإنه أعجبني حديث تميم لأنه وافق الذي كنت حدثتكم عنه وعن المدينة ومكة، ألا إنه في بحر الشام أو بحر اليمن، لا بل من قبل المشرق، ما هو؟ من قبل المشرق ما هو ؟، وأومأ بيده إلى المشرق)) قالت: فحفظت هذا من رسول اللـه .
أيها الأحبة الكرام:
هذا قليل من كثير، فلا زال هناك الكثير عن فتنة الدجال، فقد أجملت لكم ما يسر اللـه عز وجل، لنقف على خطورة هذه الفتنة.
وهناك سؤال لابد أن يطرح في هذا المجال ألا وهو:
هل سيقتل الدجال؟! ومن الذي سيقتله؟!!!
نعم...  أبشروا سيقتل الدجال وسيقتله عيسى بن مريم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام.
روى ابن ماجه في سننه والحاكم في المستدرك وصحح الحديث الألباني من حديث أبي أمامة الباهلي أنه قال: ((بينما إمام المسلمين يصلى بهم الصبح في بيت المقدس إذا نزل عيسى بن مريم، فإذا نظر إليه إمام المسلمين عرفه، فيتقهقر إمام المسلمين لنبي اللـه عيسى ليصلى بالمؤمنين - من أتباع سيد النبيين محمد- فيأتي عيسى عليه السلام ويضع يده في كتف إمام المسلمين ويقول: لا بل تقدم أنت فصلِّ فالصلاة لك أقيمت))، وفي لفظ ((فإمامكم منكم يا أمة محمد ويصلى نبي اللـه عيسى خلف إمام المسلمين لله رب العالمين، فإذا ما أنهى إمام المسلمين، قام عيسى وقام خلفه المسلمون، فإذا فتح عيسى باب بيت المقدس، رأى المسيح الدجال معه سبعون ألف يهودي معهم السلاح، فإذا نظر الدجال إلى نبي اللـه عيسى ذاب كما يذوب الملح في الماء، ثم يهرب فينطلق عيسى وراءه فيمسك به عند باب لد في فلسطين، فيقتله نبي اللـه عيسى ويستريح الخلق من شر الدجال)).
ويبقى هنا سؤال ألا وهو: ما السبيل إلى النجاة؟
والإجابة على هذا السؤال تكون بعد جلسة الاستراحة
وأقول قولي هذا واستغفر اللـه لي ولكم

 

[rtl][ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]([1]) رواه مسلم رقم (2901) فى الفتن ، باب ما يكون من فتوحات المسلمين قبل الدجال ، وأبو داود رقم     (4311) فى الملاحم ، باب أمارات الساعة ، والترمذى رقم (2184) فى الفتن ، باب ما جاء فى الخسف . [/rtl]
[rtl][ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]([2]) فتح البارى (11/353) . [/rtl]
[rtl][ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]([3]) أخرجه أحمد فى المسند رقم (7040) وقال محققه : إسناده صحيح . [/rtl]
[rtl][ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]([4]) رواه مسلم رقم (2933) ، فى الفتن ، باب ذكر الدجال وصفة ما معه ، وأبو داود رقم (4316،4317،4318) فى الملاحم ، باب خروج الدجال ، والترمذى رقم (2246) فى الفتن [/rtl]
[rtl][ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]([5] ) رواه مسلم رقم (2946) فى الفتن ، باب فى بقية من أحاديث الدجال . [/rtl]
[rtl][ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]([6]) رواه البخـارى رقم (7127) فى الفتن ، باب ذكر الدجال ، ومسلم رقم (169) فى الإيمان ، باب ذكر المسيح بن مريم والمسيح الدجال ، وأبو داود واللفظ له رقم (4757) فى السنة ، بـاب فى الدجال ، والترمذى رقم (2236،2242) فى الفتن ، باب ما جاء فى علامة الدجال . [/rtl]
[rtl][ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]([7]) رواه مسلم رقم (2933) فى الفتن ، باب ذكر الدجال وصفة ما معه ، وأبو داود رقم (3416 - 3418) فى الملاحم ، باب خروج الدجال ، والترمذى رقم (2246) فى الفتن . [/rtl]
[rtl][ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]([8]) رواه مسلم رقم (2933) فى الفتن ، باب ذكر الدجال وصفة ما معه ، وأبو داود رقم (3416 :3418) فى الملاحم ، باب خروج الدجال ، والترمذى رقم (2246) فى الفتن . [/rtl]
[rtl][ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]([9]) رواه مسلم رقم (2933) فى الفتن ، باب ذكر الدجال وصفته وما معه . [/rtl]
[rtl][ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]([10]) رواه البخارى رقم (7130) فى الفتن ، باب ذكر الدجال ، ومسلم رقم (2934،2935) فى الفتن ، باب ذكر الدجال وصفته وما معه ، وأبو داود رقم (4315) فى الملاحم ، باب خروج الدجال . [/rtl]
[rtl][ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]([11]) رواه مسلم رقم (2934 ، 2935 ) فى الفتن ، باب ذكر الدجال . [/rtl]
[rtl][ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]([12]) رواه مسلم رقم (2937) فى الفتن ، باب ذكر الدجال وصفته وما معه ، وأبو داود رقم (4321، 4322) فى الملاحم ، باب خروج الدجال ، والترمذى رقم (2241) فى الفتن ، باب ما جاء فى فتنة الدجال . [/rtl]
[rtl][ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]([13]) رقم (2938) فى الفتن وأشراط الساعة ، باب فى صفة الدجال . [/rtl]
[rtl][ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]([14]) رواه البخارى رقم (7132) فى الفتن ، باب لا يدخل المدينة ، ومسلم رقم (2938) فى الفتن ، باب صفة الدجال وتحريم المدينة عليه . [/rtl]
[rtl][ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]([15]) أرفأت السفينة : قربتها إلى الشط وأدنيتها من البر . [/rtl]
[rtl][ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]([16]) الهلب : ما غلظ من الشعر والأهلب : الغليظ الشعر الخشن . [/rtl]
 
الخطبة الثانية
 
 
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ باللـه من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده اللـه فلا مضل له ومن يضلل فلا هادى له.
وأشهد أن لا إله إلا اللـه وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
 أما بعد أحبتي في اللـه:
فما السبيل إلى النجاة؟
أحبتي الكرام: أجيب لكم عن هذا السؤال من كلام سيد الرجال محمد بن عبد اللـه حتى تطمئن قلوبكم وتستريح، ثبتكم اللـه.
ففي الحديث الذي رواه ابن ماجه في سننه والحاكم في مستدركه وصححه الألباني.
قال : ((من حفظ عشر آيات من سورة الكهف عصم من فتنة الدجال))([ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]).
وفى لفظ: ((من حفظ عشر آيات من أوائل سورة الكهف عصم من فتنة الدجال)).
وفى لفظ: ((من حفظ  عشر آيات من أواخر سورة الكهف عصم من فتنة الدجال)).
لقد تبينتم الآن أمر الدجال، فالأمر جد خطير، هل نقف على مثل هذه الخطورة ونحفظ عشر آيات فقط من سورة الكهف، أراكم تقولون لا بل حفظ السورة بالكامل أمر يسير أمام هذه الخطورة الشديدة، أرى منكم أناساً يقولون نذهب إلى مكة أو المدينة، سأقول لكم لا بأس، من يستطيع الفرار منكم إلى مَكة المباركة أو طيبة طيبها اللـه، فله ذلك، فهما محرمتان على الدجال أن يدخل واحدة منهما وذلك من سبل النجاة.
لكنني لا أجد لك سبيلا للنجاة أكبر وأشرف وأجل وأعظم من أن ُتوحد اللـه جل وعلا وتعرف معنى كلمة.. "لا إله إلا اللـه"..  فهذا هو أصل الأصول وبر الأمان لكل مؤمن يريد الأمان حقا في الدنيا والآخرة.
ألم يقل لك المصطفى بأنه لا يقرأ كلمة كافر بين عيني الدجال إلا مؤمن موحد للكبير المتعال، واعلم يقينا بأن الإيمان ليس كلمة يرددها لسانك فحسب..  بل الإيمان قول باللسان وتصديق بالجنان "يعنى القلب"... وعمل بالجوارح والأركان...  ولابد أن تعلم أن أركان الإيمان...    أن تؤمن باللـه وملائكته، وكتبه، ورسوله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره  فلا بد لك من الآن أن تصحح إيمانك باللـه جل وعلا وتحقق الإيمان يقينا.
وقد قال الحسن : ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي، ولكن الإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل، فمن قال خيراً وعمل خيراً قبل منه ومن قال خيراً وعمل شراً لم يقبل منه. 
قال اللـه تعالى: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللـه ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ نُزُلا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ [فصلت:30-33].
قال اللـه تعالى: إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلا خَالِدِينَ فِيهَا لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلا قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ         إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا             [الكهف:107 -110].

 
[rtl][ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]([1]) رواه مسلم رقم (809) فى صلاة المسافرين ، باب فضل سورة الكهف وآية الكرسى ، وأبو داود رقم (4323) فى الملاحم ، باب خروج الدجال ، والترمذى رقم (2888) فى ثواب القرآن . [/rtl]
 




بسم الله الرحمن الرحيم(رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) [البقرة/286]


Sahar
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sadakasoft.ahlamountada.net
زكرياء
مدير الموقع
مدير الموقع


البلد: غير معروف
الهواية :
عدد المساهمات عدد المساهمات: 6490
الجنس: ذكر
نقاط: 171369
السمعة السمعة: 99

مُساهمةموضوع: رد: موسوعة الخطب المكتوبة و الدروس    الإثنين أكتوبر 07, 2013 7:01 pm

اقتباس :
بسم الله الرحمن الرحيم
هلموا إلى القرآن
الحمد لله القائل ( إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سراً وعلانية يرجون تجارة لن تبور ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله إنه غفور شكور ) أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله القائل "الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة" صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً
يا خادم الجسم كم تسعي لخدمته *** أتعبت نفسك فيما فيه خسران
أقبل على الروح واستكمل فضائلها *** فأنت بالروح لا بالجسم إنسان

عباد الله وأنتم تعيشون شهر القرآن اتقوا الله واعلموا أن لكل رسول من الرسل عليهم الصلاة والسلام معجزة اِختُصَّ بهذه المعجزة من بين الرسل ليصدقه قومه وليعلن التوحيد فيهم بالبراهين فكان لموسى عليه السلام معجزة العصا يوم خرج في قوم بلغوا في السحر ذروته ومنتهاه فأتت عصاه تلقف ما صنعوا فوقع الحق و بطل ما كانوا يعملون وبلغ قوم عيسي مبلغاً عظيماً في الطب فأتي إليهم عيسي بطب من الواحد الأحد يبرأ الأكمة والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله فوقع الحق و اندحر الباطل و أما رسولنا صلى الله عليه وسلم فبعث في أمة فصيحة في لغتها مجيدة في بيانها خطيبها أخطب الخطباء و شاعرها أرقى الشعراء فأتي إليهم صلى الله عليه و سلم بالقرآن سمعوه فدهشوا من بيانه و بهتوا من بلاغته و فصاحته فما استطاعوا أن ينكروا ذلك رغم جحودهم حتى يقول كبيرهم [الوليد بن المغيرة] و قد سمع القرآن فدهش يقول واللات والعزة إن له لحلاوة و إن عليه لطلاوة و إن أعلاه لمثمر و إن أسفله لمغدق و أنه يعلو و لا يعلى عليه ،لا إله إلا الله
الحق يعلو و الأباطل تسفل *** والحق عن أحكامه لا يُسأل
و إذا استحالت حالة و تبدلت *** فالله عز وجل لا يتبدل .
مازال به قومه بـ[الوليد] حتى رجع عن مقالته وكذب نفسه فيما قاله عن القرآن فقال منتكساً إن هذا إلا سحر يؤثر ويتولى الله الرد عليه ويعنفه و يتهدده ( سأصليه سقر وما أدراك ما سقر لا تبقي ولا تذر ) ويأتي الرسول صلى الله عليه وسلم لِيُرَبِّي هذه الأمة على هذا الكتاب العظيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه ( تنزيل من حكيم حميد ) فتربت الأمة و تهذبت وأصبح عابد الأصنام قزما حماة البيت والركن اليماني تربت على كتاب ما قرأه قارئ إلا آجره الله .
ما تدبره متدبر إلا وفقه الله . كتاب مَن حكم به عدل من أستمع إليه استفاد مَن اتعظ بمواعظه انتفع . كتاب من قرأه علمه الله علم الأولين و الآخرين ، كتاب من استنار بنوره دخل الجنة و من تقفاه وجعله خلف ظهره قذفه على وجهه في النار كتاب من تدبره أخرج النفاق و الشك و الريبة من قلبه هو شفاء لما في الصدور مَن التمس الهداية فيه هداه الله و سدده و من التمس الهدى من غيره أضله الله وأهانه الله ( ومن يهن الله فما له مِن مُكْرِم ) يقول شيخ الإسلام [ابن تيمية] رحمه الله من اعتقد أنه سيهتدي بهدى غير هدى الله فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ويقول جل ذكره ( أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها ) والمعني ما بهم لا يتدبرون ما فيه من العظات ما بهم لا يعيشون مع الآيات البينات والجواب رانَ على قلوبهم فأقفلت فلا تسمع وأوصدت فلا تنتفع ولو أنها تدبرت لفهمت كلام ربها فاهتدت بهدى باريها ويقول تعالى ( أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ) والاختلاف الكثير تجده في الكتب غير كتاب الله عز وجل أما كتابه ( فلا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد ) من قرأه بارك الله في عمره و بارك في ولده و بارك في ماله و من أعرض عنه محق الله عمره و أزال هيبته و أفنى كابره وصاغره و جعل معيشته ضنكا و حشر يوم القيامة أعمى ولذلك كان عليه الصلاة والسلام ينادي الناس جميعاً لقراءة القرآن والتلذذ بتلاوته و إلا يهجروه فيقول صلى الله عليه وسلم "اقرؤوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه" يأتيك القرآن يوم القيامة فيشفع لك عند من أنزله وعند من تكلم به في يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة فيدخلك الجنة بإذن الله تعالي ويقول صلى الله عليه وسلم "يؤتى بالقرآن وبأهله الذين كانوا يعملون به في الدنيا تقدمه سورة البقرة وآل عمران تحجان عن صاحبهما يوم القيامة" متفق عليه . ويقول النبي صلى الله عليه وسلم "اقرؤوا الزهراوين؛ البقرة وآل عمران فأنهما يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو كأنهما فِرقان من طير طواف تحاجان عن أصحابهما" "أقرءوا سورة البقرة فإن أخذها بركة وتركها حسرة ولا يستطيعها البطلة" يعني السحرة رواه [مسلم] . إن في سورة البقرة آية الكرسي من قرأها في ليلة لم يزل عليه من الله حافظا ولا يقربه شيطان حتى يصبح ، يقول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو يفاضل بين الناس : "خيركم من تعلم القرآن وعلمه" علامة الصدق والإيمان كثرة قراءة القرآن وعلامة القبول تدبر القرآن ولذلك يقول صلى الله عليه وسلم : "إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع به آخرين" قال [عمر بن الخطاب] رضي الله عنه لأحد ولاته على <مكة> وقد ترك <مكة> ولقيه في الطريق : كيف تركت <مكة> وأتيتني قال : وليت عليها فلاناً يا أمير المؤمنين قال و من هو ذا قال مولى لنا وعبد من عبيدنا قال [عمر] ثكلتك أمك تولى على <مكة> مولى قال يا أمير المؤمنين إنه حافظ لكتاب الله عالم بالفرائض فدمعت عينا عمر وقال صدق رسول الله "إن الله ليرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع به آخرين" يرفع الله به من اتبعوه وتدبروه ويضع من أعرضوا عنه فلم يقرءوه ولم يتدبروه ولم يعملوا به والعجيب أن تسمع من بعض هذه الأمة من يقول لأخيه وهو يحاوره والله ما قرأت القرآن ستة أشهر لا إله إلا الله أي قلب يعيش وهو لم يمر بكتاب الله ستة أشهر وهو يمر بالصحف اليومية والمجلات والقيل و القال والخزعبلات وآراء الماجنين والماجنات ( ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم يوم يقوم الناس لرب العالمين ) يقول الله عز وجل على لسان رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ( وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا ) يقول [ابن عباس] ـ رضى الله عنه وأرضاه ـ مَن لن يختم القرآن في شهر فقد هجره ، و هَجْرِ القرآن على أَدْرُبْ ، مِن الناس مَن يهجر العمل به و تلك والله هي الطامة و منهم من يهجر تلاوته فيقدم صحف البشر و مؤلفات البشر على كلام رب البشر يسهر على المذكرات يعللها ويلخص فوائدها وليس بها فوائد لكن كتاب الله يشكوه إلى الله كتاب الله يشكونا ، هجرناه وأهملناه وضيعناه وخالفنا أوامره و نواهيه ، قرآننا سار يشكو ما قرأناه ، عميٌ عن الذكر والآيات تندبنا لو كلم الذكر جلمودا لأحياه يقول صلى الله عليه وسلم يستثير الهمم لتطلب الأجر والثواب من عند باريها يقول صلى الله عليه وسلم : "اتلوا القرآن فإن الله يأجركم على تلاوته كل حرف بحسنة والحسنة بعشر أمثالها أما إني لا أقول ألف لام ميم حرف ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف" فعُدَّ يا عبد الله واقرأ واحتسب الأجر عند الله فإنك تأتي يوم القيامة وقد نصب لك في الجنة سلما بدرجات يقول الله لك بلا ترجمان اقرأ وارتق ورتل فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها فمن كان يقرأ في القرآن كثيرا رقى حتى يصبح كالكوكب الدري في سماء الجنة ثم هم على منازل هم درجات عند الله والله بصيرٌ بما يعملون ، عباد الله من حفظ القرآن فقد استدرج النبوة بين جنبيه غير أنه لا يوحي إليه ، لا حسد في الدنيا ولا في مناصبها ولا في أموالها لا حسد إلا في تلاوة القرآن آناء الليل وأطراف النهار ، بيت لا يقرأ فيه القرآن عششت فيه الهموم و الغموم والنفاق بيت سكنته المعاصي و والله لا يخرجها إلا القرآن وليس كل المؤمنين يجب عليهم قراءة كل القرآن كاملاً فمنهم من لا يقرأ القرآن وهو تقي عابد بار صالح خير لأنه لا يقرأ أصلاً فواجب مثل هؤلاء الذين فاتتهم القراءة أن يردد ما تيسر من سور يحفظونها وأن يسبحوا الله ويحمدوا الله و يهللوا و يكبروا و يصلوا على رسول الله ويتعلموا القرآن و إن شق عليهم فإن لهم أجرين عند الله ، كان ـ صلى الله عليه وسلم ـ يعيش مع القرآن بل كتابه الذي تربي عليه القرآن ، لم يكن عند الصحابة مؤلفات ولا صحف ولا مجلات ، معهم القرآن معلق في طرف البيت و السيف معلق في الطرف الأخر هم يمشون على الأرض وكل واحد منهم قرآن ، فتحوا الدنيا بآيات الله البينات وهذه معجزة رسولنا ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يأتي بكتاب فيتوارث منه العلماء مجلدات ومجلدات تملأ البيوت والمكتبات في كل الدهور والعصور .
أتى النبيون بالآيات فانصرمت *** وجئتنا بعظيمٍ غير مُنْصَرِمِ
آياته كلما طال المدى جُدُدُ *** يَزِيِنُهُنَّ جلالِ العِتْقِ والقِدَمِ

فيا أمة القرآن ويا حفظة كتاب الله من يقرأ القرآن إن لم تقرءوه من يتدبره إن لم تتدبروه من يعمل به إن لم تعملوا به أما سمعتم أساطين الكفر في كل مكان بدأوا الآن في الدخول في دين الله ظرافات ووحدانا بعد أن قال القرآن فيهم ( سنريهم آياتنا في الآفاق وفى أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق ) في وقت يخرج منه أبناء هذا الدين . الموازين عطلت وغدا القرد ليثا وأفلتت الغنم .

عباد الله ، ـ صلى الله عليه وسلم ـ قد كان يحب سماع القرآن كيف لا وهو كلام الله عز وجل ولذلك يقول لـ[ابن مسعود] كما في الصحيحين : " يا عبد الله اقرأ علىّ القرآن فيخجل عبد الله ويستحي من شيخه صلى الله عليه وسلم ويقول كيف أقرأ القرآن عليك وعليك أنزل ، قال : اقرأ فإني أحب أن أسمعه من غيري قال : فاندفعت أقرأ في سورة النساء فلما بلغت قول الله ( فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا ) قال حسبك حسبك ، فنظرت فإذا عيناه ـ صلى الله عليه وسلم ـ تذرفان" تأثر من كلام الله الذي يقود النفوس إلى باريها وتذكر ذاك اليوم الذي يكون فيه شهيدا على العالمين و ها هو صلى الله عليه وسلم يخرج بعد ما أظلم الليل يمر ببيوت الأنصار يستمع لحالهم في الليل يوم كانت بيوتهم حية بكتاب الله ، يوم ما ماتت بالأغاني والتمثيليات والمسلسلات والأفلام ، يوم كان ليلهم تعبداً هم فيه سجداً يمر ببيت [أبي موسى] فينصت لأبي موسى وهو يقرأ القرآن فلما جاء اليوم الثاني" قال يا أبا موسى لو رأيتني البارحة و أنا أستمع لك لقد أوتيت مزمارا من مزامير آل داود فيقول يا رسول الله أإنك كنت تستمع لي البارحة ، قال إي والذي نفسي بيده . وفى بعض الروايات أنه استمع ـ صلى الله عليه وسلم ـ له من صلاة العشاء حتى صلاة الفجر يقول [أبو موسى] يا رسول الله والذي نفسي بيدي لو أعلم أنك تستمع لي لَحَبَّرْتُهَ لك تَحْبِيِراً أي جودته وحسنته تحسيناً فانظروا كيف كان صلى الله عليه وسلم يعيش مع القرآن وللقرآن ، و كيف كان صحابته رضوان الله عليهم ها هو [عثمان] ـ رضى الله عنه ـ كان ينشر المصحف من بعد الفجر إلى صلاة الظهر يقرأ ودموعه تنهمر على كتاب الله فيقول له الناس لو خففت عن نفسك قال أما والله لو طهرت قلوبنا ما شبعنا من القرآن .
والذي نلاحظه يا عباد الله في أنفسنا وإخواننا المسلمين عامة هو قلة الاهتمام بكتاب الله والإعراض عن كتاب الله والاستغناء بكتب البشر و الصدود والإعراض إلا ممن رحم الله و قلة التجويد حتى في بعض أئمة المساجد و قلة الحفظ والتدبر وكثرة المشاغل حتى بين طلبة العلم لا تجدوا إلا القليل النادر ممن يحفظ القرآن أو يحفظ بعضه و إذا كلف أحدنا بحفظ شيئاً من القرآن استصعب ذلك حتى كأن جبال الدنيا على كاهله و معنى ذلك هزيمة الإسلام و المسلمين وذهاب الإيمان فوالله لا نصر و لا تمكين و لا عزة إلا بهذا القرآن و الله متى تركناه و نسيناه ابتلينا بكل خزيٍ وفضيحةٍ في الدنيا والآخرة .

يقول أحد أعداء الإسلام من لي بمن يخرج القرآن من صدور أبناء الإسلام فيرد أحد الأشقياء ويقول نأتي إلى المصحف فنمزقه قال لا لا ينفع نريد أن نمزقه من قلوبهم وقلوب أبنائهم .
و يقول عدو أخر للإسلام ثلاث ما دامت عند المسلمين فلن تستطيعوا إخراجهم من دينهم ؛ القرآن في صدورهم والمنبر يوم الجمعة والكعبة التي يرتادها الملايين من المسلمين فإذا قضي على هذه قضي على الإسلام والمسلمين و لذلك جاء أعداء الإسلام يهودٌ وأذنابهم من شيعة و باطنيين ورافضة جاءوا إلى القرآن فهونوا من شأنه ، و قالوا إنه مختلق ، بل اِدَّعُوا نقصه فعلماؤهم لا يحفظون من كتاب الله إلا القليل وعالمهم أقصد عالم الرافضة لا يعرف قراءة القرآن ( يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون ) وأتوا إلى منبر الجمعة فأرادوا تعطيله ليتحول إلى مناقشة قضايا تافهة لا تمت إلى الإيمان بصلة ( وما كيد الكافرين إلا في ضلال )
فيا أيتها الأمة المسلمة يا من أخرجها الله من الظلمات إلى النور أقبلوا على بيوتكم وقلوبكم وأبنائكم أقبلوا عليها بتغذيتها بكتاب الله ، استرشدوه يرشدكم ، تدبروه يعينكم بإذن الله ، استهدوه يهدكم من أنزله ، يغفر الله لكم ذنوبكم ما تقدم منها وما تأخر يحيي بيوتكم على الإيمان يردكم إليه رداً جميلاً ، هذا شهر القرآن هذا شهر التلاوة هذا شهر مضاعفة الأجور إقرأوا فيه القرآن فإن الله يأجركم على تدبره وتلاوته والنظر فيه ملأ الله بيوتكم رحمة وبركة وهداية ونورا وقلوبكم وملأ صدوركم إيمانا ويقينا وخيرا وبرا عاشروا القرآن جالسوا القرآن ليعظم في قلوبكم القرآن اللهم أعنا على تلاوة كتابك آناء الليل وأطراف النهار اللهم اجعلنا ممن يقرأوه فيقودهم إلى جنان النعيم اللهم و تقبل منا رمضان صيامه وقيامه وتلاوته وصدقته وكل عمل صالح فيه إنك على كل شيء قدير أقول ما تسمعون وأستغفر الله فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم .
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا لإله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وصحبه والتابعين له بإحسان وسلما تسليماً كبيراً أما بعد عباد الله ، شهر رمضان هو شهر القرآن و أنتم أمة القرآن وحملة القرآن ينبغي أن تُعْرَفوا بليلكم إذ الناس ينامون وبنهاركم إذ الناس يكدون و يلهون و يلعبون وببكائكم إذ الناس يضحكون وبورعكم إذ الناس يخلطون وبتواضعكم إذ الناس يختالون وبصمتكم إذ الناس يخوضون وبحزنكم إذ الناس يفرحون لسان حال الواحد منكم يخاطب نفسه ويقول :
وَيْحُكِ يا نَفْسُ أَلاَ تَيَقَّظِي *** للنفع قبل أن تذل قدمي
مضى الزمان في ثوانٍ وهوى *** فاستدركي ما قد بقي واغتنمي
أُمَّة القرآن ، لتلاوة القرآن آداب نقف عندها وقفات قصيرة عل الله أن ينفع بها و أولها بل جماعها أن من قرأ رياء أو سمعة كبه الله على وجه في النار.
في الصحيح أنه صلي الله عليه وسلم قال "يؤتي بحامل القرآن رياء فيقول الله له ماذا عملت قال تعلمت فيك القرآن وعلمته قال كذبت وإنما تعلمت ليقال عالم وقرأت ليقال قارئ فقد قيل ثم يُأْمَرُ به فيسحب على وجهه حتى يلقي في النار" فلا إله إلا الله لا يُقْرَأ القرآن إلا لوجه الله فأخلص النية في قراءته تؤجر وتثاب وتكون مع السفرة الكرام البررة و يشفع لكم يوم القيامة فيقول للعبد يا رب أي منعته النوم بالليل فشفعني فيه فيشفع فيه القرآن ومن آداب التلاوة أن يقرأ على طهارة لأن ذلك من تعظيم كلام الله عز وجل فإذا تتطهر العبد فليرتل وليتدبر القرآن ولا يقرأه في أماكن مستقذرة أو في جمع لا ينصت فيه له لأن قراءته في مثل ذلك إهانة له والقرآن منزه عن ذلك لأنه كلام الله وليستعذ القارئ بالله من الشيطان الرجيم عند القراءة فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم ولتحضر قلبك عند تلاوة القرآن ولتعلم أن الذي أنزل القرآن هو الذي خلق الأنس والجان فامتثل أمره واجتنب نهيه و لا ترفع صوتك إن كان حولك من يصلي أو يتلو فتشوش عليهم و هذا ما يقع فيه البعض و هو من علامة الجهل و عدم الفقه في الدين يأتي أحدهم ليقرأ فيرفع صوته ليشوش على المصلي في صلاته وعلى التالي في تلاوته وعلى الذاكر في ذكره وكأن ليس في المسجد سواه ، أَلاَ إن كان بجانبك من يستمع منك فلا بأس أن تسمعه وإن كان بجانبك مصلي فإياك أن ترفع صوتك لأَلاَّ تُشَوِّشْ عليه واسمع للمصطفى ـ صلى الله عليه وسلم ـ يوم يخرج على الناس وهم يصلون ويجهرون بالقراءة فيقول "كلكم ينادي ربه فلا يجهر بعضكم على بعض لا يؤذي بعضكم بعضا" أو كما قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ و اسمع إلى [الإمام مالك] ـ عليه رحمة الله ـ يوم يقول أرى في من يرفع صوته ويشوش على المصلين أن يُضْرَْب ويُخْرَج من المسجد ومن آداب التلاوة أن يكون للعبد المسلم حزب من القرآن فأكثر لا يَفْتُرْ عنه يومياً لو تغير كل شيء في الكون ما تغير عن حزبه فهو علامة الإيمان ألا فليكن لكل واحد منا في كل يوم حزب لا يتركه أبداً لتعظم الصلة بالقرآن و لرب القرآن و الإنس و الجان و مِن آدابه أن يُعَلَّم الناس ما تعلمناه منه و حظنا من تعليمه الأجر و المثوبة و نبدأ بتعليم أبنائنا وبناتنا و إخواننا و أمهاتنا و آبائنا فهم رعايانا نحن عنهم مسئولون وأمام الله محاسبون "و ما من راع استرعاه الله رعية فبات غاشاً لهم إلا حرم الله عليه رائحة الجنة" و من أعظم الغشَّ ألا تعلم من استرعاك الله عليه القرآن ويا من حمل القرآن إياك إياك أن تخالف أمره فإن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول فاسمع "يُمَثَّلُ القرآن يوم القيامة رجلا فيؤتى بالرجل قد حمله فخالف أمره فيُمَثَّل له خَصْما و من لا يُخاصِمُ القرآن فيقول القرآن يا رب حَمَّلْتَه إياي فبئس الحامل تعدى حدودي وضيع فرائضي وركب معصيتي وترك طاعتي فما يزال يخلف عليه بالحُجَجِ حتى يقال شأنك به فيأخذه بيده فما يرسله حتى يكبه على وجهه في النار" نعوذ بالله من النار يا أمة القرآن في شهر القرآن قفوا عند أحكام القرآن و اتلوه في كل حين وآن فهو شافع مشفع مَن جعله أمامه قاده إلى الجنة ومن جعله خلف ظهره ساقه إلى النار و بئس القرار ألا يا أمة القرآن و إن مما دعاكم له القرآن أن تنفقوا في سبيل الله مما رزقكم و جعلكم مستخلفين فيه و أنتم في شهر الإنفاق و في شهر الصدقة و قد قال ـ صلي الله عليه وسلم ـ "أفضل الصدقة صدقة في رمضان" فيا أخي الصائم للصدقة في رمضان مزية وخصوصية ليست في غيره فبادر إليها فلعلك لا تدرك رمضاناً آخر . أطعم الطعام لتكن ممن امتدحهم القرآن ( ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً ) و اسمع إلى المصطفى ـ صلى الله عليه وسلم ـ يوم يقول "أيما عبد مؤمن أطعم مؤمنا على جوع أطعمه الله من ثمار الجنة ومن سقى مؤمنا على ظمئ سقاه الله من الرحيق المختوم" فلا إله إلا الله ما أعظم الأجر وما أيسر العمل على من يسره الله عليه ويقول صلى الله عليه وسلم "ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم وينظر أشمل منه فلا يرى إلا ما قدم وينظر أمامه فلا يرى إلا النار فاتقوا النار و لو بشق تمرة فاتقوا النار و لو بشق تمرة" ويقول ـ صلى الله عليه وسلم ـ "من فطر صائماً كان له مثل أجره لا ينقص من أجره شيء و من سقى صائماً سقاه الله من حوضي شربة لا يظمأ من بعدها حتى يدخل الجنة" لا إله إلا الله هبت رياح الجنة في رمضان فاغتنموها يا عباد الله ألا لا يخرج أحد من بيت الله هذا إلاَّ و قد فَطَّرَ في أقل القليل عشرة من الصيام أو أقل أو أكثر وكل صائم بعشرة ريالات والجزاء من أكرم الأكرمين توضع هذه في صناديق موجودة على يمينك و يسارك وأنت خارج من هذا المسجد و ستقوم الهيئة بجمعها وإرسالها فوراً فبادر أيها الصائم إلى الغنيمة الباردة ضيوفك اليوم عشرة صائمين أو أقل أو أكثر و الأجر من أكرم الأكرمين لك مثل أجرهم لا ينقص من أجرهم شيئا و كل على قدر استطاعته
الله أعطاك فابذل من عطاياه *** فالمال عارية والعمر رحال
ويا أهل الخير في هذا المسجد وكلكم أهل خير أطفال أيتام توجد استماراتهم في مكاتب الهيئة هنا كفالة الواحد منهم في العام ألف ومائتا ريال ينتظرون من يكفلهم بادروا إلى كفالتهم ولكم الجنة من أكرم الأكرمين والضمين رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ القائل "أنا و كافل اليتيم كهاتين في الجنة" ألا لا يأتين أحدكم يوم القيامة وخصمه أحد هؤلاء يقول يا رب عُرِضت عليهم في يوم كذا في مسجد كذا فتركوني فخذ لي بحقي منهم عباد الله أقرءوا القرآن و تصدقوا قبل ألا تتصدقوا ، و كل يوم جمعة في رمضان سيكون لفقراء المسلمين معكم لقاء ، لقاء ضيافة و الجزاء من أكرم الأكرمين فاحتسبوا الأجر و الثواب ممن يرزق الطير تغدو خماصا و تعود بطانا أطعمكم الله من ثمار الجنة وسقاكم من الرحيق المختوم ألا وصلوا وسلموا على نبيكم محمد فقد أمرتم بالصلاة عليه ( إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً ) اللهم صل وسلم على عبدك و رسولك محمد و على آله وصحبه و التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين اللهم اجعلنا من أهل القرآن الذين هم أهلك و خاصتك اللهم شَفِّع فينا القرآن اللهم ارفعنا بالقرآن اللهم أحينا على الإسلام و الإيمان و القرآن و توفنا على الإسلام والإيمان و القرآن اللهم اجعلنا ممن يأخذ بيده القرآن إلى رضوانك والجنة ونعوذ بك أن يكون القرآن خصماً علينا يوم الوقوف بين يديك اللهم اجعلنا ممن يقيم حدوده ويعمل بأوامره ويتلوه على الوجه الذي يرضيك عنا اللهم اجعلنا لكتابك من التالين ولك به من العاملين و إلى لذيذ خطابه مستمعين وبما فيه من الحكم معتبرين اللهم انفعنا بما فرجت به من الآيات وكفر عنا به السيئات وارفع لنا به الدرجات وهون علينا به السكرات عند الممات اللهم و أوجب لنا به الشرف و المزيد و ألحقنا بكل بر سعيد و وفقنا جميعاً للعمل الصالح الرشيد اللهم إنا عبيدك بنو عبيدك بنو إمائك نواصينا بيدك ماضٍ فينا حكمك عدل فينا قضاؤك نسألك اللهم بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن الكريم ربيع قلوبنا و نور صدورنا وجلاء أحزاننا و ذهاب غمومنا و همومنا. و سابِقَنَا ودليلنا إليك و إلى جنانك جنات النعيم اللهم ألبسنا به الحلل و أَسْكِنَّا به الظلل و ادفع به عنا المقن و اجعلنا به عند الجزاء من الفائزين و عند النعماء من الشاكرين وعند البلاء من الصابرين و لا تجعلنا ممن استهوته الشياطين فشغلته بالدنيا عن الدين فأصبح من الخاسرين وفى الآخرة من النادمين برحمتك يا أرحم الراحمين اللهم و اجعلنا من المنفقين المبتغين جنة عدن بحورها العين اللهم تقبل منا صيامنا و قيامنا و سائر عملنا اللهم لا تصرف هذا الجمع إلا بذنب مغفور و عيب مستور و عمل مقبول و تجارة لن تبور اللهم لا ترُدَّ هذا الجمع خائبين اللهم تقبل منا إنك أنت السميع العليم و تب علينا إنك أنت التواب الرحيم اذكروا الله يذكركم و اشكروه على نعمه يزدكم و لذكر الله أكبر و الله يعلم بما تصنعون .
فضيلة الشيخ / علي عبد الخالق القرني




بسم الله الرحمن الرحيم(رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) [البقرة/286]


Sahar
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sadakasoft.ahlamountada.net
زكرياء
مدير الموقع
مدير الموقع


البلد: غير معروف
الهواية :
عدد المساهمات عدد المساهمات: 6490
الجنس: ذكر
نقاط: 171369
السمعة السمعة: 99

مُساهمةموضوع: رد: موسوعة الخطب المكتوبة و الدروس    الإثنين أكتوبر 07, 2013 7:02 pm

اقتباس :
بسم الله الرحمن الرحيم
كل منا ممتحن
عباد الله ؛ والأمة تمتحن امتحانات يصنع تاريخها من خلالها . غدًا يخوض أبناؤنا وإخواننا ذكورًا وإناثًا غمار الامتحانات الدراسية ، وبهذه المناسبة تجد القلوب وَجِلَة ، والأذهان قلقة ، والآذان تتلقف الأخبار عن الامتحان ، قلَّمَا تجد منزلا لم تعلن فيه حالات الطوارئ ، كل أب ينتظر بصبر وعلى مضض نتيجة ابنه في هذا الامتحان ؛ لأنه يرجو له النجاح ، تراه يدعو الله بتوفيقه وتسديده وتثبيته ، يعده ويمنِّيه إن نجح ، ويتوعده ويحذره ويهدده إن رسب ، وهذا إحساس من الأحاسيس التي فُطِر عليها البشر . لكن أيها الأب الحنون وقد اهتممت بابنك هذا الاهتمام، فأنت به الآن مشغول، تسعى وتصول وتجول، تهتم به وترعى ، وتحس أنك عنه مسؤول. فهلا كان الاهتمام بآخرته كالاهتمام بدنياه، هلاَّ كان الاهتمام به بعد موته كالاهتمام براحته في حياته ، علمك وما علمك ، مسئوليتك وما مسئوليتك ، أحاطت بعلوم الدنيا فأهملت الأخرى الباقية ، شغلت به في حياته ، وأهملته بعد مماته، بنيت له بيت الطين والإسمنت في دنياه ، وحرمته بيت اللؤلؤ والياقوت والمرجان في أخراه . نظرتك وما نظرتك ، طموحك ، أمَلُك ، غاية مُنَاكَ أن يكون طبيبًا أو مهندسًا أو طيارًا أو عسكريًا . و يا الله كل الأماني دنيوية! السعي والجد للفانية مع إهمال الباقية ، هذه ليست حالة نادرة ، بل قسم من الناس على ذلك . تأهبوا واستعدوا وعملوا على تربية أبناءهم أجسادًا وعقولا ، وأهملوا تربية القلوب التي بها يحيون ويسعدون ، أو بها يشقون.
هذا هو الواقع ، والأدلة على ما نقول هاكها أيها الأب الحنون .
هب أن ابنك تأخر في نومه عن وقت الامتحان ، ما حالتك ؟ ما شعورك ؟ ألا تسابق الزمن ليلحق الامتحان ؟ ألا تنام بعدها بنصف عين لألا يفوته الامتحان ؟ كأن الجواب يقول : بلى . هل كان شعورك حين نام عن صلاة الفجر كشعورك حين نام عن امتحانه ؟ ألا تسأله كل يوم عن امتحانه ؟ ماذا عمل ؟ وبماذا أجاب ؟ وعسى أن يكون الجواب صحيحًا . فهل سألته عن أمر دينه يوما ما ؟ ألا يضيق صدرك ويعلو همُّك حين تعلم أن ابنك قصَّر في الإجابة ؟ فهل ضاق صدرك حين قصَّر في سنن دينه وواجباته ؟ ألا تأتيه بالمدرس الخصوصي إن لم يستطع تجاوز الامتحان ، وتعطيه ما يريد ؟ ألا تمنعه من الملاهي التي رحبت بها في بيتك من فيديو وتلفاز وصحف ومجلات لئلا تشغله عن المذاكرة والاستعداد للامتحان ؟

فما عساك فاعل أيها الأب الحنون في امتحان ليس له دور ثان ، ولا إعادة ، ولا حمل للمواد ؟ فقط نجاح أو رسوب ، والرسوب معناه الإقامة في النار أبد الآبدين، معناه الخسران المبين ، والعذاب المهين ، ماذا تغني عنه شهادته ومركزه وماله إذا أُوتيَ كتابه بشماله ، ثم صاح بأعلى صوته ( يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ ) ما أغنى عني مركزي ، ما أغنى عني سلطاني ، ما أغنى عني علمي الدنيوي وشهادتي . كل ذلك هَلَك واندَثَر ، هلك عني سلطاني ( خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ ) خسارة ورسوب، وأي خسارة، وأي رسوب. تكون في الدنيا طبيبًا أو مهندِسًا أو رسَّامًا أو مُدرِّسا ، أما الآخرة فمؤمن وكافر ، فريقان ؛ فريق في الجنة ، وفريق في السعير .
لا نقول: أهملوا أبناءكم، ولا نقول : دعوهم ، لا والله، بل نقول : إن الآخرة هي أولى بالاهتمام ، وأجدر بالسعي ، وأحق بالعمل .

أيها الأحبة مَن أب حرص على جلب مرب لابنه يعلمه القرآن ويدارسه السُّنَّة ، قليل من فعل ذلك ، وليت الذي لم يفعل إذ لم يفعل جَنَّب ابنه عوامل الفساد والإفساد ، لكن البعض حَشَفاً وسوء كيل، جلب لابنه سائقًا وخادمًا وسيارة ، وهيأ له بيتًا ملأه بكل الملهيات عن ذكر الله وطاعته .
من أب فيكم أعطى لابنه جائزة يوم حفظ جزءًا من القرآن ، أو تعلَّم حديثًا لخير بني الإنسان عليه الصلاة والسلام ، قليل من فعل ذلك ، ونسأل الله أن يبارك في القليل ، لكنَّ البعض منا يَعِد ابنه إن نجح بقضاء أمتع الأوقات على الشواطئ في أي البلاد ، وما وعد ابنه مرة إن نجح بزيارة مسجد رسول الأنام –عليه الصلاة والسلام-.

فماذا كانت النتيجة ؟ النتيجة أن نشأ نشء منا ، مِن أبنائنا يعرفون بلاد الكفر أكثر مما يعرفون مكة والمدينة النبوية . النتيجة أن اتجه شبابنا إلى الملاعب يوم نادى المنادي حي على الصلاة ، حي على الفلاح . النتيجة أن حلّ محل المصحف مجلة ، ومحل السواك سيجارة . النتيجة أن نشأ فينا نشء كالأنعام بل هم أضل ، أولئك هم الغافلون .
إن ابنًا بنيناه جسدًا حَريٌ بنا أن نربي عقله وقلبه ، ونهتم بحياته بعد موته ، وأول خطوة إلى ذلك أن نصلح أنفسنا ؛ ففي صلاحنا وبصلاحنا تكون استقامتهم ، ورعاية الله لهم ، قال تعالى: ( وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا ) وثانيها : أن نجعل التربية الإسلامية غاية وهدفًا ، لا مانع من تعلُّم العلوم الدنيوية ، ولكن ليس على حساب الاهتمام بالآخرة. (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللهُ الدَّارَ الآَخِرَةَ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا )

فيا عبد الله اتقِ الله في رعيَّتك ؛ فأنت عنهم مسئول أمام الله . اتق الله أن يستأمنك الله عليهم فتشرع لهم أبواب الفتن ؛ من أفلام وأجهزة خبيثة عديدة ، ومجلات فاتنة صفيقة .
يا عبد الله يوم تهتم هذا الاهتمام المادي بابنك يصبح ابنك مركِّزًا كل همِّه في ثوبه و غطرته و مسكنه ومأكله ومشربه وسيارته . جزاك الله خيرًا على اهتمامك به ماديًا ، لكن ماذا فعلت لتؤنسه في وحدته ، إذا ما دفنته في التراب ما أنت صانع بشهادته ؟ قد يرسب الآن في مادة أو مادتين ، قد ينجح فيهما غدًا أو بعد غد، والمجال مفتوح للتعويض ، لكن لا تعويض في الآخرة .
أعمال العمر كله تعرض الآن للتصحيح في وقت واحد ، عليها لِجَان دقيقة ، وسجلات وثيقة ، لا تغادر صغيرة ولا كبيرة ، لجنة كالمحْكَمَة ؛ رئيس وأعضاء وشهود ومحام ومدعٍ عام ، أما الرئيس – فسبحانه وبحمده – أحكم الحاكمين ، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، وأما أعضاء المحكمة فملائكة الحساب، وأما الشهود فمنك وفيك؛ هم الأعضاء ( يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يكسبون ) وأما المدَّعي العام فهي الرسالة التي بلغتك من الله، عن طريق رسول الله –صلى الله عليه وسلم- وأما المحامي فهو القرآن الذي يأتي يوم القيامة حجيجًا لك أو حجيجًا عليك .
يا عبد الله يوم غد ليس مضمونًا ، قد تسعى وتتعب وتزرع فلا تحصد ، قد تدرس وتختبر فلا تدرك النتيجة ، أما وقد بلغتك الرسالة فقد وجب الامتحان ووجبت النتيجة . يا أيها الأب الحنون أدعوك إلى التأمل في وصية لقمان لابنه الذي يحبه ، ويفتديه بالغالي والنفيس . هل أوصاه بدنيا ؟ هل أوصاه بزخرف ؟ لا، بل دعاه لما يحييه حياة طيبة ، وينجيه من العذاب الأليم ، نهاه أن يشرك بالله ( إنَّ الشَّرْكَ لَظُلْمُ عَظِيمٌ ) وأخبره أن الله محيط بكل شيء ، لا يعجزه شيء، ودلَّه على ما ينجيه من الله ؛ ألا هو الهرب منه إليه –تبارك وتعالى- بإقامة الصلاة ، بالأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر، بصبر على ما يصيبه من جرَّاء ذلك ، ثم يدلَّه على مكارم الأخلاق التي تسمو بها نفسه ، ويعلو بها مركزه . فلا تكبُّر على الخلق، ولا ذلة مع قصد في المشية ، وخفض في الصوت ( إنَّ أَنْكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوتُ الحَمِيرِ ) تلك يا عبد الله جملة وصية الأب الحنون حقا .
فهل رجعت إلى القرآن ، فقرأت هذه الوصايا ، فعملت بهذه الوصية مع ابنك ؟ هل أوصيته ببعضها أو بها جميعها. لا إله إلا الله ! إن ديدن بعض الأباء تثبيط هِمَم أبنائهم ، وتكسير مجاديفهم . أقول ذلك ونحن نعيش التدريس عن كسب ، إذا ما هدى الله ابن بعضهم ذعروا وهبُّوا ووصفوه بالوسواس ، ووسموه بالعُقَدِ النَّفسية، سخروا منه وهزئوا به، ولا أدري أيسخرون من شخصه أم من دينه الذي يحمله ويمثله ( أَفِي قُلُوبِهِم مرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ اللهُ عليهم) أهذه هي الأمانة أيها الأب ؟ " ما من راعٍ استرعاه الله رعية فبات غاشًا لهم إلا حرم الله عليه رائحة الجنة". عباد الله ولنا في سِيَر الأخيار عظات وعِبَر ، لقد امتحنوا فنجحوا وتفوَّقوا ، فبهم
فتشبهوا بهم إن لم تكونوا مثلهم *** إن التشبُّه بالكرام فلاح

هاهو [عمر بن عبد العزيز] -عليه رحمات رب جليل- يعود يومًا بعد صلاة العشاء إلى داره -وهو خليفة المسلمين، مقدرات الأمة بين يديه- يلمح بناته الصغار، فيسلم عليهن كعادته ، وكنّ يسارعن إلى تقبيله ، لكنهن هَرَبْنَ هذه المرة ، وهنَّ يغطين أفواههن ، فقال لزوجه: ما شأنهن ؟ قالت: لم يكن لديهن ما يتعشين به سوى عدس وبصل ، فكرهن أن تشم من أفواههن رائحة البصل ، فبكى وأجهش بالبكاء وهو يئن تحت وطأة المسؤولية ، ميزانية الأمَّة تحت يديه، يقول: يا بنياتي أينفعكن أن تتعشين أطيب الطعام والشراب ، وتكتسين أجمل الثياب من مال الأمة ، ثم يُأمر بأبيكن إلى النار ؟ قلن: لا ، لا ، ثم اندفعن يبكين . فلا والله لا تسمع في البيت إلا الحنين والأنين . لما حلَّت به سكرات الموت –عليه رحمة الله- دخل عليه [مسلمة] وقال : لقد تركت أبناءك فقراء جوعى فأوصِ بهم إلىَّ أو إلى أحد من أهل بيتك ، وكان مُضَّجعًا قال: أسندوني ، ثم صرخ ، والله ما منعت أبنائي حقًا لهم ، والله لن أعطيهم ما ليس لهم ، أما أن أوصي بهم إليك أو إلى غيرك فلا ، إن وصيَّ وولِيَّ فيهم الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين ، إن بنىَّ أحد رجلين ؛ إما رجل يتقي الله فسيجعل الله له مخرجًا ، ويرزقه من حيث لا يحتسب ، وإما رجل مكبٌّ على المعاصي فوالله لم أكن لأقويه على معصية الله ، ثم طلب جميع أولاده وهم بضعة عشر فاجتمعوا ، فنظر إليهم ، ثم ذرفت عيناه دموعًا حرَّى ، وقال: أفديكم بنفسي أيها الفتية الذين تركتهم فقراء لا شيء لهم ، يا بني إن أباكم خُيِّر بين أن تستغنوا ويدخل النار، أو تفتقروا ويدخل الجنة ، فكان أن تفتقروا ويدخل الجنة أحب إليه من أن تستغنوا ويدخل النار، إن وليَّي فيكم الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين ، ثم تلا قوله تعالي: ( تِلْكَ الدَّارُ الآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا للذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوا فِي الأرْضِ وَلاَ فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ) عباد الله كلنا في امتحان ، فبين راسب وناجح ، والمادة هي لا إله إلا الله ، محمد رسول الله ، بين عامل بمقتضاها قائم بأركانها وشروطها وواجباتها ، قالها موقنا محبًا منقادًا مستسلمًا ، صدَّقها قلبه ، وعملت جوارحه بها ، فهو الناجح ، وأي نجاح ! . وآخر قالها بلسانه وما صدقها بالعمل ، فهو الراسب المنافق . وآخر لم ينطقها ، فإلى جهنم وبئس القرار . هاهي رسالة امتحان ، تأتي لصلاح الدين من أحد المسلمين على لسان المسجد الأقصى الأسير في يد الصليبين يوم ذاك ، واليهود اليوم مع الصليبيين، تقول الرسالة وهي امتحان واختبار لصلاح الدين :
يا أيها الملك الذي *** لمعالم الصلبان نكَّس
جاءت إليك ظِلامَةٌ *** تسعى من البيت المقدس
كل المساجد طهِّرت *** وأنا على شرفي منجَّس
امتحان لصلاح قام صلاح الدين فيه يصوم نهاره ، ويقوم ليله ، ويشحذ هِمَمَ الأمة الإسلامية ، ويصدر أوامره ألا يضحك أحد ، ولا يمزح أحد ، ولا يفكر أحد إلا باسترداد بيت المقدس ، ويقودها حملة لا تبقي ولا تذر بعد استعداد جيد للامتحان ، فيدمر الصليب ، ويحرر فلسطين والمسجد الأقصى ؛ ليكون قدوة لمن يريد استعادة الأقصى السليب. ثم ماذا بعد صلاح الدين أيها الأخوة ؟ استيقظ اليهود يوم نمنا فدنَّسوه ، ودخلوا إلى قبر صلاح الدين ورفسوه ، وقالوا : ها قد عدنا يا صلاح الدين، فيا ليت صلاح الدين يرى المؤامرات على أقصانا ، وما هدم العدو وما استباح ، ليته يرى كيف بغى اليهود ، وكيف أحسنَّا الصياح. إن أسئلة الامتحان التي قُدِّمت لصلاح الدين ، أسئلة الآن تُقدَّم لنا ، لكن صلاح الدين حلَّ الأسئلة بنفسه ، ونحن أحلنا حلَّ الأسئلة إلى غيرنا ، فكان ما كان .
سقوا فلسطين أحلامًا منوِّمَة *** وأطعموها سخيف القول والخُطَب

لكني أقول يا عباد الله : لا يأس ، لا قنوط ، سَتُحلُّ الأسئلة ، وستبقى طائفة على الحق ؛ لتقود الأمة ليعود الأقصى ، ويعود فلسطين والعاقبة للمتقين .
لا يأس يسكننا فإن كبر الأسى *** وبغي فإن يقين قلبي أكبر
في منهج الرحمن أمن مخاوفي *** وإليه في ليل الشدائد نجأر
وإن عرف التاريخ أوسًا وخزرجًا *** فلِلَّه أوس قادمون وخزرج

أيها الآباء وأنتم تعدون أبناءكم للامتحان اتقوا الله فيهم ، اعلموا وعلموهم أن سلعة الله أغلى وأعلى . علِّموهم أن الامتحان والنجاح بقَصْر النفس على ما يرضي الله ، علموهم أن السعادة في تقوى الله ، واعلموا أنتم أنه لن ينصرف أحد من الموقف وله عند أحد مَظْلَمَة. يفرح ابنك أن يجد عندك مظلمة ، تفرح زوجتك أن تجد عندك مظلمة ، يأتي ابنك يقف يحاجّك بين يدي الله قائلا : يا رب سل أبي لِمَ ضيعني عن العمل لما يرضيك ، ورباني كالبهيمة ، ما يكون جوابك أيها الأب الحنون ؟ أَعِدَّ للسؤالِ جوابًا.
يا أيها الابن تيقَّظ وانتبه *** وأقبل بقلب على مولاك تظفر باهتداء
وقف بالباب واطلب منه فتحًا ***عسى تحظى به صبح امتحان
اللهم إنَّا نسألك أن تجعلنا من الفائزين الناجين يوم القُدُوم عليك يا أكرم الأكرمين . اللهم إنا نسألك التوفيق لأبنائنا وبناتنا وإخواننا وأخواتنا. اللهم لا تضيِّع تعبهم ، ولا تبدِّد جهدهم. اللهم ذكِّرهم ما نسوا، وعلِّمهم ما جهلوا ، ووفِّقهم لخَيرَي الدنيا والآخرة يا أكرم الأكرمين . أقول ما تسمعون ، واستغفر الله فاستغفروه ؛ إنه هو الغفور الرحيم .


وعندها يتبين الصادق من غيره . هل صليت وصمت لله يا عبد الله ؟ هل أطعت الله ورسوله ؟ هل تحب الخير وأهله ؟ هذه أسئلة ، أسئلة تتردد على مسامعكم ، هل تبغض الشر وأهله ؟ هل تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر ؟ هل تحب للناس ما تحب لنفسك ؟ هل سلمت أعراض المسلمين من لسانك ؟ هل يطمئن قلبك بذكر الله؟ هل يتعلق قلبك بالله في الشدة والرَّخاء ؟ هل نزّهت أذنك عن سماع ما يغضب الله ؟ هل غضضت عن محارم الله؟ هل غضبت لله ؟ هل أحببت في الله ؟ هل أبغضت في الله ؟ هل أعطيت لله ، ومنعت لله ؟ هل استسلمت لأمر الله ؟ هل استسلمت لأمره يوم يأمرك بالحجاب فحجبت أهل بيتك امتثالا لقول الله : ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلاَبِيبِهِنَّ ) الأسئلة كثيرة تترد عليك صباح مساء ، إن كان الجواب بنعم فأنت من الناجحين الفائزين بإذن رب العالمين ، وإن كان الجواب بلا فعُدْ إلى الله ما دمت في زمن الإمهال ، واندم واقلع وردّ المظالم لأهلها قبل وضع الميزان ، وتطاير الصحف ، وعبور الصراط يوم ينسى الخليل خليله ، والصاحب صاحبه ، وكلٌ يقول: نفسي نفسي ، والرسل تقول : اللهم سلِّم سلِّم .

أيها المُمْـتَحِن –وكلنا مُمْـتحَن- تذكر وقوفك لاستلام النتيجة ، يوم يوقف العبد بين كفتي الميزان ، ويوكل به ملك ، فإن ثقل ميزانه نادى بصوت يسمع الخلائق : لقد سعد فلان ابن فلان سعا




بسم الله الرحمن الرحيم(رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) [البقرة/286]


Sahar
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sadakasoft.ahlamountada.net
زكرياء
مدير الموقع
مدير الموقع


البلد: غير معروف
الهواية :
عدد المساهمات عدد المساهمات: 6490
الجنس: ذكر
نقاط: 171369
السمعة السمعة: 99

مُساهمةموضوع: رد: موسوعة الخطب المكتوبة و الدروس    الإثنين أكتوبر 07, 2013 7:04 pm

 ما لهم الـذي تحمله ؟عنوان المادة
ناصر ابن سليمان العُمر فضيلة الشيـخ
بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره.
ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا.
من يهدي الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له.
واشهد أن محمدا عبده ورسوله  تسليما كثيرا.
( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته، ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون)
( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا، يصلح لكم أعمالكم، ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما ).
أما بعد فأيها الأخوة المؤمنون، سلام الله عليكم ورحمته وبركاته.
أيها الأحبة، هذا الموضوع موضوع يهم الجميع رجالا ونساء شبابا وكهولا وشيبا.
هذا الموضوع أيها الأحبة الذي يحمل هذا السؤال:
ما الهم الذي تحمله ؟
ما سبب هذا الموضوع أيها الأخوة ؟
سبب هذا الموضوع، هناك سببان رئيسان :
السبب الأول ما رأيته من هذه الصحوة المباركة:
التي تعد بمئات الآلاف بل بالملايين، فعندما تذهب إلى مسجد من المساجد تجده مليئا بالمصلين وبالمتعلمين، بالراكعين وبالساجدين، عندما نلتقي في مناسبة كُثر، في المحاضرات ودروس العلم نجد أولئك الذين يقبلون على هذه المحاضرات وعلى هذه الدروس وهم بعشرات الآلاف، عندما نذهب لبلد من البلدان سواء داخل هذه البلاد أو خارجها ماذا نجد؟
نجد كما قلت مئات الألوف، لا أعني أننا لا بد أن نلقاهم ولكننا نسمع عنهم رجالا ونساء.
عندما رأيت هذا العدد لهائل ورأيت هذه الملايين كما قلت، ورأيت هذه اليقظة المباركة، ونظرت إلى الأعمال التي تؤدى، ونظرت إلى النتائج التي نرجو، فإذا هي لا تتناسب أبدا مع هذا العدد الهائل الذي أشرت إليه.
هذه الملايين التي تمثل هذه الصحوة المباركة من الرجال والنساء، نتائج أعمالها لا تمثل هذا الواقع التي تعيشه الصحوة فتساءلت ما السر في ذلك ؟
لماذا لا نرى أعمالا تتناسب مع هذه الطاقات ومع هذه المواهب ومع هذه الأعداد.
فجلست أتأمل وأفكر في هذه القضية.
السبب الثاني ما رأيته من أعداء الله:
من حرص ومن دأب ومن نشاط ومن عمل ضد الإسلام، هذا العمل الدؤوب الذي نسمع آثاره وأخباره في كل يوم.
أسألكم أيها الأحبة، هل استمعتم في يوم من الأيام ومنذ عدة سنين إلى نشرة من نشرات الأخبار ولم تسمعوا في هذه النشرة خبرا أو أكثر من خبر من آثار أعداء الله ومن مؤامرتهم على الأمة الإسلامية ؟
لا أظننا منذ سنوات  نستمع إلى نشرة من نشرات الأخبار من أي إذاعة كانت إلا ونجد خبرا رئيسا أو أكثر من خبر يدل ويمثل ما عليه أعداء الله جل وعلا وما يقوم به أعداء الله.
أقول أيها الأخوة، الذي يرى ويستمع إلى جهود أعداء الله يتعجب، وهم على الباطل، وهم على الكفر يرى والله عجبا، يرى جهودا متواصلة، ويرى أيضا ثمارا لهذه الجهود، ولا أذهب بكم بعيدا، إننا نرى جهود أعداء الله جل وعلا في بلادنا بلاد التوحيد.
خروج النساء إلى الأسواق كاسيات عاريات أثر من جهود عظيمة عملها أعداء الله.
ما يسمى بالبث المباشر هذه البلية التي بلينا بها أخيرا أو ما سمى بالدُش، أتعلمون منذ كم بدء؟  منذ عام ألف وأربعمائة هجرية أي منذ قرابة خمسة عشر عاما وأعداء الله على قدم وساق نشاطهم من أجل الوصول إلى النتيجة التي وصلوا إليها بعد سنوات.
وأذكر أن أحد وزراء الإعلام وهو زير الإعلام السابق ذكر في محاضرة ألقاها في كلية الشرعية في حدود عام 1400/1401هـ أنه بعد سبع أو ثمان سنوات سيأتي ما يسمى بالبث المباشر، وإذا نحن فعلا نراه بعد عشر سنوات.
بنوك الربا وانتشارها  ثمرة عملية – أيها الأحبة- لنشاط أعداء الله ولدأبهم ولحرصهم.
هذان السببان جعلني أتسأل هذا السؤال وهو موجه إلى كل واحد منكم، موجه إلى الرجال وإلى النساء، موجه إلى الكهول وإلى الشباب وإلى الصغار:
ما الهم الذي تحمله ؟؟
لماذا ؟ لأن الذي يهتم لشيء لا بد أن يُرى أثر هذا الهم.
ولأني أريد أن أشرح لكم الموضوع وأن ابسطه تبسيطا، لنأخذ مثلا عمليا.
جلست أتأمل وأقول يا تُرى لو قمت بتوزيع استمارة على الأخوة الموجودين أمامي الآن وقلت لكل واحد منهم خذ القلم والورقة وأجب على هذا السؤال:
ما الهم الذي تحمله ؟؟
وأنا أقصد بهذا السؤال أن تضع جميع همومك مرتبة حسب الأولويات لأنه لا يمكن لأي واحد منا إلا أنه يحمل عدة هموم، وأنا هنا لا أعني الهم الذي يصطلح عليه العامة عندما يقولون: فلانا مهموم أي مريض أو نحو ذلك.
لا، بل أقصد الهم الذي يهمك ويشغل بالك وتجري وتسرع وتتحرك في نطاق هذا الهم.
تُرى لو أن كل واحد منكم كتب ما يهمه، كتبها مرتبة، وأريد من كتابته أن يكون صادقا مع الله جل وعلا، فمن السهل جدا أن تأتي ورقة كل واحد منكم وفيها:
أنني أحمل هم الإسلام.
لكنني لا أريد هذا الجواب بهذه الطريقة.
أريد أن تتأمل، ولا مانع أن تأخذ الورقة معك إلى بيتك ولتنفرد بنفسك في غرفة ليس عندك أحد، وتتقي الله جل وعلا وتنظر فعلا:
ما الذي يهمك ؟
ما الهم الذي يشغلُك ؟
ثم تكتب لي اهتماماتك، فهل أجد أن الذي يهمك، وأن الهم رقم واحد هو:
همُ الإسلام ! همُ هذه الأمة! همُ هذا الدين ! هم هذه العقيدة ؟؟
أو  أنني سأفاجئ بأن الهموم تشعبت واختلفت.
وكما قلت لكم أريد الإجابة بصراحة وبصدق، لا يهمني أسم من كتبها وإنما يهمني أن اصل إلى نتيجة عملية.
إنني أتوقع أنني سأجد عددا كبيرا يكتب لي أن همه هم الإسلام، وأسأل الله أن تكونوا منهم. سيكتب لي أن همه هم هذه الدعوة، لا أشك في ذلك.
ولكنني على قناعة أنني سأجد عددا كبيرا أيضا منهم من يكتب لي:
أن همي هو هم الوظيفة.
وآخر يكتب أن همي الحقيقي هو هم السعي في طلب الرزق.
وثالث يقول لي إن همي الذي يسيطر على كياني هو هم الزواج.
ورابع يقول لي إن همي الذي يسيطر علي هو هم الأولاد وتأمين مستقبلهم ومعيشتهم.
وخامس يقول لي إن همي أن أبني بيتا.
وهكذا نجد الهموم قد تفرعت. لا أشك أن هم الإسلام سيأتي، ولكن قد يأتي في المرتبة الثانية أو الثالثة أو الرابعة أو الخامسة.
هكذا إذا كنا صادقين في الإجابة – أيها الأخوة -.
ما الهم الذي يشغلُك ؟
هذا سؤال – أيها الأحبة – هو القضية التي نناقشها هذه الليلة، ولذلك أذكر لكم في بداية حديثي قول المصطفى  في الحديث الذي رواه عبد الله ابن مسعود رضي الله عنه قال  سمعت نبيكم  يقول :
( من جعل الهموم هما واحدا، هم أخرته، كفاه الله هم دنياه،  ومن تشعبت به الهموم في أحوال الدنيا لم يبالي الله في أي أوديتها هلك ) صححه الألباني
هذه حقيقة أيها الأخوة، وهذه قضية يجب أن نقف معها وأن نكون صرحاء.
هذا هو السؤال هذا اليوم : ما الهم الذي تحمله ؟
قف مع نفسك وقفة مصارحة لأنني فعلا لن أطلب منك إجابة، ولن أقدم لك ورقة، ولكني أوجه لك سؤال ستسأل عنه يوم القيامة يوم تلقى الله جل وعلا.
ما الهم الذي يشغلُك  أيها الأخ الكريم ؟
هل هو هم هذه الأمة المستباحة ؟
هل هو هم هذه الأمة المضطهدة ؟
هل هو هم هذا الدين الذي توجه له أعداء الله عن قوس واحدة ؟
هل هو هم هذه العقيدة التي تهاجم الآن في بلاد التوحيد ؟
الرافضة أصبح لهم مكانة في بلاد التوحيد، الصوفية أصبح لهم مكانة في بلاد التوحيد، اليهود والنصارى وأعداء الله، غيرهم وغيرهم
يسعون بجد واجتهاد لهدم عقيدة التوحيد في بلاد التوحيد.
(يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون).
(يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون).
هذه هي الحقيقة يا أخي الكريم.
فتعال معي نتساءل سؤال حقيقيا إيمانيا قبل فوات الأوان ما الهم الذي تحمله ؟
هل أنت تحمل هم الوظيفة كما يفعل كثير من الناس ؟
هل أنت تحمل هم طلب الرزق في الحياة، وتجعل هم الإسلام درجة ثانية وثالثة ؟
هل أنت تحمل هم أولادك ، وتقول من لأولادي من بعدي؟
لا من أجل الدين ولكن من أجل الدنيا، هناك من  يسعى جادا وحريصا يواصل ليله ونهاره من أجل أولاده، من أجل دنياهم لا من أجل دينهم.
هنا تأتي القضية التي تحتاج إلى سؤال ومصارحة ما الهم الذي تحمله ؟
يا أخي الكريم، انظر في النتيجة التي تصل إليها.
فإن توصلت إلى أنك تحمل هم الإسلام، وتحمل هم هذه الدعوة، وتحمل هم هذه الأمة فهنيئا لك. أقول لك والله هنيئا لك وهنيئا لك.
لأنه كما استمعنا في الحديث:
( من جعل الهموم هما واحدا، هم أخرته، كفاه الله هم دنياه).
إذا كنت تحمل هم الدعوة، وتحمل هم الإسلام، وتحمل هم هذا الدين فهنيئا لك لأن الله  سيكفيك بقية الهموم.
وإن كنت توصلت إلى أن الهم الذي يسيطر عليك، وأن الأمر الذي تسعى إليه في حياتك هو هم وظيفة أم هم طلب رزق أم أي هم من هموم الدنيا.
فأقول لك البدار البدارَ قبل أن يصدق عليك حديث المصطفى  :
(ومن تشعبت به الهموم في أحوال) من وظيفة وزواج وطلب رزق وبناء بيت.
(ومن تشعبت به الهموم في أحوال الدنيا لم يبالي الله في أي أوديتها هلك ).
أخي الكريم تسألني وتقول لي :
كيف أعرف أني أحمل هم الإسلام ؟
وأنا أسألك مرة أخرى عن أي شيء تفكر ؟
أسألك بالله عندما تضع رأسك على الوسادة ما هو الذي يسيطر على تفكيرك ؟
عندما تستيقظ من النوم ما الذي يشغل بالك ؟
عندما تسير في السيارة والأفكار تدور في خاطرك، ما هي هذه الأفكار ؟
بل أقول وأنت تصلي ما الذي يشغلك ؟ هل هي الصلاة وما فيها من آيات؟
أسألك هذا اليوم وقد استمعت إلى هذه الآيات العظيمة من سورة المائدة ، هل أنت معها متأملا متفكرا ؟ أم أنك لا تدرك إلا ركوعها وسجودها ولم تعقل منها شيء ؟
لماذا ؟ لأن الدنيا قد شغلت بالك، لأن هموما أخرى من هموم الدنيا قد أرقتك.
يا أخي الكريم إذا كنت عندما تضع رأسك على الوسادة تفكر في حال هذه الأمة.
إذا كنت يا أخي الكريم عندما تستيقظ  تفكر في واقع هذه الأمة.
يا أخي الكريم عندما تسير في الطريق لا تفكر إلا في أحوال المسلمين .
عندما تجلس مع إخوانك حديثكم عن الإسلام وعن أحوال المسلمين.
عندما تتحدث مع أولادك تتحدث عن تربيتهم وإعدادهم لأجيال قادمة ليقفوا أمام أعداء الله جل وعلا. إذا كنت كذلك فأنت فعلا تحمل هم الإسلام.
قالت زينب (رضي الله عنه) للرسول  :
( يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون ؟ قال نعم إذا كثُر الخبث).
ولا أزكيكم على الله – لا أشك في طيبة كل واحد منكم، ولكن الطيبة وحدها لا تكفي.
الصلاح وحده لا يكفي، انظر ما الذي  يحدثك الآن؟
ما الذي يشغل بالك الآن ؟
الناس يختلفون في هذه القضية:
هناك الكثيرون يسيطر على كيانهم أمور الدنيا كما ذكرت من طلب رزق، ومن وظيفة أو أولاد أو منصب أو دراسة أو طلب شهادة أو طلب جاه أو طلب سمعة.
الناس شتى (كل يغدو فبايع نفسه فمعتقها أو موبقها).
فيا أخي الكريم هذا هو السؤال.
ويكفينا لو أنهيت المحاضرة على حد هذا السؤال لكفانا لقاء هذا اليوم لأهمية هذا الموضوع.
وهنا قلت لك أخي الكريم أنت أحد رجلين وأسأل الله أن تكون الأول، أن تكون ممن يحمل هم هذا الدين حقيقة وصدقا وواقعا.
أو – وأعيذك بالله من ذلك- أن الهم الذي تحمله هو هم أي هدف من أهداف الدنيا أو غاية من غايات الدنيا.
بعد ذلك يأتي سؤال لا بد منه وهو:
هل يعنى هذا  أن لا نحمل هم وظيفة ؟
ولا نحمل هم طلب الرزق ؟
ولا نحمل هم الزواج ؟
أخشى أن يتعجل متعجل من الحماس ومن الخير  وقد يكون الآن يعد العدة للزواج بعد رمضان  فيقول مادام هذا يصادم الهم الأول إذا أنا لن أتزوج.
ويأتي أخر فيقول أنا اليوم أدرس والحمد لله وأريد الشهادة، إذا هذا يتصادم مع حمل هم الإسلام، إذا لا أريد الشهادة وينسحب من جامعته ومن دراسته.
وثالث أخشى أن يقدم استقالته من وظيفته.
فالسؤال الذي لا بد منه هل يعني هذا أنه لا يجوز لنا أن نحمل هم هذه الهموم ؟
وأقول لا، ليست هذه هي القضية.
قلت لكم ما الهم الذي تحمله ؟ أي ما الهم رقم واحد ؟ ومعنى ذلك أن هناك عدة هموم.
ليست المشكلة – أخي الكريم – أن تحمل هم الزواج، أو أن تحمل هم بناء البيت أو أن تحمل هم طلب الرزق، أو أن تحمل هم طلب الوظيفة.
كل هذا يكون مشروعا في حالة واحدة فقط، إذا كان همك الأول هو هم هذا الدين، وهم هذه الأمة، وهم هذه العقيدة فكل الهموم التي تأتي بعد ذلك لا حرج عليك ولا تأثيم عليك – أخي الكريم -، لماذا ؟
لأنه ثبت علميا – انتبهوا لهذه القضية-
ثبت علميا وثبت من حيث الواقع ومن حيث التجارب أن الهم رقم واحد يسيطر على بقية الهموم.
فإن كنت تحمل الهم رقم واحد هو هم هذا الدين فإنه سيسيطر ويوجه هم الوظيفة وهم الزواج وهم طلب الرزق وهم بناء البيت إلى غير ذلك.
أما إن كان الهم رقم واحد من هموم الدنيا فإنه سيؤثر على هم الدين حتى لو كنت تحمل هم هذا الدين ولكن جاء بالمرتبة الثانية أو الثالثة أو الرابعة.
والأمثلة توضح هذه الحقيقة:
لنأخذ المثال عن رجلين، رجل يحمل هم هذا الدين ومع ذلك يحمل هم الوظيفة، يحمل هم طلب الرزق، يحمل هم الزواج، يحمل هم بناء البيت فكيف تكون النتيجة ؟
إذا كان يحمل هم هذا الدين فهو قطعا سيبحث عن الوظيفة التي تخدم دينه، ولو عرض عليه مثلا وظيفة مدرس وخّير بين مدرستان:
إحداهما قريبة من البيت ومريحة وسيعطى من الحصص قليلا ولكن ليس فيها مجال للدعوة إلى الله جل وعلا.
والأخرى بعيدة  وتحتاج منه مشقة وقد يكون نصابه أكثر، ولكنه يجد أنها مجالا خصبا لتربية الأولاد، لتربية الأبناء، أو لتربية البنات إن كانت مدرّسة، وتحتاج منه إلى جهد وجهاد.
إن الذي يحمل هم هذا الدين سيختار المدرسة الثانية.
 عند قضية الزواج مثلا، فالذي يحمل هم هذا الدين سيبحث عن الفتاة الملتزمة، الفتاة الصالحة، ولو جاءته أمه وقالت يا بني إني وجدت لك فتاة جميلة ومن عائلة كريمة ووضعها المادي مناسب ولكنها لم تلتزم بعد، سيقول:
لا يا أمي لأن المصطفى  يقول : (فأضفر بذات الدين تربت يداك).
وتعرض عليه الثانية والثالثة والرابعة ولا يقبل إلا بذات الدين، حتى لو قالت له أمه في يوم من الأيام يا بني  إني وجدت لك فتاة ملتزمة صالحة، ولكن قد لا تكون ذات نصيب كبير من الجمال، سيقول:
ليس الجمال مشكلة يا أمي فالذي يهمني هو هذا الدين فسيتزوجها.
أما الأخر الذي لا يحمل هم الدين فيريد في المرأة إما جمالا أو مالا أو حسبا أو نسبا، كما قال المصطفى :
(تنكح المرأة لأربع، لمالها ولجمالها، ولحسبها ، ولدينها فأضفر بذات الدين تربت يداك ) أو كما قال عليه الصلاة والسلام.
انظروا للذين تشعبت بهم الهموم حول هذا المثال.
نحن عرفنا أن الذي يحمل هم هذا الدين لن يتزوج إلا امرأة صالحة حتى ولو نقصت الأمور الأخرى، حتى ولو كانت قليلة المال، حتى ولو كان جمالها ليس بذاك الجمال لكن يهمه منه أمر الدين.
أما الأخر  فلننظر:
هناك من الشباب من يبحث عن الجمال فقط، فتأتيه أمه أو يأتيه أبوه  أو إخوانه فيقولون وجدنا لك فتاة ثرية وذات دين وحسب  ولكن جمالها قليل، أي ليست قبيحة ولكنها ليست جميلة جدا، فيقول لا أريدها.
ثم يعرض عليه ويعرض عليه حتى يأتي يوم من الأيام فيقال له:
وجدنا لك فتاة جميلة جدا، ولكنها فتاة مغرورة، ولكنها فتاة قليلة الدين غير ملتزمة فيقول هذه التي أريد وتلتزم إن شاء الله فيما بعد. هذا أن كان يعنيه أمر الالتزام.
ارأيتم الفرق بين الاثـنين؟
وثالث يبحث عن امرأة موظفة فيعرض عليه من النساء من فيها من الجمال وفيها من الحسب وفيها من الدين لكنها ليست موظفة فيقول لا أريدها.
حتى إذا وجدوا له امرأة موظفة كما يريد حتى لو كانت قليلة الالتزام بالدين فيقبل بها.
لماذا لأن هدفه الأول ، ولأن همه الأول من هموم الدنيا ولم يكن هم هذا الدين.
حتى في قضية شراء البيت  فالذي لا يهمه أمر دينه فتجده يركز على الأرض وعلى موقعها وعلى مساحتها وهل هي على شارعين أو على ثالثة أو على واحد ثم يشتريها.
أما الذي يهمه أمر هذا الدين فيسأل عن الجار، ويسأل عن الحارة، ويسأل عن الموقع، فإذا وجدها مناسبة اشتراها.
إذا أيها الأخوة، وصلنا إلى حقيقة معينة أنه ليست القضية وليست المشكلة أن تحمل هم الوظيفة ولا أن تحمل هم الزواج، بل يجب أن تحمل هم الزواج لأن الرسول  يقول :
(يا معشر الشباب من استطاع منكم البائة فليتزوج).
ولكن القضية ما هو الهم الذي يسيرك ؟
ما هو الهم الذي يسيطر على كيانك ؟
ما هو الهم الذي يؤرقك ليلا ونهار ؟
هذا هو السؤال وهذا هو الجواب.
ففتش عن نفسك، وتأمل في حالك وبادر قبل فوات الأوان.
هنا يأتي سؤال آخر.
تأتي هموم أخرى طارئة تسيطر على همنا كمن يصاب بمصيبة مثلا، أو يصاب بمرض، أو يكون عليه من الديون ما يثقله فيقول لي يا أخي الكريم:
الذي يؤرقني الآن هو هم هذا الدين، فهل أنا على طريق خاطئ ؟
أقول له يا أخي الكريم إن الهموم الطارئة لا تتعارض مع الهم الأول، فمن الطبيعي جدا إذا أصيب الإنسان بمصيبة أن يبقى زمنا يسيرا تشغله هذه المصيبة.
فالذي عليه دين اثقل كاهله لا شك أن الدين سيؤرقه حتى يقضي هذا الدين، ولكنه مرة أخرى يعود خيرا مما كان.
هذه قضايا أيها الأحباب تبين لنا بصفاء وبجلاء هذه الحقيقة :
 ما الهم الذي تحمله ؟ 
وهنا مرة أخرى أعود إلى قضية أشرت إليها، ولكن قبل ذلك أذكر حديثا للمصطفى  يقول فيه:
(من أراد أن يعلم ما له عند الله، فلينظر ما لله عنده).
تريد أن تعرف موقعك عند الله، وأن تعرف مكانك في الآخرة، أنظر ما لله عندك.
أنظر ما لهذا الدين في قلبك، اجر الحسابات.
هل الذي في قلبك هو حب هذا الدين والعمل لهذا الدين والغيرة على هذا الدين‍.
أو أنك فعلا تحب هذا الدين ولكن الذي في قلبك للدنيا أكثر بهمومها وشعابها.
(من أراد أن يعلم ما له عند الله فلينظر ما لله عنده).
هذه قضية لا بد أن نقف معها أيها الأحبة، هنا السؤال الجوهري في هذه المحاضرة:
ماذا يعني أن يكون همي الأول هذا الدين ؟ وكيف يكون ذلك؟
أقول لك أن هذا يعني:
أولا أن تفكر دائما وأبدا في دينك وفي أمتك وفي الواقع الذي تعيشه الأمة الآن.
ثانيا العمل الدؤوب الجاد، انظر يا أخي الكريم كم مضى من عمرك ،ماذا قدمت للإسلام.
انظر كم عمرك الآن ثلاثين سنة ، أو خمس وعشرين سنة، أو أربعين سنة، أو خمسين سنة ، أو ستين سنة ؟
اجلس مع نفسك جلسة مصارحة واسأل ماذا قدمت للإسلام ؟
 ماذا قدمت لدينك؟  أنظر إلى هذه النعم التي أعطاك الله جل وعلا  وهذه المواهب  كيف استخدمتها ؟
هل استخدمتها لأمور الدنيا، أو استخدمها لأمور دينك ؟
إذا العمل الجاد الدؤوب ، ومحاسبة النفس .هل أنت تحاسب نفسك ؟
تريدون أن أوجه لكم سؤال آخر فأقول:
كم مرة جلست مع نفسك  لمدة ساعتين أو ثلاث وليس لك هم ولا غرض  ولا مأرب ولا حاجة إلا أن تحاسب نفسك على ماذا قدمت لدينك ؟
سؤال صريح أيها الأخوة، لنكن صرحاء مع أنفسنا، ولله أن الوقت أن نحاسب أنفسنا الآن خير لنا من أن نحاسبها أو تُحاسب يوم القيامة.
يقول عمر ابن الخطاب رضي الله عنه:
(حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا، وتجهزوا للعرض الأكبر على الله  جل وعلا).
هل جلست لمدة ساعة واحدة في المسجد، أو في بيتك وغفلت عن أولادك ؟
هل جلسَت هذه الأخت جلست صدق مع نفسها وصارحت نفسها، وصارحت نفسك:
ماذا قدمت للإسلام في ما مضى من عمرك ؟
الذي أخشاه، بل الذي أتوقعه أن الكثير منا لم يجلس مع نفسه، ويمر عليه الشهران والثلاثة  والسنة ولم يجلس جلست صدق ومصارحة .
أيها الأخوة، الخلوة الشرعية مع النفس ومحاسبة النفس لا بد منها، فهل نحن نفعل ذلك؟
إذا كنت تفعل ذلك فأقول لك نعم إنك تحمل هم الإسلام.
أما إذا كانت أمور الدنيا تتوالى عليك ولم تجلس يوما واحدا مع نفسك جلست صدق ومصارحة ومحاسبة فتدارك نفسك.
أن تحمل هم الإسلام يعني  الإبداع، أين الإبداع ؟
لماذا نرى أن الإبداع  وكأنه حكر على الكافرين ؟، وكأنه حكر على أعداء الله ؟
أين ما أبدع المسلمون ؟
أسألك أنت ماذا أبدعت ؟
ماذا أبدعت من مشاريع ؟  ماذا أبدعت من عمل ؟
لا أريد أن أكثر الأمثلة ولكن أضرب لكم مثلا واحدا:
طفل عمره في حدود عشر سنوات:
وقف عند ماكينة البيع الذاتي للمرطبات وهي كما تعلمون منتشرة في الأسواق.
نظر إليها وقال إنني أتمنى  ؟؟؟؟؟
ماذا يتمنى هذا الطفل ؟ أيتمنى أن هذه الماكينة له ليكسب من وراءها الأموال .
أيتمنى أن هذه الماكينة وفيها مما لذ وطاب من  المرطبات له ليشرب  على راحته وكما ينبغي ‍‍لا، قال إنني أتمنى أن توجد ماكينة مثلها نضع فيها الأشرطة:
فندخل فيها عدة ريالات فيخرج لي شريط للشيخ عبد العزيز ابن باز (رحمه الله).
ثم اضغط زرا آخر فيخرج لي شريط للشيخ محمد ابن عثيمين (رحمه الله).
واضغط زرا رابعا فيخرج لي شريط للشيخ سفر الحوالي، وزرا خامسا للشيخ سلمان العودة، وسادسا وسابعا.
هذا طفل، ارأيتم التفكير، هذا يحمل هم الإسلام لأن عنده الإبداع، لأن عنده تفكير، لأن عند إنتاج حتى ولو كان مثلا يسيرا.
أنت ماذا أبدعت ؟ أنت ماذا فكرت؟ أنت ماذا قدمت ؟
ماذا يعني أن يكون همك رقم واحد هو هم الإسلام؟
هي الانطلاقة المؤصلة على هدي المصطفى  الملتزمة بالكتاب والسنة، لماذا ؟
لأن الذين يسيرون إلى الله كُثر، ولكن كثيرا منهم على الخطئ وبعضهم على الانحراف.
يقول المصطفى  عندما نزل قوله تعالى :
(هل أتاك حديث الغاشية).
قال نعم أتاني حديث الغاشية، نعم أيها الأخوة.
(عاملة ناصبة، تصلى نارا حامية).
فيا أخي الكريم الانطلاقة المؤصلة أن تنظر في عملك ؟
 وهل وقفت مرة واحدة  أيها الداعية، ويا طالب العلم مع نفسك وتأملت في طريقتك ومسيرتك إلى الله هل هي على هدي المصطفى ؟
هل هي على منهج أهل السنة والجماعة ؟
هل لك منطلق وأصل في سلف هذه الأمة أو لا؟
وأخيرا مما أشير إليه هنا أيها الأحباب، أين المشاريع التي نقدمها ؟
لا ننكر ولا نغفل حق العاملين، وأنه يوجد في بلادنا مشاريع خيرة.
ولكن صدقوني المشاريع التي توجد في بلادنا في بلاد التوحيد، في بلاد الحرمين من مشاريع إسلامية لا تتناسب أبدا مع مكانة هذه البلاد، ومع أهل هذه البلاد.
تريدون مثلا ، خذوا مثلا واحدا فقط:
كم يوجد في هذه البلاد من جريدة إسلامية ؟
لا شيء .
كم يوجد في هذه البلاد من مجلة إسلامية ؟
واحدة، ولكن كم توزع ؟ من أضعف المجلات توزيعا.
أيتناسب مع بلاد الحرمين أن لا يوجد فيها جريدة يومية إسلامية، وفيها عدد من الصحف  والجرائد، التي لا تمثل الإسلام بل إنها تنشر ما يهدم الإسلام.
أيليق ببلاد الحرمين ، وبأهل الحرمين ، وبالمنتسبين لبلاد التوحيد أن لا يوجدوا مجلة إسلامية توزع مئات الآلاف .
كم يتألم قلبي وأنا أرى هذه المجلات الوافدة توزع أسبوعيا بين سبعين إلى ثمانين إلى تسعين إلى مائة ألف نسخة.
ومجلة إسلامية أسبوعية في بلادنا قد لا توزع إلا بضعة آلاف.
أين المشاريع الإسلامية ؟ أليس عيبا أن يحدث هذا ؟
أليس عيبا أن يحدث هذا ؟ أليس عيبا والله أن يقع هذا في بلادنا ؟
أليس من الخلل والخطئ والخطل أن لا يوجد في بلادنا من هذه المشاريع التي أشرت إليها ؟
نعم توجد بعض المشاريع ، ولكن لا تتناسب أبدا والله .
وما رأيكم لو أن تاجرا يملك  مئات الملايين ، ثم جاء الناس يتحدثون أن هذا الرجل بخيل لا ينفق في سبيل الله ولا يتبنى المشاريع الإسلامية.
ثم جاء رجل وقال لقد جنيتم على هذا الرجل ، ولقد كذبتم في حقه، ولقد ظلمتموه، والله لقد رأيته مرة تبرع بعشرة ريالات. وقام آخر وقال لقد رأيته يوما تبرع بمائة ريال.
سبحان الله يملك مئات الملايين ويتبرع بعشرة ريالات وبمائة ريال.
هذا دليل والله على بخله. جزاك الله خيرا فقد أفدتنا.
كذلك في بلاد الحرمين، في بلاد التوحيد لا نجد مثل هذه المشاريع العملاقة التي تخدم الإسلام في الجوانب الإعلامية.
بينما ننظر في الجانب الآخر كم يدخل في بلادنا من الصحف والمجلات ؟
أقول لكم إنه يدخل شهريا ما يزيد عن عشرة آلاف نسخة من المجلات والصحف أكثرها لا تمثل الإسلام، بل إنها والله حرب على الإسلام والمسلمين.
هذه حقائق، فأين الهم الذي نحمله ؟  
إذا كان همك الإسلام يا أخي الكريم، إذا كان همك هذا الدين فأتقي الله، أين الاستمرار ؟
لماذا بدأ الفتور يدب في أوصالنا ؟
منذ ثلاث سنوات، ومنذ سنتين كن نجد الكثير من الدروس فيها العشرات بل المئات بل الآلاف، ولكن بدأنا نسمع التكاسل والتواكل والتراخي والفتور .
هل رأيتم تاجرا يفتر ؟
ذُكر لي عن بعض التجار الذين يقادون الآن بالعربات، أعمارهم فوق الثمانين ومع ذلك يعملون أكثر من عشر ساعات يوميا من أجل دنياهم.
أبدا، قل أن نجد تاجرا يقول أنا بلغت الستين سأتوقف عن طلب الدنيا، ما رأينا هذا إلا نادرا والنادر لا حكم له.
ولكن في سبيل الله ، في الدعوة إلى الله ، في العمل ، سنة وسنتين وثلاث ثم يبدأ الفتور .
هل هذا فعلا يحمل هم الإسلام ؟
كيف يكون الذي يحمل هم الدنيا أفضل منا وأقوى منا ؟
وهنا أختم هذه النقطة وأنتقل للنقطة قبل الأخيرة، وهي نقطة مهمة جدا :
مثل حي:
لماذا لأن ضرب المثل أكثر الله منه في القرآن لقوة تأثيره، فسأضرب لكم مثلا واحدا ممن يحمل هم الإسلام.
لن أضرب لكم مثلا بمن سلف وكلنا يعلم أن المصطفى  منذ بعثه الله إلى أن لقي الله يحمل هم هذا الدين.
هذه قضية بديهية في أذهاننا جميعا، لن أتكلم عن الصحابة ، وعن عمر رضي الله عنه الذي يحمل هم هذا الدين حتى أنه وهو في صلاته يجهز الجيوش، حتى أنه وهو يخطب الخطبة قلبه وتفكيره مع الجيش الذي ذهب يغزو حتى قال:
(يا سارية الجبل، يا سارية الجبل).
وهو يخطب على المنبر في مسجد المصطفى  فسمعه المجاهدون كرامة من الله  وهم في جهادهم، وقد كانوا في مأزق شديد، وكانوا في ضنك ، وأحاط بهم الأعداء، ولا يعلمون أين يذهبون، فإذا هم يسمعون صوت عمر  يا سارية الجبل يا سارية الجبل.
سبحان الله- الله أكبر، مع أنه في منبر المصطفى  كرامة من الله جل وعلا، لماذا ؟
لأنه يحمل هم هذا الدين .
لن أحدثكم عن هؤلاء  فأنتم تعرفونهم أولا.
وأخشى من الشيطان وهو متحفز دائما أن يقول لكم هؤلاء ذهبوا، ظروفهم تختلف عن ظروفنا، أزمانهم تختلف عن أزماننا.
سأحدثكم عن رجل واحد (كان) يعيش بيننا أضرب به مثلا من أجل شحذ الهمم والعزائم، وأريد أن أقول عندما أحدثكم عن هذا العلم وعن هذا القدوة، فسأتحدث عن جانب واحد فقط وهو جانب حمله لهم الإسلام حتى يكون لنا عبرة وقدوة، ألا وهو:
سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز (رحمه الله).
أيها الأخوة، لو تحدثت وتحدثت لما وفيته حقه، ولكني سأقتصر على الجزء الذي أشرت إليه والذي يتعلق بحمله لهم الإسلام، وسأذكر لكم حقائق ووقائع  تؤكد هذه الحقيقة وتبينها لعله يكون دافعا لنا، خذوا هذه الحقائق، خذوا هذه الدرر:
منذ عرفت الشيخ منذ أكثر من عشرين سنة لا أعرف أنه أخذ إجازة:
لا شهر في السنة ولا يوم أبدا، وكنت أتحدث في هذا الكلام في عدة مجالس أنني منذ عرفته في بداية التسعينات، أي التقيت معه لا أعرف أنه أخذ إجازة يوما واحد.
واذكر لكم حقيقة تبين هذا الأمر حيث ذهبت في عام 1391هـ إلى المدينة من أجل لقاء مع سماحته وكان معي أحد المشايخ.
ذهبنا بتوصية من أحد مشايخنا في الرياض بارك الله في الجميع وفيكم، فجئنا إلى الشيخ بعد أن وصلنا المدينة ليلة الجمعة كهذه الليلة.
ثم بعد صلاة الفجر في المسجد النبوي خرجنا ننتظر خروج الشيخ، فلما خرج قلنا يا سماحة الشيخ نحن جئنا من الرياض ومعنا لك رسالة ونريد أن نلتقي معك.
فقال لنا يا أبنائي هذا اليوم يوم الجمعة وهو مخصص للأولاد ، فلعلكم تأتون غدا إلى الجامعة الإسلامية (عندما




بسم الله الرحمن الرحيم(رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) [البقرة/286]


Sahar
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sadakasoft.ahlamountada.net
زكرياء
مدير الموقع
مدير الموقع


البلد: غير معروف
الهواية :
عدد المساهمات عدد المساهمات: 6490
الجنس: ذكر
نقاط: 171369
السمعة السمعة: 99

مُساهمةموضوع: رد: موسوعة الخطب المكتوبة و الدروس    الخميس أكتوبر 17, 2013 12:10 am

المشتاقون إلى الجنة
الحمد لله الذي جعل جنة الفردوس لعباده المؤمنين نزلا
ويسرهم للأعمال الصالحة الموصلة إليها فلم يتخذوا سواها شغلا
وسهل لهم طرقها فسلكوا السبيل الموصلة إليها ذللا
وكمل لهم البشرى بكونهم خالدين فيها لا يبغون عنها حولا.
الحمد لله فاطر السموات والأرض جاعل الملائكة رسلا
وباعث الرسل مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل

والحمد لله الذي رضى من عباده باليسير من العمل
وتجاوز لهم عن الكثير من الزلل
وأفاض عليهم النعمة، وكتب على نفسه الرحمة
وضمن الكتاب الذي كتبه أن رحمته سبقت غضبه
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له
وأشهد أن محمداً عبده ورسوله
أما بعد :
فإن الله سبحانه وتعالى لم يخلق خلقه عبثاً ، ولم يتركهم سدى
بل خلقهم لأمر عظيم وخطب جسيم
عرض على السموات والأرض والجبال فأبين وأشفقن منه إشفاقاً ووجلا
وحمله الإنسان إنه كان ظلوماً جهولاً
والعجب كل العجب من غفلة من لحظاته معدودة عليه
وكل نفس من أنفاسه إذا ذهب لم يرجع إليه
وإنما يتبين سفه المفرط يوم الحسرة والندامة
إذا حشر المتقون إلى الرحمن وفدا وسيق المجرمون إلى جهنم ورداً
فالأولون في روضات الجنة يتقلبون وعلى أسرتها يجلسون وعلى بطائنها يتكئون
وأولئك في أودية جهنم يصطلون ، جزاء بما كانوا يعملون

ومن هنا اشتاقت نفوس الصالحين إلى الجنة
حتى قدموا في سبيل الوصول إليها كلَّ ما يملكون
هجروا لذيذ النوم والرقاد ، وبكوا في لأسحار ، وصاموا النهار ، وجاهدوا الكفار ،
فلله كم من صالح وصالحة اشتاقت إليهم الجنة كما اشتاقوا إليها
من حسن أعمالهم ، وطيب أخبارهم ، ولذة مناجاتهم ،
وكان لكل واحد منهم ، ولكل واحدة منهن مع الله جل جلاله أخبار وأسرار ، لا يعرفها غيره أبداً، جعلوها بين أيديهم عُدداً
لا يطلبون جزاءهم إلا منه ، فطريقهم إليه ، ومعولهم عليه ، ومآلهم يكون بين يديه
فلا إله إلا الله .. كم بكت عيون في الدنيا خوفاً من الحرمان من النظر إلى وجه الله الكريم
فهو سبحانه أعظم من سجدت الوجوه لعظمته ، وبكت العيون حياءً من مراقبته ، وتقطعت الأكباد شوقاً إلى لقائه ورؤيته
فالمشتاقون إلى الجنة لهم مع ربهم تعالى أخبار وأسرار
فإليكم شيئاً من أخبارهم ، وطرفاً من أسرارهم ..
أول هذه الأخبار
ما أورده ابنُ الجوزي في صفة الصفوة وابنُ النحاس في مشارع الأشواق عن رجل من الصالحين اسمه أبو قدامة الشامي ..
وكان رجلاً قد حبب إليه الجهاد والغزو في سبيل الله ، فلا يسمع بغزوة في سبيل الله ولا بقتال بين المسلمين والكفار إلا وسارع وقاتل مع المسلمين فيه ، فجلس مرة في الحرم المدني فسأله سائل فقال :
يا أبا قدامة أنت رجل قد حبب إليك الجهاد والغزو في سبيل الله فحدثنا بأعجب ما رأيت من أمر الجهاد والغزو
فقال أبو قدامة : إني محدثكم عن ذلك :
خرجت مرة مع أصحاب لي لقتال الصليبيين على بعض الثغور ( والثغور هي مراكز عسكرية تجعل على حدود البلاد الإسلامية لصد الكفار عنها ) فمررت في طريقي بمدينة الرقة ( مدينةٍ في العراق على نهر الفرات ) واشتريت منها جملاً أحمل عليه سلاحي ، ووعظت الناس في مساجدها وحثثتهم على الجهاد والإنفاق في سبيل الله ، فلما جن علي الليل اكتريت منزلاً أبيت فيه ، فلما ذهب بعض الليل فإذا بالباب يطرق عليّ ، فلنا فتحت الباب فإذا بامرأة متحصنة قد تلفعت بجلبابها ،
فقلت : ما تريدين ؟
قالت : أنت أبو قدامة ؟
قلت : نعم ،
قالت : أنت الذي جمعت المال اليوم للثغور ؟
قلت : نعم ، فدفعت إلي رقعة وخرقة مشدودة وانصرفت باكية ،
فنظرت إلى الرقعة فإذا فيها : إنك دعوتنا إلى الجهاد ولا قدرة لي على ذلك فقطعت أحسن ما فيَّ وهما ضفيرتاي وأنفذتهما إليك لتجعلهما قيد فرسك لعل الله يرى شعري قيد فرسك في سبيله فيغفر لي ،
قال أبو قدامة : فعجبت والله من حرصها وبذلها ، وشدة شوقها إلى المغفرة والجنة .
فلما أصبحنا خرجت أنا وأصحابي من الرقة ، فلما بلغنا حصن مسلمة بن عبد الملك فإذا بفارس يصيح وراءنا وينادي يقول : يا أبا قدامة يا أبا قدامة ، قف عليَّ يرحمك الله ،
قال أبو قدامة : فقلت لأصحابي : تقدموا عني وأنا أنظر خبر هذا الفارس ، فلما رجعت إليه ، بدأني بالكلام وقال : الحمد لله الذي لم يحرمني صحبتك ولم يردني خائباً ،
فقلت له ما تريد : قال أريد الخروج معكم للقتال .
فقلت له : أسفر عن وجهك أنظر إليك فإن كنت كبيراً يلزمك القتال قبلتك ، وإن كنت صغيراً لا يلزمك الجهاد رددتك .
فقال : فكشف اللثام عن وجهه فإذا بوجه مثل القمر وإذا هو غلام عمره سبع عشرة سنة
فقلت له : يا بني ؟ عندك والد ؟ قال : أبي قد قتله الصليبيون وأنا خارج أقاتل الذين قتلوا أبي .
قلت : أعندك والدة ؟
قال : نعم ، قلت : ارجع إلى أمك فأحسن صحبتها فإن الجنة تحت قدمها
فقال : أما تعرف أمي ؟ قلت : لا ،
قال : أمي هي صاحبة الوديعة ، قلت : أي وديعة ؟
قال : هي صاحبة الشكال ، قلت : أي شكال ؟
قال : سبحان الله ما أسرع ما نسيت !! أما تذكر المرأة التي أتتك البارحة وأعطتك الكيس والشكال ؟؟
قلت : بلى ، قال : هي أمي ، أمرتني أن أخرج إلى الجهاد ، وأقسمت عليَّ أن لا أرجع ..
وإنها قالت لي : يا بني إذا لقيت الكفار فلا تولهم الدبر ، وهَب نفسك لله واطلب مجاورة الله ، ومساكنة أبيك وأخوالك في الجنة ، فإذا رزقك الله الشهادة فاشفع فيَّ
ثم ضمتني إلى صدرها ، ورفعت رأسها إلى السماء ، وقالت : إلهي وسيدي ومولاي ، هذا ولدي ، وريحانةُ قلبي ، وثمرةُ فؤادي ، سلمته إليك فقربه من أبيه ..
سألتك بالله ألا تحرمني الغزو معك في سبيل الله ، أنا إن شاء الله الشهيد ابن الشهيد ، فإني حافظ لكتاب الله ، عارف بالفروسية والرمي ، فلا تحقرَنِّي لصغر سني ..
قال أبو قدامة : فلما سمعت ذلك منه أخذته معنا ، فوالله ما رأينا أنشط منه ، إن ركبنا فهو أسرعنا ، وإن نزلنا فهو أنشطنا ، وهو في كل أحواله لا يفتر لسانه عن ذكر الله تعالى أبداً ...
………..
إذ رأيت قصراً يتلألأ أنواراً لبنة من ذهب ولبنة من فضة ، وإذا شُرفاته من الدرّ والياقوت والجوهر ، وأبوابه من ذهب ، وإذا ستور مرخية على شرفاته ، وإذا جوار يرفعن الستور ، وجوههن كالأقمار ..
…..
تقدم يرحمك الله فإذا في أعلى القصر غرفة من الذهب الأحمر عليها سرير من الزبرجد الأخضر ، قوائمه من الفضة البيضاء ، عليه جارية وجهها كأنه الشمس ، لولا أن الله ثبت علي بصري لذهب وذهب عقلي من حسن الغرفة وبهاء الجارية ..
فلما رأتني الجارية قالت : مرحباً بولي الله وحبيبه .. أنا لك وأنت لي
فلما اقتربت منها قالت : .. ..
.. .. ..
فجالت الأبطال ، ورميت النبال ، وجردت السيوف ، وتكسرت الجماجم ، وتطايرت الأيدي والأرجل ..
واشتد علينا القتال حتى اشتغل كلٌ بنفسه ، وقال كل خليل كنت آمله ..
.. .. .. .. ..
فالتفت أبو قدامة إلى مصدر الصوت فإذا الجسد جسد الغلام
وإذا الرماح قد تسابقت إليه ، والخيلُ قد وطئت عليه
فمزقت اللحمان ، وأدمت اللسان
وفرقت الأعضاء ، وكسرت العظام ..
وإذا هو يتيم ملقى في الصحراء
قال أبو قدامة : فأقبلت إليه ، وانطرحت بين يديه ، وصرخت : هاأنا أبو قدامة .. هاأنا أبو قدامة ..
فقال : الحمد لله الذي أحياني إلى أن أوصي إليك ، فاسمع وصيتي
قال أبو قدامة : فبكيت والله على محاسنه وجماله ، ورحمةً بأمه ، وأخذت طرف ثوبي أمسح الدم عن وجهه
فقال : تمسح الدم عن وجهي بثوبك !! بل امسح الدم بثوبي لا بثوبك ، فثوبي أحق بالوسخ من ثوبك ..
قال أبو قدامة : فبكيت والله ولم أحر جواباً ..
فقال : يا عم ، أقسمت عليك إذا أنا مت أن ترجع إلى الرقة ، ثم تبشر أمي بأن الله قد تقبل هديتها إليه ، وأن ولدها قد قتل في سبيل الله مقبلاً غير مدبر ، وأن الله إن كتبني في الشهداء فإني سأوصل سلامها إلى أبي وأخوالي في الجنة ، ..
ثم قال : يا عم إني أخاف ألا تصدق أمي كلامك فخذ معك بعض ثيابي التي فيها الدم ، فإن أمي إذا رأتها صدقت أني مقتول ، وأن الموعد الجنة إن شاء الله ..
يا عم : إنك إذا أتيت إلى بيتنا ستجد أختاً لي صغيرة عمرها تسع سنوات .. ما دخلت المنزل إلا استبشرت وفرحت ، ولا خرجت إلا بكت وحزنت ، وقد فجعت بمقتل أبي عام أول وفجعت بمقتلي اليوم ، وإنها قالت لي عندما رأت علي ثياب السفر :
يا أخي لا تبطئ علينا وعجل الرجوع إلينا ، فإذا رأيتها فطيب صدرها بكلمات ..
ثم تحامل الغلام على نفسه وقال : يا عمّ صدقت الرؤيا ورب الكعبة ، والله إني لأرى المرضية الآن عند رأسي وأشم ريحها ..ثم انتفض وشهق شهقتين ، ثم مات ..
قال أبو قدامة : فلما دفناه لم يكن عندي هم أعظم من أن أرجعَ إلى الرقة وأبلغَ رسالته لأمه ..
.. .. .. .. .. .. ..
قدمت هذه المرأة الصالحة كل ذلك في سبيل أن تدخل الدار التي اشتد شوقها إليها ،
وقدم ولدُها نفسَه رخيصةً لله ، وتناسى لذاتِه وشبابه ، فليت شعري ماذا قدم للجنة المفرطون أمثالُنا ؟!
رحم الله فتى هـذب الدين شبابه
ومضى يزجي إلى العلياء في عزم ركابه
مخبتــاً لله صــير الزاد كتابه
وارداً من منهل الهادي ومن نبع الصحابة
إن طلبت الجود منه فهو دوماً كالسحابة
أو نشدت العزم فيه فهو ضرغام بغابة
جاذبته النفس للشر فلم يبد استجابة
متــقٍ لله تعلــو من يلاقيه المهابة
رقّ منه القلب لكن زاد في الدين صلابة
بلسـم للأرض يمحو عن محياها الكآبة
ثابت الخطو فلم تُطف الأعاصير شهابه
جــرّبته صولة الدهر فألفت ذا نجابة
إن يقم يوماً خطيباً يُسمعُ الصمَّ خطابَه
أو يسر في الدرب يوماً أبصر الأعمى جنابه
مسلم يكفيه فخراً أن للدين انتسابه

المشتاقون إلى الجنة ، ارتفع قدرها عندهم ، حتى لم يرضوا لها ثمناً إلا أرواحَهم التي بين جنوبهم ..
ولماذا لا يبذلون للجنة ذلك وأكثر
وهي الدار التي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأقل أهلها نعيماً ، وأدناهم ملكاً فكان له في ذلك نبأ عجيب ..
ففي صحيح مسلم عن عبد الله بن مسعود والمغيرة بن شعبة رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
" آخر من يدخل الجنة : رجل فهو يمشي على الصراط مرة ، ويكبو مرة ، وتسفعه النار مرة ، فإذا جاوزها التفت إليها ، فقال : تبارك الذي نجاني منك ، لقد أعطاني الله شيئاً ما أعطاه أحداً من الأولين والآخرين .
فترتفع له شجرة فيقول : أي رب أدنني من هذه الشجرة أستظل بظلها وأشرب من مائها
فيقول الله تبارك وتعالى: يا ابن آدم لعلي إن أعطيتكها سألتني غيرها ؟
فيقول : لا يا رب ، ويعاهده أن لا يسأله غيرها وربه يعذره ، لأنه يرى مالا صبر له عليه ، فيدنيه منها فيستظل بظلها ، ويشرب من مائها .
ثم ترفع له شجرة هي أحسن من الأولى ، فيقول: يا رب أدنني من هذه لأشرب من مائها ، وأستظل بظلها لا أسألك غيرها
فيقول : يا ابن آدم ألم تعاهدني أنك لا تسألني غيرها ؟
فيقول : لعلي إن أدنيتك منها أن تسألني غيرها ، فيعاهده أن لا يسأله غيرها وربه يعذره لأنه يرى مالا صبر له عليه فيدنيه منها ، فيستظل بظلها ، ويشرب من مائها
ثم ترفع له شجرة عند باب الجنة هي أحسن من الأوليين
فيقول : أي رب أدنني من هذه الشجرة لأستظلَّ بظلها وأشربَ من مائها لا أسألك غيرها
فيقول : يا ابن آدم ألم تعاهدني أن لا تسألني غيرها ؟
قال : بلى يا رب ، هذه لا أسألك غيرها وربه يعذره لأنه يرى مالا صبر له عليه فيدنيه منها ، فإذا أدناه منها سمع أصوات أهل الجنة
فيقول: يا رب أدخلنيها
فيقال له : ادخل الجنة فيقول : رب كيف وقد نزل الناس منازلهم وأخذوا أخذاتهم
فيقول الله : يا ابن آدم ما يرضيك مني ؟!
أترضى أن يكون لك مثل ملك من ملوك الدنيا ؟
فيقول : رضيت رب
فيقول : لك ذلك ومثله ، ومثله ، ومثله ، ومثله
فيقول في الخامسة : رضيت رب
فيقول الله تعالى : لك ذلك وعشرة أمثاله ، ولك ما اشتهت نفسك ولذّت عينك
ثم يقول الله تعالى له : تمن ، فيتمنى ، ويذكره الله : سل كذا وكذا ، فإذا انقطعت به الأماني
ثم يدخل بيته ويدخل عليه زوجتاه من الحور العين، فيقولان : الحمد لله الذي أحياك لنا وأحيانا لك
فيقول: ما أعطى أحد مثل ما أعطيت .
قال ( يعني موسى عليه السلام ) : رب فأعلاهم منزلة ؟
قال : أولئك الذين أردت غرس كرامتهم بيدي وختمت عليها فلم تر عين ولم تسمع أذن ولم يخطر على قلب بشر ) فـ
سبحان من غرست يداه جنة الفردوس عند تكامل البنيان
ويداه أيضا أتقنت لبنائها فتبارك الرحمن أعظم بان
لما قضى رب العباد العرش قا * ل تكلمي فتكلمت ببيان
قد أفلح العبد الذي هو مؤمن * ماذا ادخرت له من الاحسان
فيها الذي والله لا عين رأت * كلا ولا سمعت به الأذنان
كلا ولا قلب به خطر المثا * ل له تعالى الله ذو السلطان
هي جنة طابت وطاب نعيمها * فنعيمها باق وليس بفان
دار السلام وجنة المأوى ومنزل عسكر الايمان والقرآن
أمشاطهم ذهب ورشحهم فمسك خالص ياذلة الحرمان *
هذا وسنهم ثلاث مع ثلا * ثين التي هي قوة الشبان
وبناؤها اللبنات من ذهب وأخـ ـرى فضة نوعان مختلفان *
وقصورها من لؤلؤ وزبرجد أو فضة أو خالص العقيان *
وكذاك من در وياقوت به * نظم البناء بغاية الاتقان
والطين مسك خالص أو زعفرا * ن جابذا أثران مقبولان
حصباؤها در وياقوت كذا ك لآليء نثرت كنثر جمان
وترابها من زعفران أو من المسك الذي ما استل من غزلان
أنهارها في غير أخدود جرت * سبحان ممسكها عن الفيضان
من تحتهم تجري كما شاؤوا مفجرة وما للنهر من نقصان
عسل مصفى ثم خمـــــــر ثم أنهار من الالبان

سبحان ذي الجبروت والملكوت وال * إجلال والاكرام والسبحان
والله أكبر عالم الاسرار والاعلان واللحظات بالاجفان *
والحمد لله السميع لسائر الأصوات من سر ومن اعلان *
وهو الموحد والمسبح والممجد والحميد ومنزل القرآن *
والأمر من قبل ومن بعد له * سبحانك اللهم ذا السلطان

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المشتاقون إلى الجنة لهم مع ربهم أخبار وأسرار بل كانوا إذا حـصلوا الجنة لم يلتفتوا إلى غيرها أبداً
حارثة بن سراقة غلام من الأنصار .. له حادثة عجب ذكرها أصحاب السير وأصلها في صحيح البخاري
دعا النبي صلى الله عليه وسلم الناس للخروج إلى بدر ..
فلما أقبلت جموع المسلمين كانت النساء ..
وكان من بين هؤلاء الحاضرين عجوز ثكلى ، كبدها حرى تنتظر مقدم ولدها ..
فلما دخل المسلمون المدينة بدأ الأطفال يتسابقون إلى آبائهم ، والنساء تسرع إلى أزواجها ، والعجائز يسرعن إلى أولادهن ، .. وأقبلت الجموع تتتابع ..
جاء الأول .. ثم الثاني .. والثالث والعاشر والمائة ..ولم يحضر حارثة بن سراقة ..
وأم حارثة تنظر وتنتظر تحت حرّ الشمس ، تترقب إقبال فلذة كبدها ، وثمرةِ فؤادها ،
كانت تعد في غيابه الأيام بل الساعات ، وتتلمس عنه الأخبار ، تصبح وتمسي وذكره على لسانها ..
تســــائل عنه كل غاد ورائح وتومــيء إلى أصحابه وتسلــم
فـللـه كـم مـن عـبرة مهراقة وأخـرى على آثارها لا تقــدم
وقــد شرقت عين العجوز بدمعها فتنظــر من بين الجموع وتكتم
وكانت إذا ما شدها الشوق والجوى وكاد <ن® <ب@يل تفصم
تذكـــر نفسـاً بالتلاقي وقربه وتوهمهــا لكنهـــا لا توهم
وكـــم يصبر المشتاق عمن يحبه وفي قلبـه نـار الأسى تتضــرم
ترقبت العجوز وترقبت فلم تر ولدها ..
فتحركت الأم الثكلى تجر خطاها إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، ودموعها .. ..
فنظر الرحيم الشفيق إليها فإذا هي عجوز قد هدها الهرم والكبر ، وأضناها التعب وقلّ الصبر ، وقد طال شوقها إلى ولدها ، تتمنى لو أنه بين يديها تضمه ضمة ، وتشمه شمة ولو كلفها ذلك حياتها ..
اضطربت القدمان ، وانعقد اللسان ، وجرت بالدموع العينان ..
كبر سنها ، واحدودب ظهرها ، ورق عظمها ، ويبس جلدها ، واحتبس صوتها في حلقها ..
وقد رفعت بصرها تنتظر ما يجيبها الذي لا ينطق عن الهوى ..
فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم ذلها وانكسارها ، وفجيعتَها بولدها ، التفت إليها وقال :
ويحك يا أم حارثة أهبلت ؟! أوجنةٌ واحدة ؟! إنها جنان ، وإن حارثة قد أصاب الفردوس لأعلى ..
فلما سمعت العجوز الحرى هذا الجواب : جف دمعها ، وعاد صوابها ، وقالت : في الجنة ؟ قال : نعم .
فقالت : الله أكبر .. ثم رجعت الأم الجريحة إلى بيتها ..
رجعت تنتظر أن ينزل بها هادم اللذات ..ليجمعها مع ولدها في الجنة ..
لم تطلب غنيمة ولا مالاً ، ولم تلتمس شهرة ولا حالاً ، وإنما رضيت بالجنة ..
ما دام أنه في الجنة يأكل من ثمارها الطاهرة ، تحت أشجارها الوافرة ، مع قوم وجوههم ناضرة ، وعيونهم إلى ربهم ناظرة ، فهي راضية ، ولماذا لا يكون جزاؤهم كذلك ..
وهم طالما يبست بالصيام حناجرهم ، وغرقت بالدموع محاجرهم ..
طالما غضوا أبصارهم عن الحرام ، واشتغلوا بخدمة العزيز العلام ..
فهم في جنة ربهم يتنعمون ] على سرر موضونة * متكئين عليها متقابلين * يطوف عليهم ولدان مخلدون * بأكواب وأباريق وكأس من معين * لا يصدعون عنها ولا ينزِفون * وفاكهة مما يتخيرون * ولحم طير مما يشتهون * وحور عين * كأمثال اللؤلؤ المكنون * جزاء بما كانوا يعملون * لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما * إلا قيلا سلاما سلاما [

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وأينما سرت في ركب الصالحين لتجدن طلب الجنة يملأ قلوبهم ويشغل نفوسهم .. قد تعلقت بها أرواحهم حتى لم تقم لغيرها وزنا .. فهان عليهم كل شيء في سبيل الوصول إليها ..
أبو الدحداح ثابت بن الدحداح .. كان له نبأ عجب ..
روى البخاري ومسلم عن أنس y : أن غلاماً يتيماً من الأنصار كان له بستان ملاصق لبستان رجل منذ سنين ، فأراد الغلام أن يبني جداراً يفصل بستانه عن بستان صاحبه ..
نعم خرجت أم الدحداح وخرج أبو الدحداح وتركوا البستان والأشجار ، وفارقوا الظلال والثمار
نقلوا عيشَ دنياهم من الحدائق إلى المضائق ،
تركوا الشهوات ، واشتغلوا بالقربات ، عطشوا في دنياهم وجاعوا ، وذلوا لربهم وأطاعوا ، فارقوا في طلب رضاه كلَّ شيء وباعوا
فعل ذلك أبو الدحـداح حتى يكون هو وزوجته مع أولادهما في ظلال على الأرائك يتكئون ] "إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون * هم وأزواجهم في ظلال على الأرائك متكئون * لهم فيها فاكهة ولهم ما يدعون * سلام قولا من رب رحيم [
ولا يزالون في مزيد فهو سبحانه البر الرؤوف الرحيم
] "إن المتقين في جنات ونعيم * فاكهين بما آتاهم ربهم ووقاهم ربهم عذاب الجحيم * كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون * متكئين على سرر مصفوفة وزوجناهم بحور عين * "والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء كل امرئ بما كسب رهين * وأمددناهم بفاكهة ولحم مما يشتهون * يتنازعون فيها كأسا لا لغو فيها ولا تأثيم * ويطوف عليهم غلمان لهم كأنهم لؤلؤ مكنون * وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون * قالوا إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين * فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم * إنا كنا من قبل ندعوه إنه هو البر الرحيم [

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المشتاقون إلى الجنة : لم يكتفوا بقيام الليل وصيام النهار ، والعفة عن النظر إلى المحرمات ، والاشتغال بالطاعات ، بل نظروا إلى أعز ما يملكون ، إلى أنفسهم التي بها قوام حياتهم ، ثم قدموها في سبيل رضا العزيز الحكيم ..

في معركة بدر .. اشتدّ البلاء على المسلمين ..
إذ قد خرج المسلمون لا لأجل القتال وإنما خرجوا لأخذ قافلة لقريش كانت قادمة من الشام ، ففوجئوا بأن القافلة قد فاتتهم وأن قريشاً قد جاءت بجيش من مكة كثيرِ العدد والعدة لحربهم ..
فلما رأى الرسول صلى الله عليه وسلم ضعف أصحابه وقلة عددهم وضعف عتادهم ..
فاستغاث بربه ، وأنزل به ضره ومسكنته ، ثم خرج إلى أصحابه فإذا هم قد لبسوا للحرب لأمتها ، واصطفوا للموت كأنما هم في صلاة ،
تركوا في المدينة أولادهم ، وهجروا بيوتهم وأموالهم ، شعثاً رؤوسهم ، غبراً أقدامهم ، ضعيفة عدتهم وعتادهم .
فلنا رأى النبي صلى الله عليه وسلم ذلك ، صاح بهم وقال :
قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض والذي نفس محمد بيده لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابراً محتسباً مقبلاً غير مدبر ، إلا أدخله الله الجنة ..
فقام عمير بن الحمام ..
نعم رحل عمير من دار الأشرار ونزل في جوار الملك الجبار ، انتفع بما قدم من صيام النهار ، ورفعه بكاء الأسحار ، وسكن في جنات تجري من تحته الأنهار ..برحمة العزيز الحكيم ..
الذي أجزل لهم الثواب ، وسماهم الأحباب ، وأمنهم من العذاب ، الملائكة يدخلون عليهم من كل باب ،
لهم فيها ما تشتهي أنفسهم ، ولا يزالون في مزيد
] في سدر مخضود * وطلح منضود * وظل ممدود * وماء مسكوب * وفاكهة كثيرة * لا مقطوعة ولا ممنوعة * وفرش مرفوعة * إنا أنشأناهن إنشاء * فجعلناهن أبكارا * عربا أترابا * لأصحاب اليمين [

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المشتاقون إلى الجنة لهم مع ربهم تعالى أخبار وأسرار
كلما زاد ربهم في بلائهم وامتحانهم ، ازدادوا صبراً واحتساباً
فهو سبحانه أكبر المنعمين ، ولا يقبل أن يعامله عباده بالمجان بل يعظم لهم الأجور
وما يصيب المؤمن من نصب ولا وصب حتى الشوكة يشاكها ..
استمع إلى هذا الخبر العجيب
روى البخاري عن عطاء بن أبي رباح
الأمة السوداء :
جاءت إليه صلى الله عليه وسلم تلتمس منه أن يغير مجرى حياتها فقد تعذبت فيها أشد العذاب ..لا أحد يتزوجها .. ولا يجلس معها .. الناس يخافون منها .. والأطفال يضحكون منها .. تصرع بين الناس في أسواقهم .. وفي بيوتهم .. وفي مجالسهم .. حتى استوحشوا من مخالطتها .. ملت من هذه الحياة فجاءت إلى الرحيم الشفيق .. ثم صرخت من حرّ ما تجد :
إني أصرع .. فادع الله تعالى أن يشفيني ..
فلما انتهى النبي صلى الله عليه وسلم من كلامه ..
نظرت المرأة وتأملت في حالها ومرضها .. ورددت كلامه صلى الله عليه وسلم في عقلها ..
فإذا هو يخيرها بين المتعة في دنيا فانية يمرض ساكنها ، ويجوع طاعمها ، ويبأس مسرورها ، وبين دار ليس فيها ما يشينها ، ولا يزول عزها وتمكينها ،
دار قد أشرقت حِلاها ، وعزت علاها ،
دار جلَّ من بناها ، وطاب للأبرار سكناها ، وتبلغ النفوس فيها مناها
فقالت الأمة المريضة يا رسول الله : بل أصبر .. أصبر يا رسول الله ..
وصبرت حتى ماتت .. وليتعب جسدها ..ولتحزن نفسها ..ما دام أن الجنة جزاؤها ..
الله أكبر .. زال نصبهم ، وارتفع تعبهم ، وحصل مقصودهم ، ورضي معبودهم ..ما أتم نعيمهم ، وأعز تكريمهم ، يتقون في الدنيا .. ليفوزوا يوم القيامة ..
] إن للمتقين مفازا * حدائق وأعنابا * وكواعب أترابا * وكأسا دهاقا * لا يسمعون فيها لغوا ولا كذابا * جزاء من ربك عطاء حسابا"[
في الجنة :
أعد الله لهم القصور والأرائك ، وأخدمهم الغلمان والملائك ، وأباحهم الجنان والممالك ، وسلم عليهم الرب العظيم المالك ] سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار [
قال الله ] والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم
صبروا ------ على الأمراض والأسقام ، وعلى الأدواء والأورام ،
صبروا ------ على الفقر واللأواء ، والضيق والبلاء ..
صبروا ------ على حفظ الفروج ، وغض الأبصار ، ومناجاة ربهم في الأسحار ..
] صبروا ابتغاء وجه ربهم وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية ويدرؤون بالحسنة السيئة أولئك لهم عقبى الدار * جنات عدن يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم والملائكة يدخلون عليهم من كل باب * سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار" [
أولئك الصابرون الذين اشتاقوا إلى الجنات ، واستبشروا فتحملوا مرضهم ، وكتموا أنينهم ، وسكبوا في المحراب دموعهم ، فما مضى إلا قليل حتى فرحوا بجنات النعيم
وإذا رأى أهل العافية يوم القيامة ما يؤتيه الله تعالى من الأجور لأهل البلاء ودوا لو أن جلودهم قرضت بالمقاريض ..
[ "جناتِ عدن يدخلونها يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير * وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور * الذي أحلنا دار المقامة من فضله لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب ]

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بل استمع إلى هذا الامتحان الصعب الذي أثبت فيه المحبون أنهم إلى ربهم مشتاقون ، وفي رضاه راغبون ، ولسان حالهم :
فليتك تحلوا والحياة مريرة . .

الأنصار في العقبة :
عن جابر . قال : مكث رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة عشر سنين يتبع الناس في منازلهم ، عكاظ و مجنة ، و في المواسم يقول : من يؤويني ؟ من ينصرني ؟ حتى أبلغ رسالة ربي و له الجنة فلا يجد أحداً يؤويه و لا ينصره ، حتى إن الرجل ليخرج من اليمن أو من مضر ـ كذا قال فيه ـ فيأتيه قومه و ذوو رحمه فيقولون احذر غلام قريش لا يفتنك ، و يمضي بين رحالهم و هم يشيرون إليه بالأصابع ..
فرحل إليه منا سبعون رجلاً حتى قدموا عليه في الموسم فواعدناه شعب العقبة ..
فقلنا : يا رسول الله علام نبايعك ؟
قال : تبايعونني على السمع و الطاعة في النشاط و الكسل ، و النفقة في العسر و اليسر ، و على الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر ، و أن تقولوا في الله لا تخافوا في الله لومة لائم ، و على أن تنصروني فتمنعوني إذا قدمت عليكم مما تمنعون منه أنفسكم و أزواجكم و أبناءكم
فقال العباس بن عبادة الأنصاري : يا معشر الخزرج ، هل تدرون علام تبايعون هذا الرجل ؟
قالوا : نعم !
قال : إنكم تبايعونه على حرب الأحمر والأسود من الناس ، فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه على نهكة الأموال ، و قتل الأشراف ، فخذوه ، فهو و الله خير الدنيا و الآخرة .
وقام أسعد بن زرارة فقال : رويداً يا أهل يثرب ، فإنا لم نضرب إليه أكباد الإبل إلا ونحن نعلم أنه رسول الله ، وأن إخراجه اليوم مناوأة للعرب كافة و قتل خياركم و تعضكم السيوف . فإما أنتم قوم تصبرون على ذلك فخذوه وأجركم على الله ، وإما أنتم قوم تخافون من أنفسكم خيفة فذروه . فبيبنوا ذلك فهو أعذر لكم عند الله .
قالوا : يا رسول الله إن بيننا و بين الرجال حبالاً وإنا قاطعوها ، وإنا نأخذك على مصيبة الأموال وقتل الأشراف ، فما لنا بذلك يا رسول الله إن نحن وفينا ؟
قال : الجنة
قالوا : ابسط يدك ،
فبسط يده فبايعوه "
فعلوا كل ذلك طمعاً في مغفرة الله تعالى ، وخوفاً من شر يوم الحسرة والندامة
[ فوقاهم الله شر ذلك اليوم ولقاهم نضرة وسرورا * وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا * متكئين فيها على الأرائك لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا * ودانية عليهم ظلالها وذللت قطوفها تذليلا * ويطاف عليهم بآنية من فضة وأكواب كانت قواريرا * قوارير من فضة قدروها تقديرا * ويسقون فيها كأسا كان مزاجها زنجبيلا * عينا فيها تسمى سلسبيلا * ويطوف عليهم ولدان مخلدون إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤا منثورا * وإذا رأيت ثم رأيت نعيما وملكا كبيرا * عاليهم ثياب سندس خضر وإستبرق وحلوا أساور من فضة وسقاهم ربهم شرابا طهورا * إن هذا كان لكم جزاء وكان سعيكم مشكورا ] .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وفي معركة أحد : كان للمحبين امتحان آخر ..
روى مسلم في صحيحه : عن أنس بن مالك أن المشركين لما رهقوا النبي وهو في سبعة من الأنصار ورجل من قريش ، قال : من يردهم عنا وهو رفيقي في الجنة ؟ فجاء رجل من الأنصار فقاتل حتى قتل . فلما رهقوه أيضاً قال : من يردهم عنا وهو رفيقي في الجنة ، حتى قتل السبعة ، فقال رسول الله : ما أنصفنا أصحابنا ..
فهؤلاء السبعة ملوك على الأسرة في الجنة ، ومن صدق الله صدقه الله
وهم الملوك على الأسرة فوق ها * تيك الرؤوس مرصع التيجان
ولباسهم من سندس خضور ومن * إستبرق نوعان معروفان
هذا وتصريف المآكل كل منهم * عرق يفيص لهم من الابدان
كروائح المسك الذي ما فيه خلـ * ط غيره من سائر الألوان
فتعود هاتيك البطون ضوامرا * تبغي الطعام على مدى الازمان
لا غائط فيها ولا بول ولا * مخط ولا بصق من الانسان
ويرونه سبحانه من فوقهم * رؤيا العيان كما يرى القمران
أو ما سمعت منادي الايمان يخبر عن منادي جنة الحيوان
يا أهلها لكم لدى الرحمن وعد وهو منجزه لكم بضمان
قالوا أما بيضت أوجهنا كذا * أعمالنا ثقلت ففي الميزان
وكذاك قد أدخلتنا الجنات حين أجرتنا من مدخل النيران
فيقول عندي موعد قد أن أن * أعطيكموه برحمتي وحناني
فيرونه من بعد كشف حجابه * جهرا روى ذا مسلم ببيان
والله لولا رؤية الرحمن في الـــجنات ما طابت لذي العرفان
والله ما في هذه الدنيا ألـــــــذ من اشتياق العبد الرحمن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المشتاقون إلى الجنة ، قد يذنبون ويخطئون ، فكل بني آدم خطاء ، لكنهم يسرعون إلى التوبة والاستغفار ، ويغلبهم الخوف من العزيز الجبار ..
أولئك الصالحون قد يذنبون لكنهم إذا لاحت لهم ذنوبهم تجافت عن المضاجع جنوبهم ، وإذا ذكر الله وجلت قلوبهم ..
صفوا أقدامهم في المحراب ، وأناخوا مطاياهم على الباب ، في طلب مغفرة الرحيم التواب ..
فهم في محاريبهم أسعد من أهل اللهو في لهوهم ..
فلو أبصرت عيناك موقفهم بها وقد بسطوا تلك الأكــــف ليرحموا
فـــــلا تـــــــــرى إلا خــــاشعاً متذللاً وآخــــــــــــــــر يبكــــي ذنبه يترنم
تراهم على المحراب تجري دموعهم بكياً وهم فيها أسرّ وأنعـــــــــــــم
ينــــــــــــــادونه يا رب يا رب إننا عبيدك لا نبــــــغي سواك وتعلم
وهـــــــــــانحن نرجو منك ما أنت أهله فأنت الــذي تعطي الجزيل وتنعم
فمــــــــــــــا منكم بد ولا عنكم غنى ومـــــــــا لنا من صبر فنسلو عنكم
ومــــن شاء فليغضب سواكم فلا إذا إذا كنتم عن عبدكم قد رضيتم
فلله ذاك المشهد الأكرم الذي كموقف يوم العرض بل ذاك أعظم
ويدنــــــــوا به الجبــــــــار جل جلاله يباهي بهم أملاكه فهـــــــــــــــو أكرم
يقــــــــول عبادي قد أتوني محبة وإني بهم برٌ أجـــــــــــــود وأكرم
فـــأشهدكم أني غفرت ذنوبهم وأعطيتهــــــــــــم ما أملوه وأَنعَم
حاسبوا أنفسهم أشد المحاسبة ، وصاحوا بها بألسن المعاتبة ، وبارزوا إبليس بالمحاربة ، علموا أن عدوهم الأكبر هو إبليس ، تكبر أن يسجد لأبيهم آدم ، ثم كاد له فأخرجه من الجنة ، ثم أقسم ليحتنكن ذريته إلا قليلاً ،
لم يفرح إبليس منهم بمعصية ، فعجباً لهم من أقوام :
جن عليهم الليل فسهروا ، وطالعوا صحف الذنوب فانكسروا ، وطرقوا باب المحبوب واعتذروا ،
واستمع إلى قصة من أعجب القصص أوردها أبو نعيم في حلية الأولياء وأشار إليها ابن حجر في الإصابة وابن حبان في الثقات
وهي عن شاب من الصحابة
غلامٌ لم يتجاوز عمره ست عشرة سنة
ثعلبةُ بن عبد الرحمن ..
فما زالوا يترقبونه حتى نزل ..فإذا هو كأنه فرخ منتوف بالٍ من شدة البكاء ..
نزل منكسَ الرأس .. كسيرَ الفؤاد .. دامعَ العينين .. يجر خطاه على الأرض حزناً وذلاً ..

أيها الأخوة الكرام
هذه هي الجنة .. وهؤلاء هم المشتاقون إليها
الذين راغموا الشيطان .. وتقربوا إلى الرحمن ..
المشتاقون إلى الجنة الذين أخلصوا لله تعالى توحيدهم فلم يدعوا غير الله ، ولم يتوجهوا إلى قبر في طلب حاجة ولم يحلفوا بغير الله تعالى ، ولم يتدنسوا بسحر ولا شعوذة ..بل حرصوا على أن تصفو عقائدهم من شوائب الشرك حتى يلقوا ربهم وهو راض عنهم ..
كيف يكون مشتاقاً إلى الجنة ..ويرجو دخولها من يتمسح بالقبور لطلب البركات ؟ أو يذبح عند هذه القبور تقرباً إلى أهلها ؟ أو يعتقد أن من الأولياء والصالحين من يملك له ضراً أو نفعاً فيتبرك به ويعظمه طلباً لهذا النفع أو دفعاً لذلك الضر ؟
المشتاقون إلى الجنة الذين حفظوا نساءهم ، وأحسنوا تربية أولادهم فعلموهم الصلاة وحفظوهم القرآن ، وأخلصوا في عبادة ربهم ..
المشتاقون إلى الجنة الذين عزموا على الرجوع إليها إذ هي منازلهم الأولى قبل أن يكيد لهم إبليس مكائده ..
فإن تكن اشتقت إلى الجنة فهي قريبة ..
فــحي على جنات عدن فإنهـا منازلنا الأولى وفيها المخـيم
ولــكننا سبي العدو فهل تـرى نعود إلى أوطاننـا ونسلـم
وحي على السوق الذي فيه يلتقي المحـ ـبون ذاك السوق للقوم يعلم
وحي على روضاتها وخيامها وحي على عيش بها ليس يسأم
وحي على يوم المزيد الذي به زيارة رب العرش فاليوم موسـم
فلله برد العيش بين خيامهـا وروضاتها والثغر في الروض يبسم
ولله واديها الذي هو موعد المز يـد لوفـد الحب لو كنت منهـم
بذيالك الوادي يهيم صبابـةً محب يرى أن الصبـابة مغنـم
ولله أفراح المحبيـن عنـدمـا يخاطبـهم من فـوقهم ويـسلم
وللـه أبـصارٌ ترى الله جهرة فلا الضيم يغشـاها ولا هي تسـأم
فيا ساهياً في غفلة الجهل والهوى صريع الأماني عن قريب سيندم
أفق قد دنى الوقت الذي ليس بعده سوى جنة أو حر نار تضرم
وهيئ جواباً عندما تسمع الندا من الله يوم العرض ماذا أجبتموا ؟
به رسلي لما أتوكم فمن يكن أجاب سواهم سوف يخزى ويندم
وخذ من تقى الرحمن أعظم جنة ليوم به تبدوا عياناً جهنم
وينصب ذاك الجسر من فوق متنها فهاوٍ ومخدوشٌ وناج مسلّم
وتشهد أعضاء المسيء بما جنى كذاك على فيه المهيمن يختم
فيا ليت شعري كيف حالك عندما تطاير كتب العالمين وتقسم
أتأخذ باليمنى كتابك أم تكن بالأخرى وراء الظهر منك تسلم
وتقرأ فيه كل ما قد عملته فيشرق منك الوجه أو هو يظلم
فبادر إذا ما دام في العمر فسحة وعدلك مقبول وصرفك قيم
فهن المنايا أي واد نزلنه عليها القدوم أو عليك ستقدم

اللهم اجعلنا من المتقين الأبرار ، وأسكنا معهم في دار القرار ، ولا تجعلنا من المخالفين الفجار ، وآتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة ، وقنا عذاب النار ، يا من لم يزل ينعم ويجود ، برحمتك …




بسم الله الرحمن الرحيم(رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) [البقرة/286]


Sahar
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sadakasoft.ahlamountada.net
زكرياء
مدير الموقع
مدير الموقع


البلد: غير معروف
الهواية :
عدد المساهمات عدد المساهمات: 6490
الجنس: ذكر
نقاط: 171369
السمعة السمعة: 99

مُساهمةموضوع: رد: موسوعة الخطب المكتوبة و الدروس    الجمعة أكتوبر 25, 2013 11:46 pm



بسم الله الرحمن الرحيم

القابضات على الجمر

الحمد الله الذي أسكن عباده هذه الدار .. وجعلها لهم منزلة سفر من الأسفار .. وجعل الدار الآخرة هي دار القرار .. فسبحان من يخلق ما يشاء ويختار .. ويرفق بعباده الأبرار في جميع الأقطار .. وسبق رحمته بعباده غضبه وهو الرحيم الغفار ..أحمده على نعمه الغزار ..وأشكره وفضله على من شكر مدرار ..وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الواحد القهار ..وأشهد أن محمداً عبده ورسوله النبي المختار ..الرسول المبعوث بالتبشير والإنذار صلى الله عليه وسلم .. صلاة تتجدد بركاتها بالعشي والأبكار ..
أما بعد :
فهذه رسالة .. رسالة .. إلى القابضات على الجمر ..
رسالة .. إلى أولئك الفتيات الصالحات .. والنساء التقيات ..
حديثٌ .. إلى اللاتي شرفهن الله بطاعته .. وأذاقهن طعم محبّته ..
إلى حفيدات خديجة وفاطمة .. وأخوات حفصة وعائشة ..
هذه أحاسيس .. أبثها ..إلى من جعلن قدوتهن أمهات المؤمنين ..
وغايتهن رضا رب العالمين ..إلى اللاتي طالما دعتهن نفوسهن إلى الوقوع في الشهوات ..
ومشاهدة المحرمات .. وسماع المعازف والأغنيات ..
فتركن ذلك ولم يلتفتن إليه .. مع قدرتهن عليه .. خوفاً من يوم تتقلب فيه القلوب والأبصار ..
هذه وصايا .. إلى الفتيات العفيفات .. والنساء المباركات .. اللاتي يأمرن بالمعروف .. وينهين عن المنكر .. ويصبرن على ما يصيبهن ..
هذه همسات .. إلى حبيبة الرحمن .. التي لم تجعل همها في القنوات .. ومتابعة آخر الموضات .. وتقليب المجلات .. وإنما جعلت الهموم هماً واحداً هو هم الآخرة ..
هذه رسالة .. إلى تلك المؤمنة العفيفة التي كلما كشر الفساد حولها عن أنيابه .. رفعت بصرها إلى السماء وقالت : اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك ..
هذه رسالة .. إلى القابضات على الجمر اللاتي قال فيهن النبي صلى الله عليه وسلم : ( يأتي على
الناس زمان يكون فيه القابض على دينه كالقابض على الجمر ) ..
رسالة .. إلى المرأة الصالحة التقية .. التي قدمت محبة الله وأوامره .. على تقليد فلانة أو فلانة .. فأصبحت غريبة بين النساء بسبب صلاحها وفسادهن .. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لها فيما رواه ابن ماجة والدارمي : " إن الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً كما بدأ فطوبى للغرباء " . قيل : ومن الغرباء يا رسول الله ؟ قال : " الذين يصلحون إذا فسد الناس " ..
هذه كلمات .. إلى القابضات على الجمر .. لأذكرهن بأخبار من تقدمهن إلى طريق الجنة .. ممن تركن لذة الحياة .. وحملن همَّ الدين .. حتى ضاعف الله لهن الحسنات .. وكفر السيئات .. ورفع الدرجات .. حتى سبقن كثيراً من الرجال ..

أول تلك القابضات على الجمر ..
هي تلك المرأة الصالحة التي كانت تعيش هي وزوجها .. في ظل ملك فرعون .. زوجها مقرب من فرعون .. وهي خادمة ومربية لبنات فرعون ..
فمن الله عليهما بالإيمان .. فلم يلبث زوجها أن علم فرعون بإيمانه فقتله ..فلم تزل
الزوجة تعمل في بيت فرعون تمشط بنات فرعون .. وتنفق على أولادها الخمسة .. تطعمهم كما تطعم الطير أفراخها ..
فبينما هي تمشط ابنة فرعون يوماً .. إذ وقع المشط من يدها ..
فقالت : بسم الله .. فقالت ابنة فرعون : الله .. أبي ؟
فصاحت الماشطة بابنة فرعون : كلا .. بل الله .. ربي .. وربُّك .. وربُّ أبيك ..
فتعجبت البنت أن يُعبد غير أبيها ..
ثم أخبرت أباها بذلك .. فعجب أن يوجد في قصره من يعبد غيره ..
فدعا بها .. وقال لها : من ربك ؟ قالت : ربي وربك الله ..
فأمرها بالرجوع عن دينها .. وحبسها .. وضربها .. فلم ترجع عن دينها .. فأمر فرعون
بقدر من نحاس فملئت بالزيت .. ثم أحمي .. حتى غلا ..
وأوقفها أمام القدر .. فلما رأت العذاب .. أيقنت أنما هي نفس واحدة تخرج وتلقى الله
تعالى .. فعلم فرعون أن أحب الناس أولادها الخمسة .. الأيتام الذين تكدح لهم ..
وتطعمهم .. فأراد أن يزيد في عذابها فأحضر الأطفال الخمسة .. تدور أعينهم .. ولا
يدرون إلى أين يساقون ..
فلما رأوا أمهم تعلقوا بها يبكون .. فانكبت عليهم تقبلهم وتشمهم وتبكي .. وأخذت
أصغرهم وضمته إلى صدرها .. وألقمته ثديها ..
فلما رأى فرعون هذا المنظر ..أمر بأكبرهم .. فجره الجنود ودفعوه إلى الزيت المغلي
.. والغلام يصيح بأمه ويستغيث .. ويسترحم الجنود .. ويتوسل إلى فرعون .. ويحاول
الفكاك والهرب ..
وينادي إخوته الصغار .. ويضرب الجنود بيديه الصغيرتين .. وهم يصفعونه ويدفعونه ..
وأمه تنظر إليه .. وتودّعه ..
فما هي إلا لحظات .. حتى ألقي الصغير في الزيت .. والأم تبكي وتنظر .. وإخوته
يغطون أعينهم بأيديهم الصغيرة .. حتى إذا ذاب لحمه من على جسمه النحيل .. وطفحت
عظامه بيضاء فوق الزيت .. نظر إليها فرعون وأمرها بالكفر بالله .. فأبت عليه ذلك ..
فغضب فرعون .. وأمر بولدها الثاني .. فسحب من عند أمه وهو يبكي ويستغيث .. فما هي
إلا لحظات حتى ألقي في الزيت .. وهي تنظر إليه .. حتى طفحت عظامه بيضاء واختلطت بعظام أخيه .. والأم ثابتة على دينها .. موقنة بلقاء ربها ..
ثم أمر فرعون بالولد الثالث فسحب وقرب إلى القدر المغلي ثم حمل وغيب في الزيت ..
وفعل به ما فعل بأخويه ..
والأم ثابتة على دينها .. فأمر فرعون أن يطرح الرابع في الزيت ..
فأقبل الجنود إليه .. وكان صغيراً قد تعلق بثوب أمه .. فلما جذبه الجنود .. بكى وانطرح على قدمي أمه .. ودموعه تجري على رجليها .. وهي تحاول أن تحمله مع أخيه ..
تحاول أن تودعه وتقبله وتشمه قبل أن يفارقها .. فحالوا بينه وبينها .. وحملوه من
يديه الصغيرتين .. وهو يبكي ويستغيث .. ويتوسل بكلمات غير مفهومة .. وهم لا يرحمونه ..
وما هي إلا لحظات حتى غرق في الزيت المغلي .. وغاب الجسد .. وانقطع الصوت .. وشمت الأم رائحة اللحم .. وعلت عظامه الصغيرة بيضاء فوق الزيت يفور بها ..تنظر الأم إلى عظامه .. وقد رحل عنها إلى دار أخرى ..
وهي تبكي .. وتتقطع لفراقه .. طالما ضمته إلى صدرها .. وأرضعته من ثديها .. طالما
سهرت لسهره .. وبكت لبكائه ..
كم ليلة بات في حجرها .. ولعب بشعرها .. كم قربت منه ألعابه .. وألبسته ثيابه ..
فجاهدت نفسها أن تتجلد وتتماسك ..فالتفتوا إليها .. وتدافعوا عليها ..
وانتزعوا الخامس الرضيع من بين يديها .. وكان قد التقم ثديها ..
فلما انتزع منها .. صرخ الصغير .. وبكت المسكينة .. فلما رأى الله تعالى ذلها
وانكسارها وفجيعتها بولدها .. أنطق الصبي في مهده وقال لها :
يا أماه اصبري فإنك على الحق ..ثم انقطع صوته عنها .. وغيِّب في القدر مع إخوته ..
ألقي في الزيت .. وفي فمه بقايا من حليبها ..
وفي يده شعرة من شعرها .. وعلى أثوابه بقية من دمعها ..
وذهب الأولاد الخمسة .. وهاهي عظامهم يلوح بها القدر ..
ولحمهم يفور به الزيت .. تنظر المسكينة .. إلى هذه العظام الصغيرة ..
عظام من ؟ إنهم أولادها .. الذين طالما ملئوا عليها البيت ضحكاً وسروراً .. إنهم
فلذات كبدها .. وعصارة قلبها .. الذين لما فارقوها .. كأن قلبها أخرج من صدرها ..
طالما ركضوا إليها ..وارتموا بين يديها ..
وضمتهم إلى صدرها .. وألبستهم ثيابهم بيدها .. ومسحت دموعهم بأصابعها .. ثم هاهم
ينتزعون من بين يديها .. ويقتلون أمام ناظريها ..
وتركوها وحيدة وتولوا عنها .. وعن قريب ستكون معهم ..
كانت تستطيع أن تحول بينهم وبين هذا العذاب .. بكلمة كفر تسمعها لفرعون .. لكنها
علمت أن ما عند الله خير وأبقى ..
ثم .. لما لم يبق إلا هي .. أقبلوا إليها كالكلاب الضارية .. ودفعوها إلى القدر ..
فلما حملوها ليقذفوها في الزيت .. نظرت إلى عظام أولادها .. فتذكرت اجتماعهم معهم
في الحياة .. فالتفتت إلى فرعون وقالت : لي إليك حاجة .. فصاح بها وقال : ما حاجتك
؟ فقالت : أن تجمع عظامي وعظام أولادي فتدفنها في قبر واحد .. ثم أغمضت عينيها ..
وألقيت في القدر .. واحترق جسدها .. وطفت عظامها ..
فلله در هذه الماشطة ما أعظم ثباتها .. وأكثر ثوابها ..
ولقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء شيئاً من نعيمها .. فحدّث به أصحابه وقال لهم فيما رواه البيهقي : ( لما أسري بي مرت بي رائحة طيبة .. فقلت: ما هذه الرائحة ؟ فقيل لي : هذه ماشطة بنت فرعون وأولادُها .. ) ..
الله أكبر تعبت قليلاً .. لكنها استراحت كثيراً ..
{ ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون * فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون * يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين * الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم * الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل * فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم } ..
مضت هذه المرأة المؤمنة إلى خالقها .. وجاورت ربها ..
ويرجى أن تكون اليوم في جنات ونهر .. ومقعد صدق عند مليك مقتدر .. وهي اليوم أحسن منها في الدنيا حالاً .. وأكثر نعيماً وجمالاً ..
وعند البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لو أن امرأة من أهل الجنة اطلعت إلى أهل الأرض لأضاءت ما بينهما ولملأته ريحاً .. ولنصيفها على رأسها خير من الدنيا وما فيها ..
وروى مسلم أنه صلى الله عليه وسلم قال : من دخل الجنة ينعم لا يبؤس ، لا تبلى ثيابه ، ولا يفنى شبابه . وله في الجنة ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر ..ومن دخل إلى الجنة نسي عذاب الدنيا .. فمن سكان الجنة ؟!
إنهم .. أهل الصيام مع القيام وطيب الكلمات والإحسان
أنهارها في غير أخدود جرت سبحان ممسكها عن الفيضان
عسل مصفى ثم ماء ثم خمــــر ثم أنهار من الالبان
وطعامهم ما تشتهيه نفوسهم ولحومهم طير ناعم وسمان
وفواكه شتى بحسب مناهم يا شبعة كملت لذي الإيمان
وصحافهم ذهب تطوف عليهم بأكف خدام من الولدان
وشرابهم من سلسبيل مزجه الكافور ذاك شراب ذي الإيمان
والحُلْيُ أصفى لؤلؤ وزبرجد وكذاك أسورة من العقيان
هذا وخاتمة النعيم خلودهم أبداً بدار الخلد والرضوان
يا سلعة الرحمن لست رخيصة بل أنت غالية على الكسلان
يا سلعة الرحمن أين المشتري فلقد عرضت بأيسر الأثمان
يا سلعة الرحمن هل من خاطب فلقد عرضت بأيسر الأثمان
يا سلعة الرحمن كيف تصبر العشاق عنك وهم ذوو إيمان
والله لم تخرج إلى الدنيا للذة عيشها أو للحطام الفاني
لكن خرجت لكي تعدَّ الزاد للأخرى فجئت بأقبح الخسران
ـــ
فما أطيب عيش المؤمنة في الجنة ..
عندما تتقلبُ في أنهارها .. وتشربُ من عسلها ..
بل وتنظر إلى وجه ربها ..
ما أطيب عيشك أنت .. وربُك يسألك في الجنة :
يا فلانة .. هل رضيت .. هل رضيت بما أنت فيه من النعيم ..
فتقولين : وما لي لا أرضى وقد أعطيتني ما أرجو وأمنتني مما أخاف ..
فيقول : أعطيك أعظم من ذلك .. ثم يكشف الحجاب عن وجهه فتنظرين إليه ..
فلا تنصرفين إلى شيء من النعيم ما دمت تنظرين إليه ..
{ كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين * وما أدراك ما عليون * كتاب مرقوم * يشهده
المقربون * إن الأبرار لفي نعيم * على الأرائك ينظرون * تعرف في وجوههم نضرة النعيم * يسقون من رحيق مختوم * ختامه مسك وفي ذلك فليتنافس المتنافسون * ومزاجه من تسنيم * عينا يشرب بها المقربون } ..
ولكن لن يصل أحد إلى الجنة إلا بمقاومة شهواته .. فلقد حفت الجنة بالمكاره .. وحفت
النار بالشهوات .. فاتباع الشهوات في اللباس .. والطعام .. والشراب .. والأسواق ..
طريق إلى النار .. قال صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين : ( حفت الجنة بالمكاره .. وحفت النار بالشهوات ) ..
فاتعبي اليوم وتصبَّري .. لترتاحي غداً ..
فإنه يقال لأهل الجنة يوم القيامة : { سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار } ..
أما أهل النار فيقال لهم : { أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها فاليوم تجزون عذاب الهون } ..
ـ
هذه أولى القابضات على الجمر ..
ثبتت على دينها برغم الفتنة العظيمة التي أحاطت بها ..
فعجباً والله لفتيات .. لا تستطيع إحداهن الثبات على إقامة الصلاة .. فلا تزال تتساهل بأدائها حتى تتركها حتى تكفر ..
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم كما عند الترمذي : ( العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر ) ..
ومن تركت الصلاة خلدها الله في النيران .. وعذبها مع الشيطان .. وأبعدها عن النعيم
.. وسقاها من الحميم ..
{ تلك حدود الله ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم * ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين } ..
ذكر الذهبي في الكبائر ..
أن امرأة ماتت فدفنها أخوها .. فسقط كيس منه فيه مال في قبرها فلم يشعر به حتى
انصرف عن قبرها .. ثم ذكره فرجع إلى قبرها فنبش التراب .. فلما وصل إليها وجد القبر يشتعل عليها ناراً .. ففزع .. ورد التراب عليها ..
ورجع إلى أمه باكياً فزعاً وقال : أخبريني عن أختي وماذا كانت تعمل ؟
فقالت الأم : و ما سؤالك عنها ؟
قال : يا أمي إني رأيت قبرها يشتعل عليها ناراً ..
فبكت الأم وقالت : كانت أختك تتهاون بالصلاة .. وتؤخرها عن وقتها .
فهذا حال من تؤخر الصلاة عن وقتها .. فلا تصلي الفجر إلا بعد طلوع الشمس .. أو تؤخر غيرها من الصلوات ..
فكيف حال من لا تصلي ؟
وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن رؤياه لعذاب من يخرج الصلاة عن وقتها .. فقال :
أتاني الليلة آتيان .. وإنهما ابتعثاني .. وإنهما قالا لي : انطلق .. وإني انطلقت معهما ..
وإنا أتينا على رجل مضطجع .. وإذا آخر قائم عليه بصخرة .. وإذا هو يهوي بالصخرة
لرأسه .. فيثلغ رأسه ..فيتدهده الحجر هاهنا .. فيتبع الحجر .. فيأخذه .. فلا يرجع إليه حتى يصحَّ رأسه كما كان ثم يعود عليه ..فيفعل به مثل ما فعل به مرة الأولى ..
فقلت : سبحان الله !! ما هذان ..فقال الملكان : هذا الرجل .. يأخذ القرآن فيرفضه .. ( يعني لا يعمل بما فيه ) ..وينام عن الصلاة المكتوبة ..
{ كذلك العذاب ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون } ..
ـ
أما ثانية القابضات على الجمر ..
فقد كانت ملكة على عرشها ..
على أسرةٍ ممهدة ، وفرشٍ منضدة ..
بين خدم يخدمون .. وأهلٍ يكرمون ..
لكنها كانت مؤمنة تكتم إيمانها ..
إنها آسية .. امرأة فرعون .. كانت في نعيم مقيم ..
فلما رأت قوافل الشهداء .. تتسابق إلى السماء ..
اشتاقت لمجاورة ربّها .. وكرهت مجاورة فرعون ..
فلما قتل فرعون الماشطة المؤمنة .. دخل على زوجه آسيةَ يستعرض أمامها قواه ..
فصاحت به آسية : الويل لك ! ما أجرأك على الله .. ثم أعلنت إيمانها بالله ..
فغضب فرعون .. وأقسم لتذوقَن الموت .. أو لتكفرَن بالله ..
ثم أمر فرعون بها فمدت بين يديه على لوحٍ .. وربطت يداها وقدماها في أوتاد من حديد
.. وأمر بضربها فضربت ..
حتى بدأت الدماء تسيل من جسدها .. واللحم ينسلخ عن عظامها ..
فلما اشتدّ عليها العذاب .. وعاينت الموت ..رفعت بصرها إلى السماء .. وقالت :
{ رب ابن لي عندك بيتاً في الجنة ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم
الظالمين } ..
وارتفعت دعوتها إلى السماء ..
قال ابن كثير : فكشف الله لها عن بيتها في الجنة ..
فتبسمت .. ثم ماتت .. نعم .. ماتت الملكة ..
التي كانت بين طيب وبخور .. وفرح وسرور ..
نعم تركت فساتينها .. وعطورها .. وخدمها .. وصديقاتها ..
واختارت الموت ..
لكنها اليوم .. تتقلب في النعيم كيفما شاءت ..
ولماذا لا يكون جزاؤها كذلك .. وهي .. طالما ..
وقفت تناجي ربها والليل مسدول البراقع
تصغي لنجواها السماء وقد جرت منها المدامع
تدعو فتحتشد الملائك والدجى هيمان خاشع
والعابدات الزاهدات جفت مراقدُها المضاجع
وتخــرّ للــرحمن ساجدة مطهرة النوازع ..
نفعها صبرها على الطاعات .. ومقاومتها للشهوات ..
{ إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا * أولئك لهم
جنات عدن تجري من تحتهم الأنهار يحلون فيها من أساور من ذهب ويلبسون ثياباً خضراً من سندس وإستبرق متكئين فيها على الأرائك نعم الثواب وحسنت مرتفقاً } ..
فأين نساؤنا اليوم ؟
أين نساؤنا عن سير هؤلاء الصالحات ..
أين النساء اللاتي يقعن في المخالفات الشرعية في لباسهن .. وحديثهن .. ونظرهن .. ثم
إذا نصحت إحداهن قالت : كل النساء يفعلن مثل ذلك .. ولا أستطيع مخالفة التيار ..
سبحان الله !!
أين القوةُ في الدين .. والثباتُ على المبادئ ..
إذا كانت الفتاة بأدنى فتنة تتخلى عن طاعة ربها .. وتطيع الشيطان .. أين الاستسلام
لأوامر الله .. والله تعالى يقول : { وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبيناً } ..
أين تلك الفتيات العابثات .. اللاتي تتعرض إحداهن للعنة ربها ..
فتلبس عباءتها على كتفها .. فيرى الناس تفاصيل كتفيها وجسدها .. إضافة إلى تشبهها
بالرجال .. لأن الرجال هم الذين يلبسون عباءاتهم على أكتافهم .. ومن تشبهت بالرجال
فهي ملعونة ..
وأين تلك المرأة التي تنتف حواجبها وتغير خلق الله .. والنبي صلى الله عليه وسلم قد لعن النامصة والمتنمصة ..
وأين تلك تلك الواشمة .. التي تضع الوشم على وجهها على شكل نقط متفرقة .. أو على
شكل رسوم في مناطق من جسدها .. وهذا فعل المومسات .. والنبي صلى الله عليه وسلم قد قال : لعن الله الواشمة والمستوشمة ..
بل .. أين تلك المرأة التي تلبس الشعر المستعار .. أو ما يسمى بالباروكة .. والله تعالى قد لعن الواصلة والمستوصلة ..
فهؤلاء النساء ملعونات ..أتدرين ما معنى ملعونة ؟! أي مطرودة من رحمة الله ..
مطرودة عن سبيل الجنة ..
أو ترضين أن تطردي عن الجنة .. بسبب شعرات تنتفينها من حاجبيك .. أو عباءة تنزلينها على كتفيك .. أو نقاط من وشم في أنحاء جسدك ..
أو تريدين الجمال ؟!
ليس الجمال والله بالتعرض للعنة الله وسخطه ..
بل الجمال الحقيقي هو ما يكون بطاعة الله ..
ويكمل الجمال ويزين .. للمؤمنات في الجنة ..
فإذا كان الله تعالى قد وصف الحور العين بما وصف ..
وهن لم يقمن الليل .. ولم يصمن النهار .. ولم يصبرن عن الشهوات ..
فما بالك بجمالك أنت .. وحسنك .. وبهائك ..
وأنت التي طالما خلوت بربك في ظلمة الليل .. يسمع نجواك .. ويجيب دعاك .. طالما
تركت لأجل رضاه اللذات .. وفارقت الشهوات ..
فيا بشراك وقد تلقتك الملائكة عند الأبواب .. تبشرك بالنعيم وحسن الثواب .. وقد
ازددت جمالاً فوق جمالك ..
{ وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله أكبر ذلك هو الفوز العظيم } ..
فأنت في الجنة .. قد ..
كملت خلائـقُـك وأكمل حسنـك كالبدر ليل الست بعد ثمان
والشمس تجري في محاسن وجهك والليل تحت ذوائب الأغصـان
والبرق يبدو حين يـبسم ثغـرك فيضيء سقف القصر بالجدران
وتبختري في مشيكِ ويحـــق ذاك لمثلك في جنة الحيوان
ووصـائف من خلفكِ وأمامكِ وعلى شمائلكِ ومن أيمـــان
لا تؤثرِ الأدنى على الأعلى فتحرمي ذا وذا يا ذلــة الحرمان
منتـكِ نفسُـك باللحاق مع القعو د عن المسير وراحة الأبدان
ولسوف تعلمِ حين ينكشف الغطا ماذا صنعتِ وكنتِ ذا إمكان
ـ
فأين تلك المسكينة .. التي تعرض عن سماع السور والآيات .. وتستمع إلى المعازف
والأغنيات .. فتتعرض لعذاب الله .. وتحرم من سماع الغناء في الجنة .. سبحان الله ..
ما كفاك القرآن وسماعُه .. فتركتيه وبحثت عن الغناء .. قال محمد ابن المنكدر : إذا
كان يوم القيامة نادى مناد :
أين الذين كانوا ينزهون أسماعهم وأنفسهم عن مجالس اللهو ومزامير الشيطان ؟!
أسكنوهم رياض المسك .. ثم يقول الله للملائكة : اسمعوهم تمجيدي وتحميدي ..
وعن شهر بن حوشب : أن الله جل ثناؤه يقول لملائكته : إن عبادي كانوا يحبون الصوت الحسن في الدنيا فيدعونه من أجلي .. فأسمعوا عبادي ..
فيأخذون بأصوات من تسبيح وتكبير لم يسمعوا بمثله قط ..
قال ابن عباس
ويرسل ربنا ريحاً تهز ذوائب الأغصان
فتثير أصواتاً تلذ لمسمع الإنسان كالنغمات بالأوزان
يا لذة الأسماع لا تتعوضي بلذاذة الأوتار والعيدان
واهاً لذياك السماع فكم به للقلب من طرب ومن أشجان
نزه سماعك إن أردت سماع ذياك الغنا عن هذه الألحان
حب الكتاب وحب الحان الغنا في قلب عبد ليس يجتمعان
والله إن سماعهم في القلب والإيمان مثل السم في الأبدان
والله ما انفك الذي هو دأبه أبدا من الإشراك بالرحمن
فالقلب بيت الرب جل جلاله حبا وإخلاصا مع الإحسان
فإذا تعلق بالسماع أصاره عبداً لكل فلانة وفلان ..
ـ
بل إن القابضات على الجمر .. لم يكتفين بالصبر على العذاب .. وتحمل البلاء .. وإنما
كان لهن في نصر الدين .. ومقاومة الباطل .. بطولات وأعاجيب .. صفية بنت عبد المطلب عمة النبي صلى الله عليه وسلم .. عجوز قد جاوز عمرها الستين سنة .. فلما اجتمع الكفار من قريش وغيرها .. وتآمروا على غزو المدينة .. حفر المسلمون خندقاً في جهة من جهات المدينة .. وكانت الجبال تحيط ببقية الجهات ..
وكان عدد المسلمين قليلاً .. فاستنفرهم النبي صلى الله عليه وسلم للرباط أمام الخندق لصدّ من يتسلل إليهم من الكفار ..
أما النساء والصبيان فقد جمعهم النبي صلى الله عليه وسلم في حصن منيع .. ولم يترك عندهم من يحرسهم .. لقلة المسلمين وكثرة الكفار ..
وبينما النبي صلى الله عليه وسلم منشغل مع أصحابه في القتال عند الخندق .. تسلل جمع من اليهود حتى وصلوا إلى الحصن .. ثم لم يجرؤا على الدخول خشية من وجود أحد من المسلمين .. فاصطفوا خارج الحصن .. وأرسلوا واحداً منهم يستطلع لهم الأمر .. فجعل هذا اليهودي يطوف بالحصن .. حتى وجد فرجة فدخل منها .. وجعل يبحث وينظر .. فرأته صفية رضي الله عنها .. ففزعت وقالت في نفسها :
هذا اليهودي يطوف بالحصن .. وإني والله ما آمنه أن يدل على عورتنا مَن وراءنا من
يهود .. وقد شغل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه.. وإن صرخت فزعت النساء والصبيان .. وعلم اليهودي أن لا رجال في الحصن ..
فتناولت سكيناً وربطتها في وسطها .. ثم أخذت عموداً من خشب ..
ونزلت من الحصن إليه وتحينت منه التفاتة .. فضربته بالعمود على أم رأسه .. حتى
قتلته .. فلما خمد .. تناولت سكيناً .. فلله درّ صفية .. تلك العابدة التقية ..
ـ
فتأملي في جرأتها وبذلها نفسها لخدمة الدين ..
فكم تبذلين أنت للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ..
كم ترين في المجالس من النامصات .. وفي الأسواق من المتبرجات .. وفي الأعراس من المتعريات .. فماذا فعلت تجاههن ؟!
{ والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر
ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز
حكيم } ..
ومن ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر استحق اللعنة ..
{ لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون * كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون } ..

ولا تخجلي من ذلك فالدعوة تحتاج إلى جرأة في أولها .. ثم تفرحين بآخرها ..
والصالحات القابضات على الجمر .. إذا أتى إحداهن الأمر من الشريعة .. أطاعت ..
وسلّمت .. وأذعنت .. ولم تعترض .. أو تخالف .. أو تبحث عن مخارج ..
وتأملي في خبر تلك الفتاة العفيفة الشريفة .. العروس ..
قال أنس رضي الله عنه : كان رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقال له : جليبيب في وجهه دمامة .. فعرض عليه رسول الله التزويج .. فقال : إذا تجدني كاسداً ..
فقال : غير أنك عند الله لست بكاسد ..
فلم يزل النبي صلى الله عليه وسلم يتحين الفرص لتزويج جليبيب ..
حتى جاء رجل من الأنصار يوماً يعرض ابنته الثيب على رسول الله صلى الله عليه وسلم .. ليتزوجها .. فقال صلى الله عليه وسلم : نعم يا فلان .. زوجني ابنتك ..
قال : نعم ونعمين .. يا رسول الله ..
فقال صلى الله عليه وسلم : إني لست أريدها لنفسي .. قال : فلمن ؟ قال : لجليبيب ..
قال : جليبيب !! يا رسول الله !! حتى استأمر أمها ..
فأتى الرجل زوجته فقال : إن رسول الله يخطب ابنتك ..
قالت : نعم .. ونعمين .. زوِّج رسول الله صلى الله عليه وسلم .. قال : إنه ليس يريدها لنفسه .. قالت : فلمن ؟ قال : يريدها لجليبيب ..
قالت : حلقى لجليبيب .. لا لعمر الله لا أزوج جليبيباً .. وقد منعناها فلاناً وفلاناً .. فاغتم أبوها لذلك .. وقام ليأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم ..
فصاحت الفتاة من خدرها بأبويها : من خطبني إليكما ؟
قالا : رسول الله صلى الله عليه وسلم ..
قالت : أتردان على رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره ؟ ادفعاني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم .. فإنه لن يضيعني .. فكأنما جلَّت عنهما ..
فذهب أبوها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله .. شأنك بها فزوِّجها جليبيباً .. فزوجها النبي صلى الله عليه وسلم جليبيباً ..
ودعا لها وقال : اللهم صب عليهما الخير صباً .. ولا تجعل عيشهما كداً كداً ..
فلم يمض على زواجه أيام .. حتى خرج النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة .. وخرج معه جليبيب .. فلما انتهى القتال .. وبدأ الناس يتفقد بعضهم بعضاً ..
سألهم النبي صلى الله عليه وسلم : هل تفقدون من أحد قالوا : نفقد فلانا وفلانا ..
ثم قال : هل تفقدون من أحد ؟
قالوا : نفقد فلانا وفلانا ..ثم قال : هل تفقدون من أحد ؟
قالوا : نفقد فلاناً وفلاناً ..قال : ولكني أفقد جليبيباً ..
فقاموا يبحثون عنه .. ويطلبونه في القتلى .. فلم يجدوه في ساحة القتال ..
ثم وجدوه في مكان قريب .. إلى جنب سبعة من المشركين قد قتلهم ثم قتلوه .. فوقف
النبي صلى الله عليه وسلم ينظر إلى جثته ..
ثم قال : قتل سبعة ثم قتلوه .. قتل سبعة ثم قتلوه .. هذا مني وأنا منه ..
ثم حمله رسول الله صلى الله عليه وسلم على ساعديه .. وأمرهم أم يحفروا له قبره ..
قال أنس : فمكثنا نحفر القبر .. وجليبيب ماله سرير غير ساعدي رسول الله صلى الله عليه وسلم.. حتى حفر له ثم وضعه في لحده ..
قال أنس : فوالله ما كان في الأنصار أيم أنفق منها .. تسابق الرجال إليها كلهم يخطبها بعد جليبيب ..
{ إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون * ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون } ..
والنبي صلى الله عليه وسلم يقول كما في الصحيح : ( كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى قالوا يا رسول الله ومن يأبى قال من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى ) ..

فأين تلك الفتيات الصالحات .. اللاتي تقدم إحداهن محبة الله ورسوله على هواها .. فإذا سمعت الأمر من الله تعالى قدمته على أمر كل أحد .. بل قدمته على ما تزينه لها صديقاتها .. أو توسوس به لها نفسها ..
قالت عائشة رضي الله عنها كما عند أبي داود : والله ما رأيت أفضل من نساء الأنصار .. أشدَّ تصديقاً بكتاب الله .. ولا إيماناً بالتنزيل .. لقد أنزل في سورة النور قوله تعالى في الأمر بحجاب المؤمنات { ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن } ..
فسمعها الرجال من رسول الله صلى الله عليه وسلم .. ثم انقلبوا إليهن .. يتلون عليهن ما أنزل الله إليهم فيها .. يتلو الرجل على امرأته .. وابنته .. وأخته .. وعلى كل ذات قرابته ..فما منهن امرأة إلا قامت إلى مِرطها - وهو كساء من قماش تلبسه النساء - .. فاعتجرت به .. - لفته على رأسها - .. وقامت بعضهن إلى أزرهن فشققنها واختمرن بها .. أي الفقيرة التي لم تجد قماشاً تستر به وجهها .. أخذت إزارها وهو ما يلبس من البطن إلى القدمين ثم شقت منه قطعة غطت بها وجهها .. تصديقاً وإيماناً بما أنزل الله في كتابه ..
قالت عائشة : فأصبحن وراء رسول الله معتجرات كأن على رؤوسهن الغربان ..
ــ
الله أكبر .. هذا حال المرأة في ذلك الزمان .. في تغطيتها لوجهها .. وسترها لزينتها
.. تتستر حتى لا يراها الرجال ..
هل تدرين من هي هذه المرأة التي أمرت بالتستر ..
إنها عائشة أم المؤمنين .. وفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم .. وأسماء بنت أبي بكر .. وغيرهن من الصالحات التقيات ..
وهل تدرين يسترن زينتهن عن من .. عن أبي بكر .. وعمر .. وعثمان .. وعلي .. وغيرهم من الصحابة .. أزكى رجال الأمة .. وأعفُهم وأطهرُهم .. ومع ذلك أمرت النساء بالتستر مع صلاح ذلك المجتمع ..
بل قد نهى الله أبا بكر .. وعمر .. وطلحة .. والزبير .. والصحابة جميعاً عن الاختلاط بالنساء .. فقال : { وإذا سألتموهن متاعاً } يعني إذا سألتم أزواج النبي وهن أطهر النساء .. { فاسألوهن من وراء حجاب } .. لماذا ..؟؟ { ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن } ..
فكيف الحال اليوم مع نسائنا .. ورجالنا .. وقد فسد الزمان ؟
ماذا نقول لنساء جريئات .. تحادث إحداهن البائع في السوق بكل طلاقة لسان .. وكأنه
زوجُها أو أخوها .. بل قد تضاحكه وتمازحه .. ليخفض لها في السعر .. مع لبسها للنقاب الواسع ..
وقد تزيد على ذلك الخلوة بالسائق .. وما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما ..
وكل هذه المعاصي هي تعلم أنها معاصٍ .. لكنها مع ذلك تقدم عليها بنعم أعطاها الله
لها .. فتعصي الله بنعمته .. وكأن ربها عاجز عن عذابها ..
سبحان الله .. لو شاء الله لسلب منك هذه النعم التي تعصينه بها !!
اذهبي إلى مستشفى النقاهة وانظري أحوال النساء التي فقدن العافية ..
اذهبي إلى هناك .. لتري فتيات في عمر الزهور ..
لا يتحرك في الواحدة منهن إلا عيناها ..
أما بقية جسدها فمشلول شلل كلّي .. لو قطعت رجلاها ويداها بالسكاكين لما أحست بشيء .. نسأل الله لهن الشفاء والعافية .. والأجر العظيم ..
كل واحدة منهن .. تتمنى لو تتحكم ولو .. بإخراج البول والغائط ..
بل لا تدري إحداهن أنه قد خرج منها بول أو غائط إلى إذا شمت الرائحة .. يُلْبَسْنَ
حفائظ على عوراتهن كالأطفال ..
وتبقى الحفائظ على بعضهن ثلاثة أيام وأربعة ..
قد كانت مثلك .. تأكل وتشرب .. وتضحك وتلعب .. وتتمشى في الأسواق .. وفجأة .. ودون سابق تحذير .. أصيبت بحادث سيارة .. أو جلطةٌ في القلب أو الدماغ ..
والنتيجة .. صارت حية في صورة ميتة .. عشر سنين .. وعشرين سنة .. وثلاثين ..
{ قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم وختم على قلوبكم من إله غير الله يأتيكم به انظر كيف نصرف الآيات ثم هم يصدفون * قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة أو جهرة هل يهلك إلا القوم الظالمون } ..
ولا يعني أن كل من أصابها مرض فإن ذلك يكون عقوبةً وجزاء .. كلا .. ولكن .. لا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون ..

والقابضات على الجمر ..
يتسابقن إلى الأعمال الصالحة .. صغيرها وكبيرها .. ولهن في كل ميدان سهم .. ولا
تعلمين ما هو العمل الذي به تدخلين إلى الجنة ..
فلعلَّ شريطاً توزعينه في مدرسة ..
أو نصيحةً عابرة تتكلمين بها .. يكتب الله بها لك رضاه ومغفرتَه ..
ولقد .. أخبر النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين : أن امرأة بغياً من بني إسرائيل كانت تمشي في صحراء .. فرأت كلباً بجوار بئر يصعد عليه تارة .. ويطوف به تارة .. في يوم حار قد أدلع لسانه من العطش .. قد كاد يقتله العطش .. فلما رأته هذه البغي ..
التي طالما عصت ربها .. وأغوت غيرها .. ووقعت في الفواحش .. وأكلت المال الحرام ..
لما رأت هذا الكلب .. نزعت خفها .. حذاءها .. وأوثقته بخمارها فنزعت له من الماء .. وسقته ..
فغفر الله لها بذلك .. الله أكبر .. غفر الله لها .. بماذا ..؟
هل كانت تقوم الليل وتصوم النهار ؟! هل قتلت في سبيل الله ؟!
كلا .. وإنما سقت كلباً شربةً من ماء .. فغفر الله لها ..
وروى مسلم عن عائشة رضي الله عنها أنها أخبرت عن : امرأة مسكينة جاءتها .. تحمل ابنتين لها .. فقالت : يا أم المؤمنين .. والله ما دخل بطوننا طعام منذ ثلاثة أيام ..
فبحثت عائشة في بيت النبي صلى الله عليه وسلم فلم تجد إلا ثلاث تمرات ..
فأعطتها الثلاث تمرات .. ففرحت المسكينة بها .. وأعطت كل واحدة من الصغيرتين تمرة .. ورفعت إلى فيها تمرة لتأكلها .. فكانت البنتان لفرط الجوع .. أسرعَ إلى تمرتيهما من الأم إلى تمرتها .. فرفعتا أيديَهما تريدان التمرة التي بيد الأم .. فنظرت الأم إليهما .. ثم شقت التمرة الباقية بينهما ..
قالت عائشة : فأعجبني حنانها .. فذكرت الذي صنعت لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إن الله قد أوجب لها بها الجنة .. أو أعتقها بها من النار ..

فالقابضات على الجمر يتسابقن إلى الطاعات .. وإن كانت يسيرة صغيرة .. والأعظم من ذلك هو الحذر من المعاصي .. وعدم التساهل بها .. فقد قال تعالى عن قوم تساهلوا بالمعاصي وتصاغروها : { وتحسبونه هيناً وهو عند الله عظيم } ..
وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين .. أنه رأى امرأة تعذب في النار ..
فما الذي أدخلها إلى النار ؟
هل سجدت لصنم ..؟ هل قتلت نبياً ؟ .. هل سرقت أموال الناس .. ؟ كلا ..دخلت امرأة
النار في هرة .. سجنتها .. فلا هي أطعمتها .. ولا هي أرسلتها تأكل من خشاش الأرض
حتى ماتت هزلاً .. قال صلى الله عليه وسلم : فلقد رأيتها في النار والهرة تخدشها ..
وروى البخاري .. أنه قيل للنبي صلى الله عليه وسلم : يا رسول الله إن فلانة تقوم الليل وتصوم النهار .. وتفعل .. وتصدق .. لكنها .. تؤذي جيرانها بلسانها ؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا خير فيها .. هي من أهل النار ..
قالوا : وفلانة تصلي المكتوبة .. وتصدق بأثوار – يعني بأجزاء يسيرةٍ من الطعام –
ولا تؤذي أحداً ..
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هي من أهل الجنة ..

والقابضات على الجمر في هذا الزمان .. تعلم كل واحدة منهن .. أن الحرب الموجهة إليها حرب ضروس يريدون منها استعبادها .. وهتك عرضها .. باسم الحرية والمساواة ..
فما معنى الحرية التي يدعوا إليها المفسدون ؟ ..
ولماذا لا يدعون إلى تحرير العمال المظلومين .. والضحايا المنكوبين .. والأيتام
المنبوذين ..
لماذا يصرون على أن المرأة العفيفة .. التي تعيش في ظل وليها .. ولو مدَّ أحد
العابثين يده إليها .. لما عادت إليه يده .. لماذا يصرون دائماً على أن هذه المرأة
تحتاج إلى تحرير ..
هل ارتداء المرأة للعباءة والحجاب لتحمي نفسها من النظرات المسعورة .. يعدُّ عبودية
تحتاج أن تحرر المرأة منها ..؟؟
هل تخصيص أماكن معينةٍ لعمل المرأة .. بعيدةٍ عن مخالطة الرجال .. هو عبودية وذلٌ
للمرأة .. ؟
هل تربية المرأة لأولادها .. ورأفتها ببناتها .. وقرارها في بيتها .. هو عبودية
تحتاج إلى تحرير ..؟؟
ثم .. لماذا نجد أن أكثر من يتنابحون ويدعون إلى تحرير المرأة .. وتكشفها لهم ..
ويزعمون أن حجابها قيد وغلٌ لا بدَّ أن تتحرر منه .. لماذا نجد أن أكثر هؤلاء هم
ليسوا من العلماء .. ولا من المصلحين .. وإنما أكثرهم من الزناة .. وشراب الخمور ..
وأصحاب الشهوات المسعورة ؟؟
فلماذا يدعوا هؤلاء إلى تحرير المرأة ؟
لماذا يستميتون لإخراج العفيفة من بيتها .. لماذا ؟؟ الجواب واضح ..
اشتهوا أن يروها متعرية راقصة فزينوا لها الرقص .. فلما تعرّت وتبذلت .. وأصبحت
تلهو وترقص في المسارح .. أرضوا شهواتهم منها .. ثم صاحوا بها وقالوا : قد حرّرناك
..
واشتهوا أن يتمتعوا بها متى شاءوا .. فزينوا لها مصاحبة الرجال .. ومخالطتهم .. حتى
حوّلوها إلى حمام متنقل .. يستعملونه متى شاءوا .. على فرشهم .. وفي حدائقهم ..
وباراتهم .. وملاهيهم .. فلما تهتكت وتنجّست .. صاحوا بها وقالوا : قد حرّرناك ..
خدعوها بقولهم حسناء والغواني يغرّهن الثناء
واشتهوا أن يروها عارية على شاطئ البحر .. وساقيةً للخمر .. وخادمةً في طائرة ..
وصديقة فاجرة .. فزينوا لها ذلك كلَّه وأغروها بفعله ..
فلما ولغت في مستنقع الفجور .. تضاحكوا بينهم وقالوا : هذه امرأة متحررة .. فمن
ماذا حرّروها ؟
عجباً .. هل كانت في سجن وخرجت منه إلى الحرية ؟
هل الحرية في تقصير الثياب .. ونزع الحجاب ..
أم الحرية في التسكع في الأسواق .. ومضاجعة الرفاق ..
هل الحرية في مكالمة شاب فاجر .. أو الخلوة بذئب غادر ..
أليس الحرية الحقيقية .. والسيادة النقية .. هي أن تكوني عفيفة مستترة ..
أبوك يرأف عليك .. وزوجك يحسن إليك ..
وأخوك يحرسك بين يديك .. وولدك ينطرح على قدميك ..
وهذه هي الكرامة العظيمة التي أرادها الله تعالى لك ..
فلقد أوصى الله بك أباك وأمك :
فقال صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم : ( من عال جاريتين حتى تبلغا .. جاء يوم القيامة أنا وهو وضم أصابعه ) ..
وأوصى بك أولادك فقال صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين .. للرجل الذي سأله فقال : من أحق الناس بحسن صحابتي ؟
قال : أمك .. ثم أمك .. ثم أمك .. ثم أبوك ..
بل أوصى النبي صلى الله عليه وسلم بالمرأة زوجها .. وذمّ من غاضب زوجته أو أساء إليها .. فعند مسلم والترمذي ..أن النبي صلى الله عليه وسلم قام في حجة الوداع .. فإذا بين يديه مائةُ ألف حاج .. فيهم الأسود والأبيض .. والكبير والصغير .. والغني والفقير .. صاح صلى الله عليه وسلم بهؤلاء جميعاً وقال لهم : ألا واستوصوا بالنساء خيراً .. ألا واستوصوا بالنساء خيراً ..
وروى أبو داود وغيره .. أنه في يوم من الأيام أطاف بأزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم نساء كثير يشتكين أزواجهن ..فلما علم النبي صلى الله عليه وسلم بذلك .. قام .. وقال للناس : لقد طاف بآل محمد صلى الله عليه وسلم نساء كثير يشتكين أزواجهن .. ليس أولائك بخياركم ..
وصحّ عند ابن ماجة والترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( خيرُكم خيرُكم لأهله وأنا خيركم لأهلي ) ..
بل .. قد بلغ من إكرام الدين للمرأة .. أنها كانت تقوم الحروب .. وتسحق الجماجم ..
وتتطاير الرؤوس .. لأجل عرض امرأة واحدة ..
ذكر أصحاب السير :
أن اليهود كانوا يساكنون المسلمين في المدينة ..
وكان يغيظهم نزولُ الأمر بالحجاب .. وتسترُ المسلمات .. ويحاولون أن يزرعوا الفساد
والتكشف في صفوف المسلمات .. فما استطاعوا ..
وفي أحد الأيام جاءت امرأة مسلمة إلى سوق يهود بني قينقاع ..
وكانت عفيفة متسترة .. فجلست إلى صائغ هناك منهم ..
فاغتاظ اليهود من تسترها وعفتها .. وودوا لو يتلذذون بالنظر إلى وجهها .. أو لمسِها
والعبثِ بها .. كما كانوا يفعلون ذلك قبل إكرامها بالإسلام .. فجعلوا يريدونها على
كشف وجهها .. ويغرونها لتنزع حجابها .. فأبت .. وتمنعت .. فغافلها الصائغ وهي جالسة .. وأخذ طرف ثوبها من الأسفل .. وربطه إلى طرف خمارها المتدلي على ظهرها .. فلما قامت .. ارتفع ثوبها من ورائها .. وانكشفت سوأتها .. فضحك اليهود منها.. فصاحت المسلمة العفيفة .. وودت لو قتلوها ولم يكشفوا عورتها .. فلما رأى ذلك رجل من المسلمين .. سلَّ سيفه .. ووثب على الصائغ فقتله ..فشد اليهود على المسلم فقتلوه ..
فلما علم النبي صلى الله عليه وسلم بذلك .. وأن اليهود قد نقضوا العـهد وتعرضوا للمسلمات .. حاصرهم .. حتى استسلموا ونزلوا على حكمه ..
فلما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن ينكل بهم .. ويثأر لعرض المسلمة العفيفة ..
قام إليه جندي من جند الشيطان .. الذين لا يهمهم عرض المسلمات .. ولا صيانة المكرمات .. وإنما هم أحدهم متعة بطنه وفرجه ..
قام رأس المنافقين .. عبد الله بن أبي ابن سلول ..
فقال : يا محمد أحسن في موالي اليهود وكانوا أنصاره في الجاهلية ..
فأعرض عنه النبي صلى الله عليه وسلم .. وأبى ..
إذ كيف يطلب العفو عن أقوام يريدون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا ..فقام المنافق
مرة أخرى .. وقال : يا محمد أحسن إليهم .. فأعرض عنه النبي صلى الله عليه وسلم .. صيانة لعرض المسلمات .. وغيرة على العفيفات ..
فغضب ذلك المنافق .. وأدخل يده في جيب درع النبي صلى الله عليه وسلم .. وجرَّه وهو يردد : أحسن إلى مواليّ .. أحسن إلى مواليّ ..
فغضب النبي صلى الله عليه وسلم والتفت إليه وصاح به وقال : أرسلني ..
فأبى المنافق .. وأخذ يناشد النبي صلى الله عليه وسلم العدول عن قتلهم ..
فالتفت إليه النبي صلى الله عليه وسلم وقال : هم لك ..
ثم عدل عن قتلهم .. لكنه صلى الله عليه وسلم أخرجهم من المدينة .. وطرَّدهم من ديارهم ..
إن الصالحات .. القابضات على الجمر .. عفيفاتٌ مستوراتٌ ..
تموت إحداهن ولا تهتك سترها .. بل قد ..
ذكر ابن عبد البر في الاستيعاب ..
أن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم .. كانت دائمة الستر والعفاف ..
فلما حضرها الموت ..
فكرت في حالها وقد وضعت جثتها على النعش .. وألقي عليها الكساء .. فالتفتت إلى
أسماء بنت عميس ..
وقالت يا أسماء : إني قد استقبحت ما يُصنع بالنساء ..
إنه ليطرح على جسد المرأة الثوب فيصف حجم أعضائها لكل من رأى ..
فقالت أسماء : يا بنت رسول الله .. أنا أريك شيئا رأيته بأرض الحبشة ..
قالت : ماذا رأيتِ .. فدعت أسماء بجريدة نخل رطبة فحنتها .. حتى صارت مقوّسة كالقبة .. ثم طرحت عليها ثوباً .. فقالت فاطمة : ما أحسن هذا وأجمله .. تُعرف بها المرأة من الرجل ..فلما توفيت فاطمة .. جعل لها مثل هودج العروس .. هذا حرص فاطمة على الستر وهي جثة هامدة .. فكيف لما كانت حية ؟!
سبحان الله !!
أين أولئك الفتيات المسلمات .. اللاتي نعلم أنهن يحببن الله ورسوله ..
وقلوبهن تشتاق إلى الجنة .. ولكن مع ذلك :
تذهب إحداهن إلى المشغل النسائي فتكشف عورتها طائعة مختارة لتقوم امرأة أخرى بإزالة الشعر من أجزاء جسدها .. وقد قال صلى الله عليه وسلم فيما رواه الترمذي : ( ما من امرأة تضع ثيابها .. في غير بيت زوجها .. إلا هتكت الستر بينها وبين ربها ) .
والنبي صلى الله عليه وسلم قد قال فيما صح عند البيهقي : ( شر نسائكم المتبرجات المتخيلات ، وهن المنافقات ، لا يدخل الجنة منهن إلا مثل الغراب الأعصم ) ..
بل .. أين الفتيات المسلمات اللاتي نؤمل فيهن أن ينصرن الإسلام .. ويبذلن أنفسهن وأرواحهن خدمة لهذا الدين ..
فنفاجأ بإحداهن قد لبست العباءة المطرّزة .. أو الكعب العالي .. ثم ذهبت إلى سوق ..
أو حديقة .. أو تلبس إحداهن البنطال .. وتقول : لا يراني إلا إخوتي .. أو أنا ألبسه بين النساء .. وكل هذا لا يجوز .. كما أفتى بذلك العلماء ..
بل قد تزيد بعض النساء بأن لا تكتفي بعمل المعصية بل تجرّ غيرها من الفتيات إليها .. فتنشر الصور المحرّمة .. أو أرقام الهواتف المشبوهة .. أو المجلات المليئة بالعهر والفساد .. والله تعالى يقول : { إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم
عذاب أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون } ..
ــ
إن تساهل المرأة بالتكشف والسفور .. يؤدي إلى فساد حياتها .. وأن تكون أحقر عند
الناس من كل أحد ..
سألت عدداً من الشباب .. ممن يتتبعون الفتيات في الأسواق وعند بوابات المدارس ..
كيف تنظرون إلى الفتاة التي تستجيب لكم فقالوا لي جميعاً – والله - : إننا نحتقرها
ونلعب بها وبعقلها .. فإذا شبعنا منها ركلناها بأرجلنا .. بل قال لي أحدهم : والله
يا شيخ إني إذا ذهبت إلى السوق ورأيت فتاة عفيفة قد جمعت على نفسها ثيابها فإنها
تكبر في عيني .. ولا أجرؤ على الاقتراب منها .. بل والله لو رأيت أحداً يقترب منها
لتشاجرت معه ..
بل انظري إلى ما يحدث في البلاد التي يزعمون أن فيها حرّية ..
فقد بلغت المرأة من التكشف والسفور .. بل التفسخ والانحطاط .. ما ندمت عليه ..
يغتصب يومياً في أمريكا ألفٌ وتسعمائة فتاة .. عشرون في المائة منهن يغتصبن من قبل آبائهن ..!!
ويقتل سنوياً في أمريكا مليون طفل ما بين إجهاض متعمد أو قتل فور الولادة !! وبلغت
نسبة الطلاق في أمريكا ستين في المائة من عدد الزيجات ..!! وفي بريطانيا مائة وسبعون شابة تحمل سفاحاً كلَّ أسبوع !!
كم من امرأة هناك والله تتمنى ما أنتِ عليه من تستر وعفاف ..
بل إن النساء لما تكشفت هناك .. انتشرت الفواحش .. وكثرت السرقات وأنواع الجرائم ..
والشيطان طالما استعمل بعض النساء لتحقيق الفساد في الأرض .. ومن استغواها الشيطان .. فأطاعته وقدمت شهوات نفسها .. وتتبعت الموضات .. في اللباس .. والعباءة .. والنمص .. والوشم .. والأغاني .. والأفلام .. والمجلات .. وصارت هذه الشهوات أغلى عندها من اتباع شريعة ربها .. فهي عاصية .. وما خلقت النار إلا لتأديب العصاة ..
أخرج مسلم عن حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم يوماً .. فسمعنا وجبة .. فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أتدرون ما هذا ؟
فقلنا : الله و رسوله أعلم ..
قال : هذا حجر أرسل في جهنم منذ سبعين خريفاً .. فالآن انتهى إلى قعرها ..قال الله
: { خالدين فيها أبداً لا يجدون ولياً ولا نصيراً * يوم تقلب وجوههم في النار يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا * وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا * ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعناً كبيراً } ..
{ إن المجرمين في عذاب جهنم خالدون * لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون * وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين * ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك قال إنكم ماكثون *
لقد جئناكم بالحق ولكن أكثركم للحق كارهون } ..
أما طعامهم فيها فشجرة الزقوم : { إن شجرة الزقوم * طعام الأثيم * كالمهل يغلي في البطون * كغلي الحميم * خذوه فاعتلوه إلى سواء الجحيم * ثم صبوا فوق رأسه من عذاب الحميم * ذق إنك أنت العزيز الكريم * إن هذا ما كنتم به تمترون } ..
أما حا




بسم الله الرحمن الرحيم(رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) [البقرة/286]


Sahar
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sadakasoft.ahlamountada.net
زكرياء
مدير الموقع
مدير الموقع


البلد: غير معروف
الهواية :
عدد المساهمات عدد المساهمات: 6490
الجنس: ذكر
نقاط: 171369
السمعة السمعة: 99

مُساهمةموضوع: رد: موسوعة الخطب المكتوبة و الدروس    الجمعة أكتوبر 25, 2013 11:54 pm



بسم الله الرحمن الرحيم

عيش السعداء

الحمد لله الذي أنشأ خلقه وبرا ..
الحمد لله الذي خلق الخلق بقدرته .. وصرف أمورهم بحكمته ..
الحمد لله الذي ذلت لعظمته الرقاب .. ولانت لقوته الصعاب .. وجرى بأمره السحاب ..
الحمد لله .. الذي تسبحه البحار الزاخرات .. والأنهار الجاريات .. والجبال الراسيات ..
أحمده سبحانه وحلاوة محامده تزداد مع التكرار .. وأشكره وفضله على من شكر مدرار ..

والصلاة والسلام على النعمة المهداة .. والرحمة المسداة .. محمد بن عبد الله عليه وعلى آله أفضل الصلاة وأتم التسليم ..
أما بعد أيها الأخوة والأخوات ..
خلق الله تعالى الخلق من أصل واحد .. وجعلهم يختلفون في أشكالهم وأحوالهم ..
منهم الغني ومنهم الفقير .. ومنهم والأبيض والأسود .. والبخيل والكريم .. والشاكر واللئيم .. منهم التقي العابد .. الفاجر الفاسد ..
ومنهم الصالح الزاهد .. والكافر الحاقد ..
لكن هؤلاء جميعاً يتفقون في أنهم يسعون سعياً حثيثاً لتحصيل غاية واحدة .. هي السعادة ..
فالتاجر الذي يمضي نهاره في التجارات .. والطالب الذي يقضي السنين بين المدارس والجامعات .. والموظف الذي يبحث عن أرفع المرتبات ..
والرجل الذي يتزوج امرأة حسناء .. أو يبني منزلاً فاخراً .. كل هؤلاء إنما يبحثون عن السعادة ..
بل والشباب والفتيات الذين يستمعون الأغنيات .. وينظرون إلى المحرمات .. إنما يبحثون عن السعادة ..
سعة الصدر .. وراحة البال .. وصفاء النفس .. غايات تسعى النفوس لتحصيلها ..
فعجباً لهذه السعادة الذي يكثر طلابها .. ويزدحم الناس في طريق الوصول إليها ..
ولكن السؤال الكبير .. هل حصل أحد من هؤلاء على السعادة التي يرجوها ؟!
هل هو في أنس وفرح حقيقي ليس فيه تصنع ولا تظاهر ؟
كلا بل - والله - أكثر هؤلاء كما قال أحدهم :
ما لقيت الأنــام إلا رأوا مني ابتساماً وليس يدرون ما بي
أُظهر الانشراح للنــاس حـتى يتمنــوا أنهم في ثيابي
لو دروا أني شـقي حزين ضاق في صدره فسيح الرحاب
لتناءوا عـني ولم يقربوني ثم زادوا نفـــورهم باغتيابي
فكـأني آتي بأعظم ذنب لو تبدت تعاستي للصــحاب
هكذا الناس يطلبون المنايا للذي بينهم جليل المصــاب
وأول من يفقد السعادة هو من التمسها بمعصية الله تعالى ..
فأصحاب المعاصي في الحقيقة ليسوا سعداء .. وإن أظهروا الانشراح والفرح ..
ولا تغتر بظاهر عبيد الشهوة .. فإنهم يبتسمون ويضحكون ..
ولكن قلوبهم على غير ذلك ..
ووالله لو شاهدت هاتيك الصدور رأيتهــا كمراجل النـــيران
ووقودها الشهوات والحسرات والالآم لا تخبو مدى الأزمـــان
أرواحهم في وحشة وجسومهم في كدحها لا في رضى الرحــمن
ما سعيهم إلا لطيب العيش في الدنيـا ولو أفضى إلى النـــيران
هربوا من الرق الذي خلقوا له فبلوا برق النفس والشيطـــان
لا ترض ما اختاروه هم لنفوسهم فقد ارتضوا بالذل والحرمــان
لو ساوت الدنيا جناح بعوضة لم يسق منها الرب ذا الكفـــران
لكنــها والله أحقـر عنده من ذا الجناح القاصر الطـــيران
طبعت على كدر فكيف تنالها صفواً أهذا قـط في الإمكـــان
والله لو أن القلوب سليمة لتقطعت أسفا من الحرمــــــان
لكنها سكرى بحب حياتها الدنيا وسوف تفيق بعد زمـــــان
بالله ما عذر امرئ هو مؤمن حقا بهذا ليس باليقظــــــان
تالله لو شاقتك جنات النعيم طلبتهـا بنفائس الأثمــــــان
ولكن لله تعالى أقوام عاشوا عيش سعداء ..
أذاقهم الله طعم محبّته .. ونعّمهم بمناجاته .. وطهّر سرائرهم بمراقبته .. وزين رؤوسهم بتيجان مودّته ..
فذاقوا نعيم الجنة قبل أن يدخلوها ..
فلله درهم من أقوام عرفوا طريق السعادة فسلكوه ..
وقد اشتاق النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذا العيش فكان يدعو كما عند الترمذي وغيره ويقول : اللهم إني أسألك الفوز عند القضاء .. ونزل الشهداء .. وعيش السعداء .. ومرافقة الأنبياء .. والنصر على الأعداء ..
أولئك السعداء .. إذا ضاق صدر أحدهم بمصيبة .. أو اشتاقت نفسه إلى حاجة ..
بسط في ظلمة الليل يداً سائلة .. وسجد بنفس واجلة .. وسأل ربه من خير كل نائلة ..
وأحسن الظن بربه .. وعلم بأنه واقف بين يدي ملك .. لا تشتبه عليه اللغات .. ولا تختلط عنده الأصوات .. ولا يتبرم بكثرة السائلين وتنوع المسئولات ..
إذا جن عليهم الليل .. وفتح ربهم أبواب مغفرته .. كانوا أولَ الداخلين .. فهم المؤمنون بآيات الله حقاً ..
] إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجداً وسبحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون * تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً وطمعاً ومما رزقناهم ينفقون * فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون * أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون * أما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم جنات المأوى نزلا بما كانوا يعملون * وأما الذين فسقوا فمأواهم النار كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها وقيل لهم ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون * ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم يرجعون [ ..
روى البخاري ومسلم ..
عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما : كان الرجل في حياة النبي صلى الله عليه وسلم إذا رأى رؤيا قصها على رسول الله صلى الله عليه وسلم .. فتمنيت أن أرى رؤيا فأقصها على رسول الله صلى الله عليه وسلم .. وكنت غلاماً شاباً .. وكنت أنام في المسجد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم .. فرأيت في النوم كأن ملكين أخذاني .. فذهبا بي إلى النار فإذا هي مطوية كطي البئر .. وإذا لها قرنان .. وإذا فيها أناس قد عرفتهم .. فجعلت أقول : أعوذ بالله من النار .. قال : فلقينا ملك آخر .. فقال لي : لم ترع .. فقصصتُها على حفصة .. فقصّتها حفصةُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم .. فقال : نعم الرجل عبد الله .. لو كان يصلي من الليل ..
فكان عبد الله بعدها لا ينام من الليل إلا قليلاً ..
قال عنه مولاه نافع : كبر سنّ عبد الله بن عمر ..
وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بصلاة الوتر فقال فيما رواه الترمذي وأصله في الصحيحين : ( إن الله وتر يحب الوتر فأوتروا يا أهل القرآن ) ..
ويجمع الله لمن يصلي الوتر بين نعمتي الدنيا والآخرة .. استمع إلى هذا الحديث الحسن .. الذي رواه الترمذي قال صلى الله عليه وسلم : ( قال عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم وإن قيام الليل قربة إلى الله ومنهاة عن الإثم وتكفير للسيئات ومطردة للداء عن الجسد ) ..
والعجب .. أن صلاة الوتر هي أسهل العبادات .. ومع ذلك يهملها كثير من الناس ..
لو إن إنساناً صلى المغرب ..
ولو حدثت رجلاً بفضل صلاة الضحى ..
صلاة الوتر أفضل ..
ومع ذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يصليها أحد عشرة ركعة .. فإن ثقلت عليك فصلها تسع ركعات فإن شقّت فصلها سبعاً أو خمساً أو صلها ثلاثاً .. فإن تكاسلت نفسك عن ذلك فصلها ولو ركعة واحدة ..
الله أكبر ركعة وتكتب عند الله ممن صلوا الليل ..
وبعض الناس إذا قلنا صلاة الليل ظن بأنه لا بدَّ أن يقوم قبل الفجر ..
فكن من هؤلاء السعداء .. الذين أحسنوا علاقتهم بربهم ..
فإذا نزلت بك حاجة ..
فصفَّ قدميك في المحراب .. وعفر وجهك في التراب .. واستعن بالملك الغلاب ..
واصدق في لجئك .. وابك بين يدي ربك ..
فإذا رأى الله منك الذل والانكسار .. وصدق الحاجة والاعتذار ..
كشف عنك الضر .. ومنَّ عليك بانشراح الصدر ..
فعندها تذوق لذائذ الصالحين .. وتحيا حياة المطمئنين ..
وفي القلب فاقة لا يسدها إلا محبة الله والإقبال عليه .. والإنابة إليه ..
ذكر الحافظ ابن عساكر في تاريخه :
أن رجلاً فقيراً كان له بغل يكاري عليه من دمشق إلى الزبداني قال هذا الرجل :
فركب معي ذات مرة رجل فمررنا على بعض الطريق على طريق غير مسلوكة فقال لي: خذ في هذه فإنها أقرب .. فقلت: لا خبرة لي فيها .. فقال: بل هي أقرب .. فسلكناها فانتهينا إلى مكان وعر وواد عميق وفيه قتلى كثيرة فقال لي: أمسك رأس البغل حتى أنزل .. فنزل وتشمر وجمع عليه ثيابه وسل سكيناً معه وقصدني .. ففررت من بين يديه وتبعني .. فناشدته الله وقلت : خذ البغل بما عليه .. فقال هو لي : وإنما أريد قتلك .. فخوفته الله والعقوبة فلم يقبل .. فاستسلمت بين يديه وقلت: إن رأيت أن تتركني حتى أصلي ركعتين فقال: عجل .. فقمت أصلي فأرتج علي القرآن فلم يحضرني منه حرف واحد .. فبقيت واقفاً متحيراً وهو يقول: هيا افرغ .. فأجرى الله على لساني قوله تعالى: "أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء" فإذا أنا بفارس قد أقبل من فم الوادي وبيده حربة فرمى بها الرجل فما أخطأت فؤاده فخر صريعاً .. فتعلقت بالفارس وقلت: بالله من أنت ؟ فقال: أنا رسول الذي يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء. قال: فأخذت البغل والحمل ورجعت سالماً.
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر وضاق صدره .. فزع إلى الصلاة ..
وكان يقول أرحنا بالصلاة يا بلال .. وقد قال صلى الله عليه وسلم : جعلت قرة عيني في الصلاة ..
وكان للصالحين مع الصلاة شأن عجيب ..
قال أبو صالح ابن أخت مالك بن دينار : كان خالي إذا جنَّ عليه الليل ..
وقال أبو سليمان الداراني يقول : بينما أنا ساجد بالليل إذ غلبني النوم .. فإذا أنا بحوراء .. فركضتني برجلها وقالت :حبيبي أترقد عيناك .. والـمَـلِك يقظان ينظر إلى المتهجدين ؟ بؤساً لعين آثرت لذة نوم على لذة مناجاة العزيز .. قم فقد دنا الفراغ .. ولقي المحبون بعضهم بعضاً .. فما هذا الرقاد ؟ حبيبي وقرةَ عيني .. أترقد عيناك ؟؟ وأنا أربى لك في الخدور منذ خمسمائة عام ؟ ..
الله أكبر تعب هؤلاء في الصلوات .. وفارقوا الشهوات .. حتى تزينت لهم الحور في الجنات ..
] إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية يرجون تجارة لن تبور * ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله إنه غفور شكور [ ..
وأينما جالست هؤلاء السعداء .. وجدت أنهم أبعدُ الناس عما يغضب ربهم ..
قطع خوف الله قلوبهم .. وملأت محبته نفوسهم ..
علموا أن الله غافرُ الذنب .. وقابلُ التوب .. لكن ذلك لم ينسهم أنه شديد العقاب ..دقيق الحساب ..
إذا رضي رحم .. ورحمته وسعت كل شيء .. وإذا غضب لعن .. ولعنته لا يقوم لها شيء ..
روى البخاري عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه .. في يوم خيبر .. غلام ..
كلا .. والذي نفسي بيده إن الشملة التي غلها يوم خيبر .. من المغانم لم تصبها المقاسم .. لتشتعل عليه ناراً ..
ولا يجر العبد إلى المعاصي الكبار إلا تساهلُه بالصغار ..
وقد روى البخاري عن أنس رضي الله عنه أنه قال وهو يكلم التابعين .. وحسبك بهم عبادة وورعاً .. يقول لهم :
إنكم لتعملون أعمالاً .. هي أدق في أعينكم من الشعر .. إن كنا لنعدها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الموبقات يعني المهلكات ..
وكتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنه كتاباً قال له فيه :
وإذا أحببت أن تحقر عملك .. فتفكر فيما أنعم الله عليك .. وقدر ما عمل الصالحون قبلك .. وقدر عقوبته في الذنوب ..
إنما فعل الله بآدم الذي فعل بأكلة أكلها .. فقال عنه : [ وعصى آدم ربه فغوى ] ..
وإنما لعن إبليس وجعله شيطاناً رجيماً .. من أجل سجدة أبى أن يسجدها ..
ولعن اليهود .. وجعل منهم قردة وخنازير من أجل حيتان أصابوها يوم السبت وقد نهوا أن يصيدوا فيه ..
فتفكر في نعيم الجنة .. وملكها .. وكرامتها ..
فإذا فكرت في هذا كله عرفت نفسك ..
وعلمت أن عملك لن يغني عنك شيئاً .. إلا أن يتغمدك الله برحمته وبعفوه ..
وكم من الناس – أيها الأخوة - يتساهل بالمحرمات فإذا نُصح قال :
أنا ما فعلت إلا شيئاً يسيراً .. والناس يفعلون أكبر مما أفعل ..
والله تعالى يقول : [ وتحسبونه هيناً وهو عند الله عظيم ] ..
ومن هانت عظمة ربه في نفسه .. فتساهل بالمعاصي والمخالفات .. فليعلم أنه ما ضرّ إلا نفسه ..
وأن لله تعالى عباداً لا يعصون الله ما أمرهم .. ويفعلون ما يؤمرون ..
وهم أكثر منا عدداً .. وأكثر تعبداً وخوفاً ..
روى البخاري ومسلم أن في السماء بيتاً يسمى بالبيت المعمور يدخله كلَّ يوم سبعون ألف ملك فيصلون ثم يخرجون منه .. ولا يعودون إلى يوم القيامة ..
وصحّ فيما رواه أبو داود والطبراني عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( أُذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله عز وجل من حملة العرش ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرةُ سبعمائة عام ) ..
وصح عند الترمذي وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
( إني لأرى ما لا ترون .. وأسمع ما لا تسمعون .. إن السماء أطت ( يعني ثقلت من شدة ما فوقها ) وحق لها أن تئط .. ما منها موضع أربع أصابع .. إلإ وعليه ملك واضع جبهته ساجداً لله .. والله لو تعلمون ما أعلم .. لضحكتم قليلاً .. ولبكيتم كثيراً .. ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله عز وجل ) ..
وأخرج المروزي بإسناد حسّنه ابن كثير أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :
( إن لله تعالى ملائكةٌ ترعد فرائصهم من خيفته .. ما منهم ملك تقطر منه دمعة من عينه .. إلا وقعت على ملك يصلي ..
وإن لله عز وجل ملائكةٌ سجود لله مذ يومَ خلق الله السماوات والأرض .. لم يرفعوا رؤوسهم ولا يرفعون إلى يوم القيامة ..
وملائكةٌ ركوع لم يرفعوا رؤوسهم .. ولا يرفعونها إلى يوم القيامة ..
وصفوفٌ لم ينصرفوا عن مصافهم .. ولا ينصرفون عنها إلى يوم القيامة ..
وإذا رفعوا ونظروا إلى وجه الله تعالى قالوا : سبحانك ما عبدناك حق عبادتك ) ..
والله تعالى يقول : ] فإن استكبروا فالذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون [ ..
ولما عظم هؤلاء السعداءُ ربهم حق التعظيم .. قاموا على أقدام الخوف .. فخافوا من ويلات الذنوب .. وتركوا لذة عيشهم .. في سبيل أن يلقوا ربهم وهو راض عنهم ..
ماعز بن مالك رضي الله عنه ..
أصل قصته في الصحيحين وأسوقها لكم من مجموع رواياتها ..
كان ماعز شاباً من الصحابة .. متزوج في المدينة ..
وسوس له الشيطان يوماً .. وأغراه بجارية لرجل من الأنصار ..
فخلا بها عن أعين الناس .. وكان الشيطان ثالثَهما .. فلم يزل يزين كلاً منهما لصاحبه حتى زنيا ..
فلما فرغ ماعز من جرمه .. تخلى عنه الشيطان .. فبكى وحاسب نفسه .. ولامها .. وخاف من عذاب الله .. وضاقت عليه حياته .. وأحاطت به خطيئته .. حتى أحرق الذنب قلبه ..
فجاء إلى طبيب القلوب .. ووقف بين يديه وصاح من حرّ ما يجد وقال :
يا رسول الله .. إن الأبعد قد زنى .. فطهرني ..
فأعرض عنه النبي صلى الله عليه وسلم .. فجاء من شقه الآخرَ فقال : يا رسول الله .. زنيت .. فطهرني ..
فقال صلى الله عليه وسلم : ويحك ارجع .. فاستغفر الله وتب إليه ..
فرجع غير بعيد .. فلم يطق صبراً ..
فعاد إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال : يا رسول الله طهرني ..
فقال رسول الله : ويحك .. ارجع فاستغفر الله وتب إليه ..
قال : فرجع غير بعيد .. ثم جاء فقال : يا رسول الله طهرني ..
فصاح به النبي صلى الله عليه وسلم .. وقال : ويلك .. وما يدريك ما الزنى ؟ ..
ثم أمر به فطرد .. وأخرج ..
ثم أتاه الثانية ، فقال : يا رسول الله ، زنيت .. فطهرني ..
فقال : ويلك .. وما يدريك ما الزنى ؟ ..
وأمر به .. فطُرد .. وأخرج ..
ثم أتاه الثالثةَ .. والرابعةَ كذلك .. فلما أكثر عليه ..
سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم قومَه : أبه جنون ؟ قالوا : يا رسول الله .. ما علمنا به بأساً ..
فقال : أشرب خمراً ؟ فقام رجل فاستنكهه وشمّه فلم يجد منه ريح خمر ..
فقال صلى الله عليه وسلم : هل تدري ما الزنى ؟
قال : نعم .. أتيت من امرأة حراماً ، مثلَ ما يأتي الرجل من امرأته حلالاً ..
فقال صلى الله عليه وسلم : فما تريد بهذا القول ؟
قال : أريد أن تطهرني ..
قال صلى الله عليه وسلم : نعم .. فأمر به أن يرجم .. فرجم حتى مات ..
فلما صلوا عليه ودفنوه مرَّ النبي صلى الله عليه وسلم على موضعه مع بعض أصحابه ..
فسمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلين من أصحابه يقول أحدهما لصاحبه :
أنظر إلى هذا .. الذي ستر الله عليه ولم تدعه نفسه حتى رُجم رَجم الكلاب ..
فسكت النبي صلى الله عليه وسلم ثم سار ساعة .. حتى مر بجيفة حمار .. قد أحرقته الشمس حتى انتفخ وارتفعت رجلاه ..
فقال صلى الله عليه وسلم : أين فلان وفلان ؟
قالا : نحن ذانِ .. يا رسول الله ..
قال : انزلا .. فكلا من جيفة هذا الحمار ..
قالا : يا نبي الله !! غفر الله لك .. من يأكل من هذا ؟
فقال صلى الله عليه وسلم : ما نلتما .. من عرض أخيكما .. آنفا أشدُّ من أكل الميتة .. لقد تاب توبة لو قسمت بين أمة لوسعتهم .. والذي نفسي بيده إنه الآن لفي أنهار الجنة ينغمس فيها ..
فطوبى .. لماعز بن مالك .. نعم وقع في الزنى .. وهتك الستر الذي بينه وبين ربه ..
فلما فرغ من معصيته .. ذهبت اللذات .. وبقيت الحسرات ..
لكنه تاب توبة لو قسمت بين أمة لوسعتهم ..
صبروا قليلا فاستراحوا دائما يا عزة التوفيق للإنسان
والرب ليس يضيع ما يتحمل المتحملون من أجله من شان
ويذكر الرحمن واحدهم مذاكرة الحبيب يقول يا بن فلان
هل تذكر اليوم الذي قد كنت فيه مبارزا بالذنب والعصيان
فيقول رب أما مننت بغفرة قدما فانك واسع الغفران
فيجيبه الرحمن مغفرتي التي قد أوصلتك إلى المحل الداني
ولا يعني كلامنا عن ماعز رضي الله عنه أننا نطلب من كل من وقع في كبيرة أن يطالب بإقامة الحدّ عليه .. لكن الذي نريده هو أن لا تتمكن المعصية من القلب حتى يألفها ولا يحدث منها توبة .. وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن أحوال القلوب فقال كما في صحيح مسلم :
تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودا عودا .. فأي قلب أشربها نكت فيه نكتة سوداء .. وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء .. حتى تصير على قلبين ..
على أبيض مثلِ الصفا .. فلا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض ..
والآخر أسود مرباداً .. كالكوز مجخياً لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكرا إلا ما أشرب من هواه ..
فأين تلك القلوب البيضاء التي ترتجف إذا وقعت في المعصية .. فتسارع إلى التوبة والإنابة ..
فإن التساهل بالذنوب هو طريق السوء والخذلان .. في الدنيا والآخرة ..
ذكر ابن الجوزي في ذم الهوى ..
أنه كان ببغداد رجل يطلق بصره في المحرمات .. ويتتبع الشهوات .. ذكر فلم يدكر .. وزجر فلم بنزجر ..
فاجتاز يوماً بباب رجل نصراني .. فاطلع داخل البيت فرأى ابنة النصراني فتعلق بها قلبه ..
فقال لي : قد جاء الأجل .. وحان الوقت .. وما لقيت صاحبتي في الدنيا .. وأنا أريد أن ألقاها في الآخرة .. فقلت : ستلقى خيراً منها في الآخرة ..
فقال : لا أريد إلا هي ..
قلت : لا سبيل لك إلى ذلك .. وأنت مسلم وهي نصرانية ..
فشهق بأعلى صوته وقال : فإني أرجع عن دين محمد .. وأؤمن بعيسى والصليبِ الأعظم ..
فصحت به اتق الله .. ولا تكفر .. ما عند الله خير وأبقى .. فبكى وأخذ يشهق حتى مات ..
فتولى أهل المارستان أمره ..
ومضيت أنا إلى تلك المرأة .. فوجدتها مريضة .. فدخلت عليها وجعلت أحدثها عنه ..
فلما علمت بموته صاحت وقالت :
أنا ما لقيت صاحبي في الدنيا .. وأريد أن ألقاه في الآخرة .. وأنا أشهد أن لا إله إلا الله .. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ..وأنا بريئة من دين النصرانية ..
فنهرها أبوها ..فبكت .. واشتدَّ بكاها ..
فقال أبوها : خذها إليكم فلا أساكن من فارقت دينها .. قال : فلم تلبث بعد ذلك إلا يسيراً .. وماتت ..
نعوذ بالله من الخذلان .. ووساوس الشيطان ..
وكم من امرأة ورجل تلذذت منهما العينان .. وأطربت الأذنان .. لكن عاقبة ذلك الذلُ والهوان .. وعذابُ النيران .. ولا يظلم ربك أحداً ..
فمن استقام على دين الله عاش عيش السعداء .. وختم بخاتمة الأتقياء .. وحشر مع الأتقياء .. ورافق الأنبياء ..
] إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون * نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون * نزلا من غفور رحيم [ ..
والسعداء قوم كثر في الدنيا اجتهادهم .. فعلت بين الناس رتبهم .. حتى أصبحوا لا يقاسون عند الله بأشكالهم وأحجامهم وإنما يرتفعون عند الله بأعمالهم ..
روى الإمام أحمد وغيرُه .. أن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه .. كان يمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم فمرا بشجرة فأمره النبي أن يصعدها ويحتزَّ له عوداً يتسوك به ..
فرقى ابن مسعود وكان خفيفاً نحيل الجسم .. فأخذ يعالج العود لقطعه .. فأتت الريح فحركت ثوبه وكشفت ساقيه .. فإذا هما ساقان دقيقتان صغيرتان ..
فضحك القوم من دقة ساقيه ..
فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ممّ تضحكون ؟! .. من دقة ساقيه ؟! والذي نفسي بيده إنهما أثقل في الميزان من أحد ..
ما الذي أثقلهما في الميزان .. إنه طول القيام .. ومداومة الصيام ..
ما حملته ساقاه إلى حرام ..
أما غير ابن مسعود ممن زينوا ظواهرهم .. وأهملوا بواطنهم .. بيّضوا ثيابهم وسوّدوا قلوبهم .. فقد قال فيهم أبو القاسم صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين : ( إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة .. ثم قال صلى الله عليه وسلم : اقرءوا إن شئتم ] فلا نقيم لهم يوم القيامة وزناً [ ..
وإن الإنسان كلما أعرض عن طاعة مولاه .. وازداد انخراطاً في اللذات .. واتباعاً للشهوات .. نزع الله منه أسباب السعادة . وسلط عليه الضيق والهموم .. ولا يرُفع عنه ذلك إلا بالتوبة إلى الله والرجوع إليه ..
لماذا ؟ لأن انشراح الصدر .. ولذة العمر .. نعم عظيمة لا يعطيها الله إلا لمن يحب .. لذا امتن الله بها على رسوله وقال له ] ألم نشرح لك صدرك [ ..
وأول عقوبات المعاصي ضيق الصدر .. ولو علم العاصي والعاصية .. ما في العفاف والطاعة من اللذة والسرور .. والانشراح والحبور .. لعلموا أن الذي فاتهم من لذة الإيمان .. أضعافُ ما حصل لهم من لذة معصية عابرة .. فضلاً عما يكون يوم القيامة ..
قال ابن عباس رضي الله عنه : إن للحسنة نوراً في القلب .. وضياء في الوجه .. وسعة في الرزق .. ومحبة في قلوب الناس .. وإن للسيئة ظلمة في القلب .. وسواداً في الوجه .. ووهناً في البدن .. وبغضة في قلوب الخلق ..
وقال جابر بن عبد الله رضي الله عنه : من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار ..
وصدق الله إذ قال : ] فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون [ ..
فأهل الهدى والإيمان لهم انشراح الصدر واتساعه .. وأهل الضلال لهم ضيق الصدر والبلاء .. والكربة والشقاء .. وانفراط الأمر .. وتعاسة العمر .. وقد قال الله : ] ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطاً [ ..
إن الملل الدائم الذي ينزله الله بمن عصاه .. أو طلب السعادة والأنس في غير رضاه .. ليضيق على أهل المعصية دنياهم .. وينغص عليهم عيشهم .. حتى يتحول ما يسعون وراءه من متع إلى عذاب يتعذبون به .
لماذا ..
لماذا يتحول سماعهم للغناء .. ومواقعتهم للفحشاء .. وشربهم للخمر .. ونظرهم إلى الحرام ..
لماذا يتحول هذا إلى ضيق بعد أن كان سعة .. وحزن بعد أن كان فرحة ..
لماذا ؟ لأن الله تعالى خلق الإنسان لوظيفة واحدة .. لا يمكن أن تستقيم حياته لو اشتغل بغيرها .. ] وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون [ ..
فإذا استعمل الإنسان جسده وروحه لغير الوظيفة التي خالق لأجلها تحولت حياته إلى جحيم ..
لو أن رجلاً يمشي في طريق فانقطع نعله فجأة فلما رأى ذلك قال : لا مشكلة أستعمل القلم بدل النعل ثم وضع نعله تحت رجله وأراد المشي لقلنا له : أنت مجنون لأن القلم صنع للكتابة ولم يصنع للمشي ..
وكذلك احتاج قلماً فلم يجد فقال : لا مشكلة أكتب بحذائي ثم تناول حذاءه وبدأ يجرّه على الورق !! لقلنا له : أنت مجنون لأن الحذاء إنما صنع لوظيفة واحدة هي المشي ولم يصنع للكتابة ..
وكذلك الإنسان خلق لوظيفة واحدة هي طاعة لله وعبادته .. فمن استعمل حياته لغير هذه الوظيفة فلا بدَّ أن يضل ويشقى ..
ولو نظرت في حال من استعملوا حياتهم لغير ما خلقوا له لوجدت في حياتهم من الفساد والضياع ما لا يوجد عند غيرهم ..
لماذا يكثر الانتحار في بلاد الإباحية والفجور ..
لماذا ينتحر في أمريكا سنويا أكثر من خمسة وعشرين ألف شخص ..
وقل مثل ذلك في بريطانيا .. وقل مثله في فرنسا .. وفي السويد .. وإيطاليا ..وغيرها ..
لماذا .. ألم يجدوا خموراً يشربون ؟ كلا الخمور كثيرة ..
ألم يجدوا بلاداً يسافرون ؟ كلا البلاد واسعة ..
أو منعوا من الزنى ؟
أم حيل بينهم وبين الملاعب والملاهي ..
أو أقفلت في وجوههم الحانات والبارات ..
كلا .. بل هم يفعلون ما شاءوا .. يتقلبون بين متع أعينهم .. وأبصارهم وفروجهم ..
إذن لماذا ينتحرون .. لماذا يملون من حياتهم ؟
لماذا يتركون الخمور والزنى والملاهي .. ويختارون الموت .. لماذا ..
الجواب واضح ] ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكاً [ ..
تلاحقه المعيشة الضنك في ذهابه ومجيئه .. وسفره وإقامته .. تأكل معه وتشرب ..
تقوم معه وتقعد .. تلازمه في نومه ويقظته ..
تنغّص عليه حياته حتى الموت .. ومن أعرض عن الله وتكبر .. ألقى الله عليه الرعب الدائم .. قال الله ] سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب [ .. لماذا ؟ ] بما أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطاناً ومأواهم النار وبئس مثوى الظالمين [ ..
أما العارفون لربهم .. المقبلون عليه بقلوبهم فهم السعداء ] من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون [ ..
حدثني أحد الدعاة أنه ذهب للعلاج في بريطانيا ..
قال : فأدخلت إلى مستشفى من أكبر المستشفيات هناك .. لا يكاد يدخله إلا كبير أو وزير .. فلما دخل عليَّ الطبيب ورأى مظهري قال : أنت مسلم ؟
قلت : نعم ..
فقال : هناك مشكلة تحيرني منذ عرفت نفسي .. هل يمكن أن تسمعها مني ؟
قلت : نعم ..
فقال : أنا عندي أموال كثيرة .. ووظيفة مرموقة .. وشهادة عالية .. وقد جربت جميع المتع .. شربت الخمور المتنوعة .. وواقعت الزنى ..وسافرت إلى بلاد كثيرة .. ومع ذلك .. لا أزال أشعر بضيق دائم .. وملل من هذه المتع .. حتى عرضت نفسي على عدة أطباء نفسيين .. وفكرت في الانتحار عدة مرات لعلي أجد حياة أخرى .. ليس فيها ملل .. ألا تشعر أنت بمثل هذا الملل والضيق ؟!
فقلت له : لا .. بل أنا في سعادة دائمة .. وسوف أذلك على حل المشكلة .. ولكن أجبني ..
أنت إذا أردت أن تمتع عينيك فماذا تفعل ؟ قال : نظر إلى امرأة حسناء أو منظر جميل ..
قلت : فإذا أردت أن تمتع أذنيك فماذا تفعل ؟ قال : أستمع إلى موسيقى هادئة ..
قلت : فإذا أردت أن تمتع أنفك فماذا تفعل ؟ قال : أشم عطراً .. أو أذهب إلى حديقة ..
قلت له : حسناً .. إذا أردت أن تمتع عينك لماذا لا تستمع إلى موسيقى ؟
فعجب مني وقال : لا يمكن لأن هذه متعة خاصة بالأذن ..
قلت : فإذا أردت أن تمتع أنفك لماذا لا تنظر إلى منظر جميل ؟ فعجب أكثر وقال : لا يمكن لأن هذه متعة خاصة بالعين .. ولا يمكن أن يتمتع بها الأنف ..
قلت له : حسناً .. وصلت إلى ما أريده منك ..
أنت تحس بهذا الضيق والملل في عينك ؟
قال : لا .. قلت : تحس به في أذنك .. في أنفك .. فمك .. فرجك ..
قال : لا أحس به في قلبي .. في صدري ..
قلت : أنت تحس بهذا الضيق في قلبك .. والقلب له متعة خاصة به .. لا يمكن أن يتمتع بغيرها .. ولا بدَّ أن تعرف الشيء الذي يمتع القلب .. لأنك بسماعك للموسيقى .. وشربك للخمر .. ونظرك وزناك .. لست تمتع قلبك وإنما تمتع هذه الأعضاء ..
فعجب الرجل .. وقال : صحيح .. فكيف أمتع قلبي ؟
قلت : بأن تشهد أن لا إله إلا الله .. وأن محمداً رسول الله .. وتسجد بين يدي خالقك .. وتشكو بثك وهمك إلى الله .. فإنك بذلك تعيش في راحة واطمئنان وسعادة ..
فهزّ الرجل رأسه وقال : أعطني كتباً عن الإسلام .. وادعُ لي .. وسوف أسلم ..
وصدق الله إذ قال : ] يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين * قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون [ ..
فعجباً لأقوام يلتمسون الأنس والانشراح .. ويبحثون عن السعادة في غير طريقها .. والله يقول : ] أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون [ ..
ففرّق الله بين عيش السعداء .. وعيش الأشقياء .. في المحيا والممات ..
بل إن المحسن كلما ازداد إحساناً في الدنيا .. عظمت لذته وسعادته .. وأحسن الله إليه في رزقه .. وولده .. ووظيفته .. ومسكنه .. أحسن إليه في كل شيء ..
قال تعالى : ] قل يا عباد الذين آمنوا اتقوا ربكم للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة وأرض الله واسعة إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب [ ..
ذكر أصحاب السير وأصل القصة في صحيح مسلم ..
أن جابر بن عبد الله رضي الله عنه الصحابي الجليل .. قتل أبوه في معركة أحد .. وخلف عنده سبع أخوات ليس لهن عائل غيره .. وخلف ديناً كثيراً .. على ظهر هذا الشاب الذي لا يزال في أول شبابه ..
فكان جابر دائماً ساهم الفكر .. منشغل البال بأمر دَينه وأخواته .. والغرماء يطالبونه صباحاً ومساءً ..
خرج جابر مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة ذات الرقاع .. وكان لشدة فقره على جمل كليل ضعيف ما يكاد يسير .. ولم يجد جابر ما يشتري به جملاً .. فسبقه الناس وصار هو في آخر القافلة ..
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يسير في آخر الجيش .. فأدرك جابراً يدبّ به جمله .. والناس قد سبقوه .. فقال النبي صلى الله عليه وسلم : مالك يا جابر ؟
قال : يا رسول الله أبطأ بي جملي هذا ..
فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أنخه .. فأناخه جابر وأناخ النبي صلى الله عليه وسلم ناقته .. ثم قال : أعطني العصا من يدك أو اقطع لي عصا من شجرة ..فناوله جابر العصا ..
فما زالا يتزايدان حتى بالغا به أربعين درهماً .. أوقية من ذهب ..
فقال جابر : نعم .. ولكن أشترط عليك أن أبقى عليه إلى المدينة ..
قال صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم : نعم ..
فلما وصلوا إلى المدينة .. مضى جابر إلى منزله وأنزل متاعه من على الجمل ومضى ليصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم وربط الجمل عند المسجد ..
فما خرج النبي صلى الله عليه وسلم قال جابر : يا رسول الله هذا جملك ..
فقال صلى الله عليه وسلم : يا بلال .. أعط جابراً أربعين درهماً وزده ..
أتراني ماكستك لآخذ جملك ..
يعني أنا لم أكن أطالبك بخفض السعر لأجل أن آخذ الجمل وإنما لأجل أن أقدر كم أعطيك من المال معونة لك على أمورك ..
ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب ..
وإنك لتحزن .. إذا رأيت مسلمين عقلاء .. يلتمسون السرور وسعة الصدر ..
بالاجتماع على مشاهدة محرم .. أو الحديث عنه .. أو مزاولته .. في بيت أو بستان .. أو متنزّه .. أو في جلسة على طريق أو شاطئ ..
في مجالس لا تقربها الملائكة .. ولا تغشاها الرحمة ..
ويتفرقون عنها بصدور ضيقة .. وأنفسٍ مكتئبة ..
ويزين بعضهم لبعض هذا المنكر .. وكأنهم قد اجتمعوا على مباح أو طاعة ..
وكأن ليس لهم إله يراقبهم .. ولا ربٌ يحاسبهم .. وتبحث عنهم في مجالس الذكر فلا تجدهم ..
ثم يوم القيامة يكفر بعضه ببعض ويلعن بعضهم بعضاً ..
وقد قال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم فيما رواه الترمذي والحاكم : ( أيما قوم جلسوا .. فأطالوا الجلوس .. ثم تفرقوا قبل أن يذكروا الله .. ويصلوا على نبيه صلى الله عليه وسلم .. إلا كانت عليهم من الله ترة ( أي ثأر وعقوبة ) إن شاء الله عذبهم .. وإن شاء غفر لهم ) ..
وإنه ليشتدّ حزنك أكثر .. إذا رأيت فتيات مسلمات .. هن حفيدات خديجة وفاطمة .. وأخوات حفصة وعائشة .. قد طهّر الله قلوبهن من الشرك .. وأعينهن من الخيانة .. وحفظ فروجهن من الفجور ..
قد سلم لهن الأسماع والأبصار .. وتفضل عليهن بالستر والعافية .. لم تروّع إحداهن في بلدها .. ولم تفجع في أبيها ولا ولدها .. لم يغتصبها فاجر .. ولم يعتدِ عليها كافر ..
ومع كل هذه النعم تجد إحداهن تتسكع سوق .. وتنساق وراء شهوة .. في هاتف .. أو مجلة .. أو صداقة فاجرة ..
وتخالف ربها بتقليد الكافرات .. في اللباس والمظهر ..
وقد يكون نظرها إلى القنوات .. وتقليبها للمجلات .. أكثرَ من نظرها في السور والآيات .. وحضور مجالس الصالحات ..
وتظن المسكينة أن السعادة فيما تفعله .. أو تزينه لها صديقاتها .. أو يحتال به عليها ذئب فاجر .. أو شاب غادر ..
ولا يلبث كل ذلك أن ينقلب عليها شقاءً وضيقاً ..
والعبد حتى لو حصل شيئاً من ملاذه فتمتع بها .. وسعِد بتحصيلها .. فإنه لا يلبث حتى يملها .. ويذهب عنه ذهوله .. وتتحول هذه الملاذّ إلى أسباب ضيق وملل وتعاسة ..
ذكر ابن الجوزي في كتابه المنتظم أن المسلمين غزو حصناً من حصون الروم .. وكان حصناً منيعاً .. فحاصروه وأطالوا الحصار وتمنع عليهم ..
وأثناء حصارهم أطلت امرأة من نساء الروم فرآها رجل من المسلمين اسمه ابن عبد الرحيم ..
فأعجبته .. وتعلق قلبه بها .. فراسلها : كيف السبيل إليك ؟
فقالت : أن تتنصر .. وتصعد إليَّ ..
فتنصّر وتسلل إليها ..
مسكين ظن أن السعادة في امرأة ينكحها .. وخمر يشربها .. ونسي أن السعادة العظمى هي مصاحبته لهؤلاء الأخيار يصوم ويصلي .. ويقرأ ويجاهد ..
فلما فقده المسلمون اغتموا لذلك غماً شديداً ..
ثم طالت بهم الأيام ولم يستطيعوا فتح الحصن فذهبوا ..
فلما كان بعد مدة مرّ فريق منهم بالحصن فتذاكروا ابن عبد الرحيم .. فتساءلوا عنه .. وعلى أي حال هو الآن ؟! ..
فنادوا باسمه : يا ابن عبد الرحيم .. فأطلَّ عليهم ..
فقالوا : قد حصلت ما تريد .. فأين قرآنك وعلمك ؟ ما فعلت صلاتك ؟
فقال : لقد أنسيت القرآن كله .. ولا أذكر منه إلا آية واحدة .. قوله تعالى : ] ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين [ قال الله : ] ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون [ ..
فهذه هي السعادة الحقيقية .. واللذة الأبدية .. التي ضيع طريقها الكثيرون ..
هذه هي السعادة التي يعيش بها المرء حياة المطمئنين ..
فيا من فقد السعادة .. إن كنت تريد السعادة .. فقد عرفت طريقها ..
واحذر من خداع إبليس الذي يوسوس لك بالنظر إلى المحرمات .. والوقوع في الشهوات .. يمنيك بالمتعة والسرور .. والأنس والحبور ..
فما هي إلا ساعة حتى يبعثر ما في القبور .. ويحصل ما في الصدور .. وتتساوى أقدام الخلائق في القيام لله .. وينظر كل عبد ما قدمت يداه ..
واعلم بأن السعداء إذا ذكروا تذكروا ..
فذاك إبراهيم بن أدهم كان أبوه من ملوك خراسان .. وكان في سهو وغفلة .. فصاح به صائح يوماً فقال له : يا إبراهيم .. ما للهو خلقت .. ] أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون [ .. فخف من ربك وأعدّ الزاد لقبرك .. فتاب إبراهيم من ساعته وأصبح من العباد ..
وذاك الفضيل بن عياض .. كان سارقاً قاطع طريق .. فقفز في بيت في ظلمة الليل .. فسمع قارئاً يقرأ قوله تعالى : ] ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون [ .. فبكى الفضيل وقال : ربِّ قد آن .. ربِّ قد آن .. ثم قصد المسجد من ساعته وتاب واستعدَّ للقاء ربه ..
وذاك زاذان الكندي الإمام المحدث كان صاحب لهو وطرب ..
ما أحسن هذا الصوت لو كان بقراءة كتاب الله تعالى .
فقام و ضرب بالعود على الأرض فكسره ثم أسرع فأدركه وجعل يبكي بين يدي عبد الله بن مسعود ..
فاعتنقه عبد الله بن مسعود .. وبكى وقال : كيف لا أحب من قد أحبه الله .. ثم لازم زاذان ابن مسعود حتى تعلم القرآن .. وصار إماماً في العلم ..
وذاك القعنبي الإمام المحدث .. كان في شبابه يشرب النبيذ ويصحب الأحداث ..
فدعى أصحابه يوماً .. وقعد على الباب ينتظرهم ..
فمر شعبة بن الحجاج الإمام المحدث على والناس خلفه يهرعون ..
فقال القعنبي : من هذا ؟
قيل : شعبة ..
قال : وأيش شعبة ؟
قالوا : محدث ..
فقام إليه وعليه إزار أحمر .. فقال له : حدثني .. يعني ما دمت محدثاً فحدّثني ..
فقال له : ما أنت من أصحاب الحديث فأحدثك ..
فأشهر سكينة وقال: تحدثني أو أطعنك ؟
فالتفت إليه شعبة وقال : حدثنا منصور .. عن ربعي .. عن أبي مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت ..
فلما سمع القعنبي هذا الحديث .. وافق منه قلباً صافياً .. وتذكر ما يحارب به ربَّه منذ سنين ..
ورمى سكينه ورجع إلى منزله . فقام إلى جميع ما كان عنده من الشراب فهراقه ..
ثم استأذن أمه بالسفر إلى المدينة لطلب العلم .. ومضى من وقته ولزم مالك بن أنس .. حتى حفظ عنه وأصبح من كبار العلماء المحدثين ..
وسبب هدايته موعظة عابرة .. لكنها صادفت قلباً حياً ..
فأدم ذكر ربك على جميع أحوالك .. واحرص على مجالسة الصالحين .. وحضور دروس العلم والدين .. فإن للذكر من شرح الصدر .. ولذة العمر .. ما لا يوصف ..
فابكِ بين يدي ربك .. واعترف بتقصيرك وذنبك .. واعترف بنعمته عليك .. وقل :
يا مـنزل الآيـات والفـرقان بـيني وبينـك حـرمة القرآن
اشرح به صـدري لمعرفة الهدى واعصـم به قلبي من الشيطـان
يســر به أمري واقض مآربي وأجرْ به جسدي من النيران
واحطط به وزري وأخلص نيتي واشدد به أزري وأصلح شاني
واكشف به ضري وحقق توبتي أربِح به بيعي بلا خسران
طهر به قلبي وصفِّ سريرتي أجمل به ذكري وأعلِ مكاني
واقطع به طمعي وشرِّف همتي كثِّر به ورعي وأحيي جناني
أسهر به ليلي وأظم جوارحي أسبِل بفيض دموعها أجفاني
أمزجه يا ربي بلحمي مع دمي واغسل به قلبي من الأضغان
أنت الذي صوَّرتني وخلقتني وهديتني لشرائع الإيمان
أنت الذي علمتني ورحمتني وجعلت صدري واعي القرآن
أنت الـذي أطـعمتني وسقيتني من غـير كسب يد ولا دكـان
وجبرتني وسترتني ونصرتني وغمرتني بالفضل والإحسان
أنت الـذي آويتــني وحبوتني وهـديتني من حيرة الخذلان
وزرعـت لي بين القلوب مودة والـعطفَ منـك برحمـة وحنان
ونشـرت لي في العالمين محامداً وسترت عن أبصــارهم عصيـاني
وجعلت ذِكري في البريّة شائعاً حـتى جعـلت جميعهـم إخـواني
والله لو علــموا قبيح سريرتي لأبى السـلام علـيَّ مـن يلقـاني
ولأعرضوا عني ومـلّوا صحـبتي ولبؤت بعـد كـرامـة بهــوان
لكن سترت معـايبي ومثـالـبي وحلُـمتَ عـن سقطي وعن طغياني
فـــلك المحامد والمدائح كلها بخواطـــري وجوارحي ولساني
ولقـد مننت عليَّ ربِّ بأنعُــمٍ مـا لـي بشكـر أقلِّـهن يـدان
فوَحـق حكمتـك التي آتيتـني حـتى شـددت بنـورها أركـاني
لإن اجتبتني من رضاك مـــعونة حــــــتى يقوي أيدُها إيماني
لأُسبحنـك بكــرة وعشيـة ولَـتخدمنك في الـدجـى أركـاني
ولأذكرنـك قائمـاً أو قـاعداً ولأشـكـرنك سـائر الأحيــان
ولأكتمنَّ عن الـــبرية خِلّتي ولأشكــــونّ إليك جهد زماني
ولأجعلنّ المقلتين كـلاهــما من خشيـة الــرحمـن باكيتـان
ولأجعلن رضاك أكبر هـِمـتي ولأقبضـنّ عـن الفـجـور عنـاني
ولأمنعن النفس عن شهواتهـــا ولأجعـلن الـزهد مـن أعــواني
ولأحسمن عن الأنام مطامعي بحســـــام يأس لم تشبه بنان
ولأقصدنك في جميع حوائجــي من دون قصـد فــلانة وفــلان
ولأتلونَّ حروف وحيك في الـدجى ولأُحـرِقــنّ بنـوره شيـطـاني
اللهم إنا نسألك عيش السعداء .. وموت الشهداء .. والحشر مع الأتقياء .. ومرافقة الأنبياء .. اللهم إنا نسألك من الخير كله ..

كتبه / د. محمد بن عبد الرحمن العريفي





بسم الله الرحمن الرحيم(رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) [البقرة/286]


Sahar
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sadakasoft.ahlamountada.net
زكرياء
مدير الموقع
مدير الموقع


البلد: غير معروف
الهواية :
عدد المساهمات عدد المساهمات: 6490
الجنس: ذكر
نقاط: 171369
السمعة السمعة: 99

مُساهمةموضوع: رد: موسوعة الخطب المكتوبة و الدروس    الجمعة أكتوبر 25, 2013 11:57 pm



بسم الله الرحمن الرحيم

أين المفر..؟

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه.
ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير.
وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان.
(يا أيها الذين أمنوا اتقوا الله حق تقاته، ولا تموتنا إلا وأنتم مسلمون).
أما بعد: عبد الله:
اتقوا الله عباد الله، واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله، يومَ ينفخ في الصورِ، ويبعث من في القبورِ، ويظهرُ المستورُ، يومَ تبلىَ السرائرَ، وتُكشَفُ الضمائرُ ويتميزُ البرُ من الفاجر.
ثم أعلموا أن هناك حقيقةً وأيُ حقيقة!
حقيقةٌ طالما غفلَ عنها الإنسانُ، ولحظةٌ حاسمةٌ ومصيرٌ ومآل.
إنها لحظةُ ملاقيكُم إلى أين من هذه اللحظةِ المهرب، وإلى أين منها المفر ؟
إلى الأمام ملاقيكُم.
إلى الوراءِ ملاقيكُم.
إلى اليميني والشمالِ ملاقيكُم.
إلى أعلا إلى أسفل ملاقيكُم، إلى الوراء ملاقيكم.
لا تمنعُ منه جنود، ولا يُتَحصنُ منه في حصون، مدريكُكم أينما كنتم.
إنه واعظُ لا ينطق، واعظ صامت يأخذَ الغنيَ والفقير، والصحيحَ والسقيمَ، والشريفَ والوضيع، والمقرَ والجاحدَ، والزاهدَ والعابد، والصغيرَ والكبيرَ، الذكرَ والأنثى، كلُ نفسٍ ستذوقهُ شاءت أم أبت.
لعلَكم عرفتموه، لا أظنُ أحداً يجهلُه، أما حقيقتُه فالكل يجهله، إنه الموت.
( كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ).
الموتُ ما الموت ؟
أمرُ كبار وكأسُ يدار، في من أقامَ وسار، يخرجُ بصاحبه إلى الجنةِ أو إلى النار.
ما زالَ لأهلِ اللذاتِ مكدرا، ولأصحابِ العقولِ مغيرا ومحيرا، ولأرباب القلوبِ عن الرغبةِ فيما سوى اللهِ زاجرا.
كيفَ وورائُه قبرٌ وحساب، وسؤالٌ وجواب، ومن بعدهِ يومٌ تدهشُ فيه الألبابُ فيعدمُ الجواب.
السكرات، ما أدراكم ما السكرات ؟
عانى منها رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فكان يقول: لا إله إلا الله إن للموت سكرا، اللهم هون علينا سكرات الموت.
سكرات أي سكرات ؟
يقول العلماء كل سكرة منها أشد من ألف ضربة بالسيف.
ملك الموت، ما ملك الموت؟
الدنيا بين يديه كالمائدة بين يدي الرجل يمد يده إلى ما شاء منها بأمر الله فيأخذه.
وإن له لأعوانا ما يعلم عددهم إلا الله، ليس منهم ملك إلا لو أذن الله له أن يلتقم السماوات السبع والأراضين في لقمة واحدة لفعل.
فلا إله إلا الله من لحظة حاسمة لو لم تعتقل الألسنة، وتخدر الأجسام وقت الاحتضار لما مات أحد إلا في شعف الجبال ألما، ولصاح الميت من شدة ما يعاني حتى تندك عليه جدران الغرفة التي هو فيها ولمستطاع أن يحضر ميتا أحدا أبدا، فنسأل الله العافية والسلامة، وأن يهون علينا السكرات.
روي عن الحسن أنه قال:
رأي أحد الصالحين بعد موته فقيل له كيف وجدت طعم الموت؟
قال أواه أواه وجدته والله شديدا، والذي لا إله إلا هو لهو أشد من الطبخ في القدور والنشر بالمناشير، أقبل ملك الموت نحوي حتى استل الروح من كل عضو مني فلو أني طُبخت في القدور سبعين مرة لكان أهون علي.
كفى بالموت طامة وما بعد الموت أطم وأعظم.
ويرى آخر بعد موته في المنام فيقال له: كيف وجدت نفسك ساعة الاحتضار؟
قال كعصفور في مقلاة لا يموت فيستريح ولا ينجو فيطير.
فالله المستعان على تلك اللحظات، و اللهم هون علينا السكرات وجعلها لنا كفرات وآخر المعاناة، وهي كذلك بأذن الله للمؤمنين والمؤمنات، ولغيرهم بداية المعاناة.
عبادَ الله، وفي تلك اللحظاتُ الحرجةُ ينقسمُ الناسُ إلى قسمين، إلى فريقين شقي وسعيد:
فريقُ السعداء حالُهم ما حالُهم:
( تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي ْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ).
ها هيَ أسماءُ بنتُ عميسٍ رضي اللهُ عنها تقول كما روي عنها:
إنا لعند علي رضي اللهُ عنه وأرضاه بعدما ضربَه ابن مُلجِم عليه من الله ما يستحق.
إذ بعليٍ يشهقُ شهقةً فيغمى عليه، ثم يفيقُ ثانيةً وهو يقول:
مرحباً مرحبا، الحمدُ لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الجنةَ، الحمد لله الذي أذهبَ عنا الحزن، لمثلِ هذا فليعملِ العاملون، وليتنافسِ المتنافسون.
فيالها من موعظة ومصير لو وافقت من القلوب حياة. من ظفر بثواب الله فكأنما لم يصب في دنياه.
كأنك لم توتر من الدهر مرة ........ إذا أنت أدركت الذي أنت طالبه

وأسمع معي أخر لسعيد أبن جبير رضي الله عنه يوم يروي لنا قصة صحيحة متواترة كما قال الذهبي في سيره فيقول:
لما مات أبن عباس رضي الله عنه في الطائف، جاء طائر لم يرى مثل خلقته فدخل نعشه، ثم لم يخرج منه، فلما دفن فإذا على شفير القبر تال يتلو لا يرى: ( يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي). فيا لها من خاتمة، ويا له من مصير. والخير في الأمة يستمر، ولن تعدم الأمة خيّر، فأسمع ثالثة إلى هذا الحدث الذي ذكره صاحب كتاب "يا ليت قومي يعلمون)، قال حدثني أحد الصالحين قائلا:
كان هناك رجل صالح من أهل الطائف، كان عابدا فاضلا، نزل مع بعض أصحابه إلى مكة محرما، ودخلوا الحرم بعد أن انتهت صلاة العشاء، فتقدم ليصلي بهم، وهو محرم قد خرج لله عز وجل كما يحسب، فقرأ سورة الضحى، فلما بلغ قول الله عز وجل ( وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى)، شهق وبكى وأبكى، فلما قرأ ( وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى) ترنح قليلا ثم سقط ميتا. فعليه رحمة الله، ليبعث يوم القيامة بأذن الله مصليا، فمن مات على شيء بُعث عليه كما ورد عن المصطفى (صلى الله عليه وسلم).
وآخر يقضي حياته مؤذنا يهتف بالتوحيد كل يوم وليلة خمس مرات، ويؤذن يوما من الأيام ثم يشرع ليقيم الصلاة، ولما انتصف في إقامة الصلاة سقط ميتا فعليه رحمة الله، سنوات يؤذن ثم يجيب داع الله مؤذنا فيُبعث يوم القيامة من أطول الناس أعناقا مؤذنا، فرحمة الله عليه.
يا لها من خواتم طيبة، ملائكةٌ بيضُ الوجوه يتقدمُهم ملكُ الموت، يخاطبُ تلك الأرواح الطيبة:
أيتها النفسُ الطيبةُ أخرجي إلى مغفرةٍ من الله ورضوان وربٍ راضٍ غيرِ غضبان، فتخرجُ تسيل كما تسيلُ القطرةُ من فم السقاء، وتفتحُ لها أبوابُ السماء، وتحملُ الجنازةُ على الأكتاف وهي تصيح وتقول قدمونيَ، قدموني، تسألُ فتجيبُ وتثبتُ، ويفرشُ لها من الجنة، ويفتحُ لها بابٌ إلى الجنة، قد استراحت من تعبِ هذه الدار، وإلى راحةٍ أبديةٍ في دار القرار.
وفريقٌ آخر:
في تلك الساعة يشقى، حسبَ أن الحياة عبثٌ ولهوٌ ولعب، وإذا به يعاني أول المعاناة.
نزلت عليه ملائكةٌ سودُ الوجوه يتقدموهم ملكُ الموت –نعوذ بالله من ختام السوء وساعة السوء- يقول أيتها النفسُ الخبيثةُ أخرجي إلى سخطٍ من الله وغضب.
فتنتزَعُ نزعاً بعد أن تُفرقَ في الجسد، ثم ترفعُ فلا تُفتحُ لها أبوبُ السماء، تحملُ الجنازةُ على الأكتافِ وهي تصيح: يا ويلها أين تذهبون بها، ثم تسألُ فلا تجيب، ويفرشُ لها من النار، ويفتحُ لها بابٌ إلى النار، فنعوذ بالله من النار ومن سوءِ الختامِ وغضبِ الجبار.
ذكر صاحب قصص السعداء والأشقياء أنه وقع حادث في مدينة الرياض على إحدى الطرق السريعة لثلاثة من الشباب، كانوا يستقلون سيارة واحدة، توفي اثنان منهما في الحال، وبقي الثالث في آخر رمق، يقول له رجل المرور الذي حضر الحادث قال لا إله إلا الله، فأخذ يحكي عن نفسه ويقول:
أنا في سقر، أنا في سقر أنا في سقر حتى مات عل ذلك، فلا إله إلا الله.
رجل المرور يسأل ويقول ما هي سقر، فوجد الجواب في كتاب الله عز وجل:
( مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ). ( سَأُصْلِيهِ سَقَرَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ * لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ * لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ).
نسأل الله السلامة والعافية. عباد الله:
فريقان لا ثالث، شقي وسعيد:
فريق في الجنة وفريق في السعير.
فريق استراح، وفريق استراح منه العباد والبلاد ومضى إلى جهنم وبئس المهاد.
ألا ترون ألا تتفكرون ألا تنضرون، تشيعون كلَ يومٍ غادياً إلى الله قد قضى نحبه وانقضى أجلَه، حتى تغيبوه في صدعٍ من الأرضِ خُلعَ الأسباب، وتركَ الأحباب، وسكنَ الترابَ، وواجهَ الحسابَ، انتهى أجلُه وأملُه، تبعَه أهلُه ومالُه وعملُه، فرجع الأهلُ والمال وبقي العمل.
فارق الأحبةَ والجيران، هجرَه الأصحابُ والخلان، ما كأنَه فرِحَ يوما ولا ض يوما ما، أرتُهنَ بعملِه فصار فقيراً إلى ما قدم غنياً عن ما تركَ.
جمعوا فما أكلوا الذي جمعوا ...... وبنوا مساكنَهم وما سكنوا
فكأنَهم كانوا بها ضعنا........... لم استراحوا بها ساعةً ضعنوا

ولذلك كان الرسول (صلى الله عليه وسلم) أرحم الناس بالأموات، يقول عوف ابن مالك:
صلى بنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) على جنازة رجل من الأنصار، يقول فتخطيت الصفوف حتى اقتربت منه، فسمعته يبكي ويقول: اللهم أغر له، اللهم أرحمه وعافه واعف عنه، وأكرم نزله ووسع مدخله، واغسله بالثلج والماء والبرد.
يقول عوف والذي لا إله إلا هو لوددت أني أنا الميت من حسن دعائه (صلى الله عليه وسلم) له.
ومن رحمته بالأموات (صلى الله عليه وسلم) كان يذهب في الليل ليقف علة مقبرة البقيع فيدعو لعم طويلا ويترحم عليهم طولا (صلوات الله وسلامه عليه)، فما أرسله الله إلا رحمة للعالمين.
وأصحابه كذلك، أبن عمر كان إذا قرأ قول الله : (وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ ) بكى وأبكى ودعا للأموات وقال: اللهم لا تحل بيني وبين ما أشتهي، قالوا وما تشتهي؟ قال أن أقول لا إله إلا الله.
فلا إله إلا الله.. ما من ميت إلا ويود أن يسجل في صحيفته لا إله إلا الله، ولكن هيهات حيل بينهم وبينها، وبقي الجزاء والحساب.
فرحم الله امرأ قد من الصالحات لتلك الحفر، ورحم الله حاسب نفسه قبل ذاك اللحد الذي لا أنيس فيه ولا صاحب إلا العمل، وكفى بالموت واعظا.
روي أن عمر أبنُ عبد العزيز رحمَه الله يقول لجلاسه يوما ما:
أرقتُ البارحةَ فلم أنم حتى طلعَ الفجر، قالوا ما أسهرك؟
قال لما أويتُ إلى فراشي ووضعتُ عليَ لحافي تذكرتُ القبرَ، وتذكرتُ الميتَ بعد لياليٍ تمرُ عليه، حينما تركَه أهلُه وأحبتُه وخلانه، تغير ريحُه وتمزقَ كفنُه وسرى الدودُ على خدودِه فليتك ترى تلك الرائحةَ المنتنةَ، وتلك الأكفانَ الممزقةَ، إذا لرأيتَ أمراً مهولا، ثم أنفجر يبكي ويقولُ لا إله إلا الله ولسانُ حالِه:
واللهِ لو قيل لي تأني بفاحشةٍ ......... وأنا عُقباكَ دنيانا وما فيها
لقلتُ لا والذي أخشى عقوبَتَه ...... ولا بأضعافِها ما كنتُ أتيها
تجهزي بجهاز تبلغين به ............. يا نفس قبل الردى لم تخلقي عبثا
كفى بالموت واعظا لمن كان له قلب أو ألقى السمع.
يمر عمرو ابن العاص رضي الله عنه بالمقبرة فيبكي ثم يرجع فيتوضأ ويصلي ركعتين، فيقول أصحابه:
لم فعلت ذلك ؟
قال تذكرت قول الله : (وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ ) وأنا أشتهي الصلاة قبل أن يحال بيني وبينها.
عمر الذي حضرته الوفاة فبكى، فقال له ابنه يا أبتاه صف لنا الموت.
قال يا بني الموت أعظم من أن يوصف، لكأن على كتفي جبل رضوى، وكأن في جوفي شوكة عوسج، وكأن روحي تخرج من ثقب ابرة، وكأن السماء اطبقت على الأرض وأنا بينهما.
ثم حول وجهه إلى الحائط ليبكي بكاء مرا فيقول ابنه محسنن ظنه:
أنت من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، أما فتحت مصرا، أما جاهدت في سبيل الله!
فيقول يا بني لقد عشت مراحل ثلاث:
لقد كنت أحرص الناس على قتل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فيا ويلتاه لو مت في ذلك الوقت.
ثم هداني الله فكان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أحب الناس إلي، والله ما كنت أستطيع أن املأ عيني من وجهه حياء منه، والله لو سألتموني أن أصفه الآن ما استطعت، والله ما كنت أملأ عيني إجلالا له، فيا ليتني مت في ذلك الوقت لأنال دعاء النبي (صلى الله عليه وسلم).
يقول ثم تخلفت بعد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فلعبت بنا الدنيا ظهرا لبطن، فما أدري أيؤمر بي إلى الجنة أو النار، لكن عندي كلمة أحاج بها لنفسي عند الله هي لا إله إلا الله محمد رسول الله.
ثم قبض على لا إله إلا الله:( يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ).
يقول أبن عوفٍ رضي الله عنه:
خرجتُ مع عمرَ رضي الله عنه إلى المقبرة، فلما وقفنا عليها، ارتعد وأختلس يدَه من يدي، ثم وضع نفسَه على الأرض وبكى بكاءً طويلاً.
فقلت ما لك يا أميرَ المؤمنين ؟
قال يا ابن عوف ثكلتك أمك أنسيت هذه الحفرة.
حاله يقول: لمثل هذا فأعد.
شد حيازيمك للموت فإن الموت لاقيك ........ لأن لا تجزع للموت إذا حل بواديك.
كفى بالموت واعظا، وبسير الصالحين عنده عبرا.

تحل السكرات بمحمد ابن أدهم فيقول لخادمه: وقد أصابته رعده، يصيح ويقول:
ما لي وللناس، والذي لا إله إلا هو لو استطعت أن أتطوع لله وحدي حيث لا يراني ملكاي لفعلت خوفا من الرياء، ولكن لا أستطيع.
كان يدخل بيته ومعه كوز ماء فيغلق بابه ويقرأ القرآن ويبكي وينشج، فيسمعه ابن له صغير فيقلده في البكاء، فإذا خرج من بيته غسل وجهه واكتحل لكي لا يرى أثر البكاء عليه.
يقول خادمه: دخلت عليه قبل موته بأربعة أيام فقال:
يا أبا عبد الله أبشر فقد نزل بي الموت، وقد من الله علي أن ليس عندي درهم يحاسبني الله عليه، فقد علم ضعفي فإني والله لا أطيق الحساب، فلم يدع عندي شيء يحاسبني عليه فله الحمد.
ثم قال لخادمه أغلق علي الباب، ولا تأذن لأحد علي حتى أموت وأعلم أني أخرج من الدنيا ليس عندي ميراث غير كسائي وإنائي الذي أتوضأ فيه، فغطوا علي بكسائي وتصدقوا بإنائي على مسكين يتوضأ فيه.
ثم لفظ روحه في اليوم الرابع ليلقى الله ليس معه من الدنيا شيء، فرحمه الله رحمة واسعة.
خذ القناعة من دنياك وأرضى بها........ لو لم يكن لك فيها إلا راحة البدن
وانظر إلى من حوى الدنيا بأجمعها....... هل راح منها بغير الحنط والكفن
كفى بالموت واعظا.

وولله لو كان الأمرُ سينتهي بالموت لكان هيناً سهلاً، لكنَه مع شدتِه وهولِه أهونُ مما يليه، والقبرُ مع ظلمتِه أهونُ مما يليه، كلُ ذلك هينٌ إذا قُرنَ بالوقوفِ بين يدي الله الكبيرِ المتعال.
تلفت المرءُ يميناً فلم يرى إلا ما قدم.
وشمالاً فلم يرى إلا ما قدم.
ونظرَ تلقاء وجه فلم يرى إلا النار.
فيا له من موقفٍ ويا لها من خطوبٍ تذهلُ المرضعةُ عما أرضعت وتضعُ كلُ ذاتِ حملٍ حملها، وترى الناسَ سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد.
يبلغ العرق أن يلجم الناس إلجاما، والشمس تدنو منهم قدر ميل، فيالها من أحداثٍ مجردُ تصورُها يخلعُ ويذيبُ الأكباد. يومُ القيامةِ لو علمت بهولِه ......... لفررتَ من أهلٍ ومن أوطانِ.
روي عن الحسن رضي الله عنه:
أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) كان رأسُه ذات يوم في حجرِ عائشة، فنعس فتذكرت الآخرة فسالت دموعُها على خدِ رسولَ الله (صلى الله عليه وسلم)، فأستيقظَ بدموعها ورفع رأسه وقال ما يبكيك؟
قالت يا رسول الله ذكرتُ الآخرة، فهل تذكرونَ أهليكُم يومَ القيامة؟
قال (صلى الله عليه وسلم) والذي نفسي بيده في ثلاثةِ مواطنَ فإن أحداً لا يذكرُ إلا نفسَه:
إذا وضعتِ الموازين حتى ينظرَ أبنُ أدمَ أيخفُ ميزانُه أم يثقل.
وعند الصحف حتى ينظرَ أبيمينِه يأخذُ أم بشمالِه.
وعند الصراط حتى ينظرَ أيمرَ أم يكردس على وجههِ في جهنم.
يؤتي بإبن أدم حتى يوقفُ بين كفتي الميزان، فتصور نفسِك يا عبد الله وأنت واقفٌ بين الخلائقَ إذ نوديَ باسمك، هلمَ إلى العرضِ على اللهِ الكبير المتعال.
قمتَ ولم يقم غيرك ترتعدُ فرائصُك، تضطربُ رجلاك وجميع جوار، قلبك لدى حنجرتك، خوفٌ وذلٌ وانهيار أعصاب:
شبابكَ في ما أبليتَه ؟
عمرُك فيما أفنيتَه ؟
مالُك من أين اكتسبتَه وفيما أنفقتَه ؟
علمُك ماذا عملتَ به ؟
هذه الأسئلةُ فما الإجابةُ.
كم من كبيرةٍ نسيتهَا قد أثبتَها عليك الملك.
كم من بليتٍ أحدثتهَا.
كم من سريرةٍ كتمتها ظهرت وبدت أمامَ عينيك.
أعظمِ به من موقف، وأعظم به من سائلٍ لا تخفى عليه خافيةٍ، وأعظمِ به من حياءٍ يداخلُك وغم وحزنٍ وأسفٍ شديد، فإما أن يقول الله:
يا عبدي أنا سترتُها عليكَ في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم. فيا لسرورِك وهدئت بالك واطمئنان قلبك والمنادي ينادي: سعدَ فلانُ أبن فلان سعادةً لا يشقى بعدها أبدا.
وأما أن يقولَ الله – عافاك وسلمك الله– إما أن يقول: خذوه فغلوه ثم الجحيمَ صلوه فيذهبُ بك إلى جهنمَ مسود الوجه، كتابك في شمالك ومن وراء ظهرك قد غلت ناصيتك إلى قدمك، أي خزي وأي عارٍ على رؤوس الخلائق ينادى: شقي فلانُ أبن فلان شقاوة لا يسعدُ بعده أبدا.
عباد الله:
الأمر خطير جد خطير، إبليس قد قطع العهد على نفسه ليغوينكم أجمعين، فقال:
وعزتك وجلالك يا رب لا أزال اغويهم ما دامت أرواحهم في أجسادهم.
والله برحمته ومنه يقول:
وعزتي وجلالي لا أزال أغفر لهم ما استغفروني.
فالبدار البدار، والتوبة التوبة، والاستغفار الاستغفار لا يهلك إلا هالك، ولا يشقى إلا شقي.
أكثروا من ذكر هادم اللذات.
زوروا المقابر فإنها تذكركم الآخرة.
احضروا المحتضرين معتبرين.
اصدقوا الله يصدقكم.
احفظوه يحفظكم وعاملوا الله فلن تخيبوا.
( وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ).
نفعني الله وإياكم بالقرآن وبسنة سيد الأنام عليه الصلاة والسلام، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
عباد الله:
اعلموا أن الآمال تطوى، والأعمار تفنى، والأبدان تحت التراب تبلى، والليل والنهار يقربان كل بعيد ويبليان كل جديد، وفي ذلك والله ما يلهي عن الشهوات، ويسلي عن اللذات، ويرغب في الباقيات الصالحات.
لتفتوا وانظروا وتدبروا وتأملوا بعيون قلوبكم أين من كان حولكم:
أين من كان حولكم ...... من ذوي البأس والخطر
سائلوا عنهم الديار....... واستبحثوا الخبر
سبقونا إلى الرحيل....... وإنا على الأثر
كان عبد الرحمن ابنُ يزيد ابنُ معاوية خلا لعبد الملك أبنُ مروان، فلما مات عبدُ الملكِ ودفنَ وتفرق الناسُ عن قبرِه، وقفَ عليهِ عبد الرحمنُ قائلاً:
أنتَ عبدُ الملك، أنت من كنتَ تعدوني خيراً فأرجوك، وتتوعدُني فأخافُك، الآن تصبحُ وتمسي وليسَ معكَ من ملكِك غير ثوبُك، وليسَ لك من مُلكِكَ سوى ترابِ أربعةِ أذرُعٍ في ذراعين.
إنه لملكٌ هينٌ حقيرٌ وضيعٌ، أفٍ ثم أفٍ لدنياً لا يدومُ نعيمُها، ثم رجعَ إلا أهلِه فأجتهدَ وجد في العبادةِ وعلم أنها الباقيةَ، حتى كان كأنه شن بال من كثرة ما أجهد نفسَه في العبادة.
فدخلَ عليه بعض يعاتبَه لأنه أضر بنفسه، فقال لمن عاتبه:
أسألكَ عن شيء فهل تصدقني فيها، قال نعم.
قال نشدتُك الله عن حالتِكَ التي أنتَ عليها أترضاها حين يأتيك الموت؟
قال اللهم لا.
قال نشدتُك الله أعزمتَ على انتقال منها إلى غيرها؟،
قال اللهمَ لم أشاور عقلي بعد.
قال افتأمن أن لا يأتيكَ ملكُ الموتِ على الحالةِ التي أنت عليها؟
قال اللهم لا آمن.
فقال حالُ ما أقام عليها عاقلٌ وما يقيم عليها ذو قلبٍ ولب، إن الطائرَ إذا علم أن الأنثى قد حملت البيض، أخذ ينقل العيدان لبناء العش قبل الوضع.
أفترُاك ما علمت قُرب رحيلِك إلى القبرِ الذي ستنفردُ فيه وحدَك، ويسدُ عليك فيه بالطينِ وحدَك، آلا عملتَ لك فراشاً من تقوى الله، فمن عمل صالحاً فلأنفسِهم يمهدون.
فلا يومُك الماضي عليكَ بعائد ........ ولا يومُكَ الآتي بهِ أنت واثقُ
فاستعد وأعد.
يا شابا عكف على القرآن:
مسجده ومصلاه، والمسجد مظهره ومخبره اسأل الله الثبات، وازدد من الحسنات، واجعل الآخرة همك يجعل الله غناك في قلبك ويجمع لك شمل، وتأتيك الدنيا راغمة، فجد وسارع واغتنم زمن الصبا.
و يا شابا هجر القرآن:
وأعطى نفسَه هواها فدساها، لتقفنَ موقفاً ينسى الخليلُ به الخليل، وليركبنَ عليكَ من الثرى ثقلُ ثقيل، ولتسألنَ عن النقيرِ، والقطميرِ والصغيرِ والكبير، فعد فالعودُ أحمد قبل أن تقولَ ربي ارجعون فلا رجوع:
ذهبَ العمرُ وفات، يا أسير الشهوات، ومضى وقتُك في لهوٍ وسهوٍ وسبات.
يا شيخا اقترب من القبر:
عرف أنه منه قاب قوسين أو أدنى، فأكثر من الاستغفار، وحبل لسانه عن الزور، ورعى رعيته كما ينبغي، وعرف قدر يومه وليلته بشراكَ بشراك، ضاعف العمل فإن الخيل إذا وصلت إلى نهاية السباق قدمت كل ما لديها من قوة لتفوز بالجائزة.
ويا شيخا نسي الله في شيخوخته بعد شبابه:
فارتكب الجرائم وقارف الكبائر ووقف على عتبة الموت، أين الهوى والشهوات؟ ذهبت وبقيت التبعات، تتمنى بعد يبس العود العَودَ وهيهات.
يا من شاب رأسه فما استحي من الله:
يا من شاب رأسه فانتهك حدود الله وأعرض عن منهج الله تب إلى الله قبل أن تكون ممن لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم.
إلى من ضيعَ الصلاة وأتبعَ الشهوات.
إلى المنافقين والزناة.
إلى الظلمةِ والبغاة.
إلى من طغى وآثر الحياة الدنيا.
إلى المغتابينَ والنمامينَ والحاسدين وأكلة الربا.
إلى من ألهاهم التكاثرَ فنسوا بعثرةَ المقابر وتحصيلَ من في السرائر.
إلى من أضنى عينيه بمشاهدةِ المسلسلات واستقبالِ القاذورات.
إلى من طربت أذنُه باستماعِ الأغنيات.
إلى من شغلته أمواله المحرمة والشركات.
إلى من أعمى الهوى بصرَه وأصم سمعه فكانَ حياً وهو في عدادِ الأموات.
إلى الراشين والمرتشين وأهلِ السكرِ والمخدرات.
إلى المسبل والمنان والمنفق سلعته بالحلف الكاذب.
إلى الكاسيات العاريات.
إلى العصاةِ جميعاً.
من الموتِ والقبرِ والحسابِ أين المفر، أين المفر؟
( كَلَّا لا وَزَرَ * إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ).
( أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ).
عباد الله: آن الأوان أن نعلنها توبة إلى الله باللسان والجنان.
اللهم صلى على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم انك حميد مجيد.
اللهم آتي نفوسنا تقواها.
اللهم زكها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولها. وأنت أرحم الراحمين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين وأنصر عبادك الموحدين.
اللهم ارحم من لا راحم له سواك، ولا ناصر له سواك ولا مأوى له سواك، ولا مغيث له سواك.
اللهم ارحم سائلك ومؤملك لا منجى له ولا ملجئ إلا إليك.
اللهم كن للمستضعفين والمضطهدين والمظلومين.
اللهم فرج همهم ونفس كربهم وارفع درجتهم واخلفهم في أهلهم.
اللهم أنزل عليهم من الصبر أضعاف ما نزل بهم من البلاء.
يا سميع الدعاء
الله ارحم موتى المسلمين، اللهم إنهم عبيدك بنوا عبيدك بنو إمائك احتاجوا إلى رحمتك وأنت غني عن عذابهم، الله زد في حسناتهم، وتجاوز عن سيئاتهم أنت أرحم بهم وأنت أرحم الراحمين.
سبحان ربك رب العزة عن ما يصفون وسلام على المرسلين
والحمد لله رب العالمين.

فضيلة الشيخ / علي عبد الخالق القرني





بسم الله الرحمن الرحيم(رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) [البقرة/286]


Sahar
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sadakasoft.ahlamountada.net
زكرياء
مدير الموقع
مدير الموقع


البلد: غير معروف
الهواية :
عدد المساهمات عدد المساهمات: 6490
الجنس: ذكر
نقاط: 171369
السمعة السمعة: 99

مُساهمةموضوع: رد: موسوعة الخطب المكتوبة و الدروس    الجمعة أكتوبر 25, 2013 11:58 pm

الدعاء

مازن التويجري

ملخص الخطبة

1- الدعاء سلاح المؤمن. 2- الدعاء سلاح الأنبياء ، وبه هلك أعداؤهم. 3- أوقات إجابة الدعاء. 4- أحوال أحرى بإجابة الدعاء. 5- آداب الدعاء. 6- منزلة الدعاء عند الله.


الخطبة الأولى





يتقلب الناس في دنياهم بين أيام الفرح والسرور, وأيام الشدة والبلاء, وتمر بهم سنين ينعمون فيها بطيب العيش, ورغد المعيشة, وتعصف بهم أخرى عجاف, يتجرعون فيها الغصص أو يكتوون بنار البُعد والحرمان.

وفي كلا الحالين لا يزال المؤمن بخير ما تعلق قلبه بربه ومولاه, وثمة عبادة هي صلة العبد بربه, وهي أنس قلبه, وراحة نفسه.

في زمان الحضارة والتقدم, في كل يوم يسمع العالم باختراع جديد, أو اكتشاف فريد في عالم الأسلحة, على تراب الأرض, أو في فضاء السماء الرحب, أو وسط أمواج البحر, وإن السلاح هو عتاد الأمم الذي تقاتل به أعداءها, فمقياس القوة والضعف في عُرف العالم اليوم بما تملك تلك الأمة أو الدولة من أسلحة أو عتاد.

ولكن ثمة سلاح لا تصنعه مصانع الغرب أو الشرق, إنه أقوى من كل سلاح مهما بلغت قوته ودقته, والعجيب في هذا السلاح أنه عزيز لا يملكه إلا صنف واحد من الناس, لا يملكه إلا أنتم, نعم, أنتم أيها المؤمنون الموحدون, إنه سلاح رباني, سلاح الأنبياء والأتقياء على مرّ العصور.

سلاح نجى الله به نوحًا عليه السلام فأغرق قومه بالطوفان, ونجى الله به موسى عليه السلام من الطاغية فرعون, نجى الله به صالحًا, وأهلك ثمود, وأذل عادًا وأظهر هودَ عليه السلام, وأعز محمدًا في مواطن كثيرة.

سلاح حارب به رسول الله وأصحابه أعتى قوتين في ذلك الوقت: قوة الفرس, وقوة الروم, فانقلبوا صاغرين مبهورين، كيف استطاع أولئك العرب العزَّل أن يتفوقوا عليهم وهم من هم, في القوة والمنعة, ولا يزال ذلكم السلاح هو سيف الصالحين المخبتين مع تعاقب الأزمان وتغير الأحوال.

تلكم العبادة وذلك السلاح هو الدعاء.

أخرج أبو داود والترمذي وابن ماجه عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال: قال رسول الله : ((الدعاء هو العبادة)) ثم قرأ: وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين [غافر: 60] [1].

وليعلم أن للدعاء أدابًا عظيمة حريٌ بمن جمعها أن يستجاب له, فمنها:

أولاً: أن يترصد لدعائه الأوقات الشريفة كيوم عرفة من السنة, ورمضان من الشهور, ويوم الجمعة من الأسبوع, ووقت السحر من ساعات الليل, وبين الآذان والإقامة وغيرها.

روى الترمذي وأبو داود وأحمد في مسنده ـ وحسنه ابن حجر ـ أن أنسًا رضي الله عنه قال: قال رسول الله : ((الدعاء لا يرد بين الآذان والإقامة)) [2].

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله : ((إن في الجمعة لساعة لا يوافقها مسلم يسأل الله فيها خيرًا إلا أعطاه إياه قال: وهي ساعة خفيفة)) رواه البخاري ومسلم[3].

ولهما عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله : ((يتنزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: من يدعوني فأستجيب له, ومن يسألني فأعطيه, ومن يستغفرني فأغفر له)) [4].

ثانيًا: أن يغتنم الأحوال الشريفة كحال الزحف, وعند نزول الغيث, وعند إفطار الصائم, وحالة السجود, وفي حال السفر.

أخرج مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله : ((أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء)) [5].

وعن ابن عباس رضي الله عنهما ـ في حديث طويل وفيه ـ قال عليه الصلاة والسلام: ((فأما الركوع فعظموا فيه الرب عز وجل, وأما السجود فاجتهدوا فيه في الدعاء فقمِنٌ أن يستجاب لكم)) [6] رواه مسلم, أي حقيق وجدير أن يستجاب لكم.

وأخرج أبو داود وابن ماجه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله : ((ثلاث دعوات مستجابات لاشك فيهن: دعوة الوالد, ودعوة المسافر, ودعوة المظلوم)) [7].

وأخرج الترمذي وحسنه وابن ماجه والطبراني عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله : ((ثلاث لا ترد دعوتهم: الصائم حتى يفطر, والإمام العادل, ودعوة المظلوم يرفعها الله فوق الغمام ويفتح لها أبواب السماء ويقول الرب: وعزتي لأنصرنك ولو بعد حين)) [8].

ثالثًا: أن يدعو مستقبلاً القبلة رافعًا يديه مع خفض الصوت بين المخافتة والجهر, وأن لا يتكلف السجع في الدعاء, فإنَّ حال الداعي ينبغي أن يكون حال متضرع, والتكلف لا يناسب, قال تعالى: وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون [البقرة: 186].

ذكر ابن حجر عن بعض الصحابة في معنى قوله تعالى: ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلاً [الإسراء: 110] أي لا ترفع صوتك في دعائك فتذكر ذنوبك فتُعير بها.

وقال ابن عباس رضي الله عنهما كما عند البخاري: "فانظر السجع من الدعاء فاجتنبه, فإني عهدت رسول الله وأصحابه لا يفعلون إلا ذلك الاجتناب[9]".

رابعًا: الإخلاص في الدعاء والتضرع والخشوع والرغبة والرهبة, وأن يجزم الدعاء ويوقن بالإجابة ويصدق رجاؤه فيه.

قال تعالى: إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجدًا وسبحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرونتتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفًا وطمعًا ومما رزقناهم ينفقونفلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون [السجدة: 14 ـ 16].

أخرج الترمذي والحاكم وقال: حديث مستقيم الإسناد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله : ((ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة, واعلموا أن الله لا يستجيب دعاءً من قلب غافل لاه)) [10].

وروى البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله : ((إذا دعا أحدكم فليعزم المسألة, ولا يقولن اللهم: إن شئت فأعطني فإنه لا مستكره له)) [11].

قال ابن بطال: ينبغي للداعي أن يجتهد في الدعاء ويكون على رجاء الإجابة, ولا يقنط من الرحمة, فإنه يدعو كريمًا, وقديمًا قيل: ادعوا بلسان الذلة والافتقار لا بلسان الفصاحة والإنطلاق.

خامسًا: أن يلح في الدعاء ويكون ثلاثًا ولا يستبطئ الإجابة, قال تعالى: أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض [النمل: 62].

أخرج البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله : ((يستجاب لأحدكم ما لم يعجل, يقول: دعوت فلم يستجب لي)) [12].

قال الداودي ـ رحمه الله ـ : على الداعي أن يجتهد ويلح ولا يقل: إن شئت، كالمستثني, ولكن دعاء البائس الفقير.

سادسًا: أن يفتتح الدعاء ويختمه بذكر الله تعالى والصلاة على النبي ثم يبدأ بالسؤال.

قال سبحانه: ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها [الأعراف: 180].

أخرج النسائي وابن ماجه عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كنت مع رسول الله جالسًا يعني ورجل قائم يصلي، فلما ركع وسجد وتشهد دعا فقال في دعائه: اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت, المنان, بديع السموات والأرض يا ذا الجلال والإكرام, يا حي يا قيوم إني أسألك, فقال النبي لأصحابه: ((تدرون بم دعا؟)) قالوا: الله ورسوله أعلم, قال: ((والذي نفسي بيده لقد دعا الله باسمه العظيم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى)) [13].

وروى البخاري ومسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إن رسول الله كان يقول إذا قام إلى الصلاة من جوف الليل ((اللهم لك الحمد, أنت نور السموات والأرض, ولك الحمد أنت قيوم السموات والأرض, ولك الحمد أنت رب السموات والأرض ومن فيهن, وأنت الحق ووعدك الحق, وقولك الحق, ولقاؤك حق, والجنة حق، والنار حق, والساعة حق, اللهم لك أسلمت وبك آمنت وعليك توكلت, وإليك أنبت, وبك خاصمت, وإليك حاكمت، فاغفر لي ما قدمت وأخرت, وأسررت وأعلنت, أنت إلهي لا إله إلا أنت)) [14].

قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (إن الدعاء موقوف بين السماء والأرض لا يصعد منه شيء حتى تصلي على نبيك )[15].

قال أبو سليمان الداراني ـ رحمه الله ـ: من أراد أن يسأل الله حاجة, فليبدأ بالصلاة على النبي ثم يسأل حاجته ثم يختم بالصلاة على النبي فإن الله عز وجل يقبل الصلاتين وهو أكرم من أن يدع ما بينهما.

سابعًا: التوبة ورد المظالم والإقبال على الله عز وجل بكنه الهمة, وهو الأدب الباطن، وهو الأصل في الإجابة تحري أكل الحلال, كما قال الغزالي رحمه الله.

أخرج الطبراني والحاكم وقال: صحيح الإسناد ووافقه الذهبي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله : ((من سره أن يستجاب له عند الكرب والشدائد فليكثر من الدعاء في الرخاء)) [16].

قال الأوزاعي ـ رحمه الله ـ : خرج الناس يستسقون فقام فيهم بلال بن سعد, فحمد الله تعالى وأثنى عليه ثم قال: (يا معشر من حضر: ألستم مقرين بالإساءة؟, قالوا: بلى, فقال: اللهم إنا سمعناك تقول: ما على المحسنين من سبيل [التوبة: 91]. وقد أقررنا بالإساءة فهل تكون مغفرتك إلا لمثلنا, اللهم اغفر لنا, وارحمنا واسقنا), فرفع يديه ورفعوا أيديهم فسُقوا.

وقال سفيان الثوري: "بلغني أن بني إسرائيل قحطوا سبع سنين حتى أكلوا الميتة من المزابل وأكلوا الأطفال, وكانوا كذلك يخرجون إلى الجبال يبكون ويتضرعون فأوحى الله إلى أنبيائهم عليهم السلام: لو مشيتم إليَّ بأقدامكم حتى تَحْفَى ركبكم وتبلغ أيديكم عنان السماء وتكل ألسنتكم من الدعاء فإني لا أجيب لكم داعيًا, ولا أرحم لك باكيًا حتى تردوا المظالم إلى أهلها, ففعلوا فمطروا من يومهم". والتوجيه النبوي يقول: ((أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة)) [17].






[1] الحديث رواه الترمذي ح (2969)، وأبو داود ح (1479)، وابن ماجه ح (3828).

[2] رواه الترمذي ح (212)، وأبو داود ح (521)، وأحمد ح (22174).

[3] رواه البخاري ح (935)، ومسلم ح (852).

[4] رواه البخاري ح (6321)، ومسلم ح (758).

[5] رواه مسلم ح (482).

[6] رواه مسلم ح (479).

[7] رواه أبو داود ح (1536) وابن ماجه ح (3862) والترمذي ح (1905) وأحمد ح (8375).

[8] رواه الترمذي ح (3598)، وأحمد ح (9450)، وابن ماجه (1752).

[9] رواه البخاري ح (1737).

[10] رواه الترمذي ح (3479) والحاكم ح (1817) وأحمد (6617) قال الهيثمي: وإسناده حسن (10/148).

[11] رواه البخاري ح (6338).

[12] رواه البخاري ح (6340)، ومسلم (2735).

[13] رواه الترمذي ح (3544)، والنسائي ح (1300)، وابن ماجه ح (3857).

[14] رواه البخاري ح (1120)، ومسلم ح (769).

[15] رواه الترمذي ح (486).

[16] رواه الترمذي ح (3382) بإسناد ضعيف والحاكم ح (1997) وصححه، ووفقه الذهبي.

[17] رواه الطبراني في معجمه الصغير، قال الهيثمي: وفيه من لم أعرفهم (10/290).



الخطبة الثانية



أيها المؤمنون:

الدعاء من أعظم العبادات, فيه يتجلى الإخلاص والخشوع, ويظهر صدق الإيمان, وتتمحص القلوب, وهو المقياس الحقيقي للتوحيد, ففي كلامٍ لشيخ الإسلام ـ رحمه الله ـ: إذا أردت أن تعرف صدق توحيدك فانظر في دعائك.

أخرج الطبراني وأبو يعلى عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله : ((إن أعجز الناس من عجز عن الدعاء, وأبخل الناس من يبخل بالسلام...)) [1].

وأنت أيها المبارك مأجور في دعائك, موعود بالإجابة.

أخرج الترمذي وأبو داود وابن ماجه والحاكم وصححه ووافقه الذهبي عن سلمان رضي الله عنه قال: قال رسول الله : ((إن ربكم حيي كريم يستحي من عبده إذا رفع يديه إليه بدعوة أن يردهما صفرًا ليس فيهما شيء)) [2].

وخرج الترمذي ـ وقال: حسن صحيح غريب ـ عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: قال رسول الله : ((ما على الأرض مسلم يدعو الله بدعوة إلا آتاه الله إياها, أو صرف عنه من السوء مثلها ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم)) فقال رجل من القوم: إذا نكثر قال: ((الله أكثر)) [3]. فبكلٍ أنت غانم رابح, مأجور مشكور.

والدعاء كريم على الله, عظيمٌ قدره عنده سبحانه, أخرج الترمذي والبخاري في الأدب المفرد والطبراني والحاكم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله : ((ليس شيء أكرم على الله تعالى من الدعاء)) [4].

واسمع إلى النداء الرباني, فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله : ((قال الله تعالى: يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي, يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي, يا ابن آدم لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا لأتيتك بقرابها مغفرة)) [5].

الله أكبر, ولا إله إلا الله, إذن فابشروا وأقبلوا، وادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة, انطرحوا بين يديه, وارفعوا حاجاتكم برداء الذل والمسكنة, ومرغوا الأنوف والجباه, واهتفوا باسمه فثم السعادة والأمان.

أعوذ بالله من الشيطان الرحيم: إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يغشي الله النهار يطلبه حثيثاً والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمينادعوا ربكم تضرعًا وخفية إنه لا يحب المعتدينولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها وادعوه خوفًا وطمعًا إن رحمت الله قريب من المحسنين [الأعراف: 54 ـ 56].



[1] ذكره الهيثمي في المجمع وقال: رواه الطبراني في الأوسط... ورجاله رجال الصحيح غير مسروق بن المرزبان، وهو ثقة (8/30).

[2] رواه الترمذي ح (3556)، وأبو داود ح (1488)، وابن ماجه (3865) والحاكم بنحوه (1830) ووافقه الذهبي على تصحيحه.

[3] رواه الترمذي ح (3573)، وأحمد ح (10749)، والحاكم ح (1816).

[4] رواه الترمذي ح (3370) ورواه الحاكم ح (1801) ووافقه الذهبي على تصحيحه، والبخاري في الأدب المفرد ح (712) وحسنه الألباني.

[5] رواه الترمذي ح (3540).




بسم الله الرحمن الرحيم(رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) [البقرة/286]


Sahar
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sadakasoft.ahlamountada.net
زكرياء
مدير الموقع
مدير الموقع


البلد: غير معروف
الهواية :
عدد المساهمات عدد المساهمات: 6490
الجنس: ذكر
نقاط: 171369
السمعة السمعة: 99

مُساهمةموضوع: رد: موسوعة الخطب المكتوبة و الدروس    السبت أكتوبر 26, 2013 12:03 am

الـفتور

المظاهر – الأسباب - العلاج

أ. د .ناصر بن سليمان العمر


أولاً: مقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

وأشهد ألا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)([1]).

(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً)([2]).

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً)([3]).

أما بعد، أيها الأخوة المؤمنون: فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته:

بادئ ذي بدء أشكر الله -جل وعلا- الذي يسر وسهل وأعان لهذا اللقاء، وأسأله التوفيق والتمام، ثم أشكر مكتبة "دعوتي" في شرق الرياض في منطقة "النسيم" وما حولها الذين نظموا هذا اللقاء، وأخص بالشكر القائمين على هذا المسجد؛ فهم لهم السبق -جزاهم الله خيرا- باستضافة هذه الحلقة التعليمية التربوية، فلهم مني جزيل الشكر والدعاء، ولكم - أيها الأحبة -؛ حيث جئتم لسماع هذه الكلمات، التي أسأل الله -جل وعلا- أن تكون خالصة موفقة نافعة بإذن الله.

وإن كان لي من عتب فهو على أخي الشيخ محمد في تقديمه -حفظه الله- فلست أهلا لهذه المقدمة التي قالها.

ولا أقول هذا -أيها الأخوة- والله تواضعا، ولكنها الحقيقة، ولكنني ألتمس منه وادعوه أن يرفق بإخوانه، فإن النفس البشرية ضعيفة، ونسأل الله الثبات.



ثانياً: لمن هذا الموضوع؟



أيها الأحبة: هذا اللقاء هو لقاء مع موضوع عشت معه سنوات طويلة، ولا أكتمكم إذا قلت: إن بداية اهتمامي بالموضوع تربو على أربع سنوات؛ لأنني كنت مقتنعا بأهمية هذا الموضوع وخطورته، ولكنني لم أكن، ولكنني لم أجد أن الوقت قد حان لإلقائه لسببين:

السبب الأول: أنه لم يكتمل بالصورة التي أريدها ولا أدعي -أيضا- كماله في هذا اليوم.

والسبب الثاني: أنني وجدت الحاجة ماسة -أكثر من أي وقت مضى- للوقوف مع موضوع الفتور؛ حيث بدأت ألمس وأرى وأشاهد هذه المظاهر في واقع المسلمين، وفي شباب الصحوة على وجه الخصوص، فقلت: لا بد من تدارك الأمر قبل استفحاله، لنعالج هذه القضية التي قد لا يحس بها كثير من الناس.

إن من أخطر مظاهر الفتور: أن الكثير لا يدركون خطورته إلا بعد فوات الأوان؛ فلذلك رأيت أن الوقت قد حان للوقوف معه، ونظرا لطول الموضوع ولأهميته لم أرض أن ألقيه في محاضرة تكون مختصرة، وإنما رغبت أن يكون في دروس متصلة، أقف وقفات متأنية لنلامس، ونعالج هذه المشكلة معالجة، لعلها تساعد وتعين في التخلص من هذا الداء، وهذا البلاء.

وهنا يأتي سؤال -أيها الأحبة-: لمن هذا الموضوع؟ موضوع الفتور لمن؟

قد يتصور البعض أن موضوع الفتور يصلح لمن أصيب بداء الفتور، وأذكر أن أحد الأحبة علم اهتمامي بالموضوع، فقال: إنني أريد أن أدعو مجموعة من الأخوة الذين أحس أن الفتور قد دب في أوصالهم، لتتحدث معهم، قلت له: لا، اجمع لي أنشط الأخوة فهم أحوج إلى هذا الموضوع من الذي دب الفتور فيهم؛ لأن الذي قد دب الفتور فيه، أو بعبارة أصح: "قد تأصل فيه" أمره وشأنه أقل خطرا -في رأيي- من الذي لم ينتبه إلى خطورة الفتور، فيقع فيه.

أن أقف مع أولئك الشباب، وأولئك من طلاب العلم والعلماء، والدعاة الذين في قوة نشاطهم وعزيمتهم، هم أحوج إلى هذا الموضوع ممن دب الفتور في أوصاله، أو تمكن فيه؛ فلذلك أقول:

إن هذا الموضوع هو: لطلاب العلم، وللدعاة وللمربين وللشباب الذي يفتقدون حماسا،

أخيرا هو للفاترين: فليسوا عندي عندما وجهت هذا الموضوع لهم بالدرجة الأولى إنما وجهته لغيرهم وأخص المربين بصفة أخص.

نقطة أخرى: إن درس اليوم -أيها الأخوة- عن تعريف الفتور ومظاهره، أعتبره مقدمة لما يأتي بعده، وأخص درس الغد.

فإن أسباب الفتور التي سأتحدث فيها غدا -إن شاء الله- هي لب الموضوع وأساسه؛ ولذلك آمل ألا يتعجل متعجل، أو أن يدب الفتور فيه وهو يستمع إلى هذه المقدمة، فأقول له: رويدك، وآمل أن تواصل المشوار حتى ننتهي، ولك الحكم بعد ذلك؛ لأن أسباب الفتور هي التي جلست معها قرابة أربع سنوات، أعالجها وأبحث فيها، وأتلمس أسبابها من أطرافها.

ولهذا فأقول: إنه من الاعتراف بالحق، لا أدعي أنني أتيت بهذا الموضوع من جهدي الخاص لا، بل لقد التقيت خلال هذه السنوات بعدد كبير من المشايخ والعلماء، وطلاب العلم، والدعاة وبعض الشباب، وقرأت أغلب ما كتب في موضوع الفتور، فما ألقيه عليكم هو جهد شارك فيه غيري، فجزاهم الله عني وعنكم خير الجزاء.

ومع ذلك هو جهد بشر يعتريه النقص، ويعتريه التقصير، ويأبى الله الكمال إلا لكتابه -جل وعلا-.

النقطة الأخيرة: أقول: هذا الموضوع هو موضع علمي تربوي يلامس الواقع ويعالجه؛ ولذلك آمل أن تجدوا ما جئتم تبغونه من خلال هذه الساعات التي نقضيها هذا اليوم، وبعد اليوم بإذن الله.






ثالثاً: تعريف الفتور



فأقول مستعينا بالله -جل وعلا- ومتوكلا عليه ومصليا ومسلما على رسوله صلى الله عليه وسلم

ما هو الفتور؟

قبل أن أعرفه من الناحية اللغوية، أريد أن أنبه أن تركيزي في هذه الدروس يتعلق بالفتور في طلب العلم، والدعوة إلى الله، وسيدخل في ذلك تبعا وضمنا بقية أنواع الفتور، كالفتور في العبادة ونحوها، ولكن التركيز ينصبُّ على هذين الأمرين، كما ستلاحظون بإذن الله عند الحديث في مظاهر الفتور وأسبابه وعلاجه.

ما هو الفتور؟

عرف علماء اللغة الفتور بعدة تعريفات متقاربة، يكمل بعضها بعضا، ويوضح بعضها بعضا.

قال في مختار الصحاح: الفترة: الانكسار والضعف، وطرف فاتر: إذا لم يكن حديدا، أي قويا، وقال ابن الأثير: والمفتر الذي إذا شرب أي الذي إذا شرب أحمى الجسد، وصار فيه فتور، وهو ضعف وانكسار؛ ولذلك يسمى الخمر من المفترات، وبعض الحبوب، وبعض المسكرات التي يستخدمها بعض الناس تسمى من المفترات؛ لأنها تحدث في الجسم ضعفا وخورا وفتورا.

يقال: أفتر الرجل فهو مفتر: إذا ضعفت جفونه، وانكسر طرفه وقال الراغب: الفتور، تعريف جميل للراغب -رحمه الله- الراغب الأصبهاني في مفردات القرآن قال: الفتور: سكن بعد حدة، ولين بعد شدة، وضعف بعد قوة، قال تعالى: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ)([4]) أي سكون حال عن مجيء رسول الله صلى الله عليه وسلموقوله: لا يفترون، أي لا يسكنون عن نشاطهم في العبادة.

وقال ابن منظور: وفتر الشيء، والحر، وفلان يفتر فتورا وفتارا: سكن بعد حدة، ولان بعد شدة.

ونخلص من هذا: إلى أن الفتور: هو الكسل والتراخي، والتباطؤ بعد الجد، والنشاط والحيوية.

نخلص بعد هذا من هذه التعريفات إلى أن الفتور: هو الكسل والتراخي والتباطؤ بعد الجد والنشاط والحيوية.

قال ابن حجر -رحمه الله، ورحم من سبقه-: الملال استثقال الشيء، ونفور الناس عنه بعد محبته، وهو داء يصيب بعض العباد والدعاة وطلاب العلم، فيضعف المرء ويتراخى ويكسل، وقد ينقطع بعد جد وهمة ونشاط.






رابعاً: أقسام المصابين بداء الفتور



المصابون بداء الفتور ثلاثة أقسام:

القسم الأول: قسم يؤدي بهم الفتور إلى الانقطاع كلية، وهم كثير، قسم يؤدي بهم الفتور إلى الانقطاع يكون من العباد، فيترك العبادة يكون من طلاب العلم الجادين، فيترك طلب العلم، يكون من الدعاة المعروفين، فينقطع نشاطه.

النوع الثاني: قسم يستمر في حالة الضعف والتراخي دون انقطاع، وهم الأكثر، أكثر من يصاب بالفتور يبقى معه بعض الأثر من جده ونشاطه، ولكن ينخفض نشاطه وعلمه وجده كثيرا إلى أكثر من نسبة سبعين أو ثمانين بالمائة، إذا أردنا أن نستخدم نسبة الأرقام.

هؤلاء هم الأكثر بحيث تجد أن الشخص من الدعاة، أو من طلاب العلم، فبدل أن كان عنده مثل خمسة دروس في الأسبوع إذا هو يقتصر على درس واحد، بدل أن كان يعمل في اليوم قرابة عشر ساعات إذا هو يعمل ساعة أو أقل، وهلم جرا، بدل إن كان ينفق في سبيل الله كثيرا إذا هو لا ينفق إلا القليل، هذا هو النوع الثاني.

النوع الثالث: قسم يعود إلى حالته الأولى، أو بعبارة أصح إلى قرب حالته الأولى؛ لأنه قليل أو نادر أن يعود إلى حالته الأولى، قسم يعود إلى قرب حالته الأولى وهم قليل جدا؛ لأن أثر الفتور قد يبقى، ويؤثر في الإنسان.

أدلة الفتور من الكتاب والسنة: وأريد أن أشير قبل أن أتجاوز أقسام الناس في الفتور إلى أن هناك قسم بعض الناس يؤدي به الفتور -والعياذ بالله- إلى الانحراف، ولكن لم أتحدث عن هذا النوع؛ لأن غالبا النوع الذي يؤدي به الفتور إلى ترك العمل هم منهم قسم كبير يؤدي بهم الأمر إلى الانحراف -والعياذ بالله- فقد رأينا أناسا كانوا في غاية النشاط، والعبادة والصلاح، ورأيناهم بعد حين، وقد انحرفوا عن الجادة -والعياذ بالله-.

لا زلت أتذكر شابا، دخلت في مسجد من المساجد في يوم من الأيام قبل صلاة المغرب، فإذا هو في المسجد عليه آثار الانكسار والذل والخشوع بين يدي الله وآثار العبادة عليه بادية، فوالله لقد أثر علي مشهده ومنظره، ثم مضت السنوات فرأيته، وليتني لم أره رأيته شابا قد وقع فيما يغضب الله -جل وعلا- وانحرف، نسأل الله الثبات والعافية.

أنا لا أتحدث هنا عن الانحراف، ولكنني أنبه إلى أن الفتور من أعظم أبواب الانحراف.

إن الفتور مرحلة وسطية بين العبادة والدعوة والعلم والانحراف، قل أن تجد إنسان عابدا وداعية ومعلما أو متعلما وينحرف مباشرة، أقول: موجود، ولكنه قليل جدا.

إن ما يحدث أن يفتر أولا، أن يضعف أولا، ويعيش سنوات في ضعف، ثم الإنسان لا يستقر على حالة واحدة، إن لم يتداركه الله برحمته، ويعود يستمر في الانحدار حتى يقع في الانحراف -والعياذ بالله-.






خامساً: أدلة الفتور من القرآن



أدلة الفتور من الكتاب والسنة:

ورد لفظ الفتور، ومعناه في عدة آيات وأحاديث من الكتاب والسنة، وسأذكر بعض هذه النصوص، لإلقاء مزيد من الضوء حول معنى الفتور، وسيكون ذكري لها باختصار، دون تعليق طويل، وإن كنت سأفصل فيها -بإذن الله- عند ذكر الأسباب

قال الله -تعالى- مثنيا على الملائكة: (يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ)([5]).

أي لا يضعفون ولا يسأمون، وجاء في آية مشابهة:

(يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ)([6]) والسأم هو الفتور، وقال سبحانه -مما يدل على معنى الفتور-: (وَلا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلَى أَجَلِهِ)([7]) كتابة الديون يفتر الإنسان عنها؛ ولذلك نبه الله -جل وعلا- قال: (وَلا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلَى أَجَلِهِ)([8]).

لو سألت الأخوة، قد تجد كل واحد من الموجودين، أو بعبارة أصح أن أغلب الموجودين إما له دَين أو عليه دَين، ولكن كم منهم يكتب هذا الدَّين؟ قليل جدا، قليل من يسجل ما له، وما عليه؛ ولذلك تلاحظون في الإعلانات بعد أن يتوفى بعض الناس يعلن أهله وورثته: من له عليه أو من له على فلان دين فليأت، ما معنى هذا؟ أنه لم يسجل ولم يقيد؛ فلذلك نبه الله إلى هذه النقطة الخفية، التي أقول: إن أغلبنا قد وقع فيها (وَلا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلَى أَجَلِهِ)([9]).

السأم هو الفتور، قد يتحمس الآن الواحد، ويخرج ويكتب مرة ويكتب مرتين، ويكتب ثلاثا ثم بعدين -إن شاء الله- غدا بعد غدٍ ثم ينسى ويسأم، ثم تقع المشكلات بعد ذلك، ويقع الخلاف ويقع الخصام.

أيضا يقول -جل وعلا-: (لا يَسْأَمُ الْأِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ)([10]) صحيح نعم، وهو قول الباري -جل وعلا- الإنسان لا يفتر من دعاء الخير لنفسه، دائما يدعو الله -جل وعلا- فيما يخصه من الخير، أما غير ذلك من العبادات، فالسأم والفتور موجود.

وقال -جل وعلا- عن أهل النار: (لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ)([11]) النار مستعرة شديدة لا يمكن أن تقل أو تضعف لحظة واحدة (لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ)([12]) لا تنقطع ولا تضعف ولا تخبو لحظة واحدة (وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ)([13]) وقال تعالى: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ)([14]) وقال تعالى: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ)([15]) أي انقطاع، ومما يدل في معنى قوله تعالى يصف المؤمنين: (وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ)([16]).
سادساً: أدلة الفتور من السنة



أما الأحاديث: فهي كثيرة جدا، وأذكر بعض هذه الأحاديث، وهي نص في الموضوع، أو في معناه عن أنس رضي الله عنه قال: " دخل النبي صلى الله عليه وسلمفإذا حبل ممدود بين ساريتين " ([17]) دخل المسجد، فإذا حبل ممدود بين ساريتين " فقال: ما هذا الحبل؟ " يقول صلى الله عليه وسلم" قالوا: هذا حبل لزينب " ([18]) زينب: هي زوجة الرسول صلى الله عليه وسلممن أمهات المؤمنين " هذا حبل لزينب، فإذا فترت تعلقت به " ([19]) تقوم تصلي، فإذا فترت فترت، وكسلت تعلقت بالحبل حتى تنشط.

وأذكر أنني كنت في زيارة للجنوب لجيزان، فزرت بيت الشيخ الإمام العلامة: حافظ حكمي -رحمه الله- وقابلت أخاه هناك في بيته، فذكر لي أن الشيخ حافظ كان يجلس يكتب في الليل المناهج والكتب ويؤلف، فإذا أحس بتعب قد علق حبلا في خشبة وتعلق به حتى يذهب النوم ويعود على الكتابة، من جده؛ ولذلك تعرفون أن العلامة حافظ حكمي توفي وعمره خمسة وثلاثون سنة، وخلف هذا الأثر العظيم من العلم والكتابة والتلاميذ، مع أن سنه خمس وثلاثون سنة عندما توفي -رحمه الله-.

كان يعمل الليل والنهار، وقد، وهو لا ينطبق عليه هذا الحديث لاختلاف الموضعين، واختلاف الحال والمحل وحاجة الناس فالرسول صلى الله عليه وسلملما قال: لماذا هذا الحبل؟ قالوا: لزينب فإذا فترت تعلقت به، أنشط لها ولإذهاب الفتور، قال صلى الله عليه وسلم" لا، حلوه، ليُصلِّ أحدكم نشاطه، فإذا فتر فليرقد " ليصل أحدكم نشاطه، فإذا فتر وتعب وكسل فلينم، وهذه من رحمة الله -جل وعلا-.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلماستمعوا يا شباب، استمعوا يا أصحاب الجد، انظروا كيف يخبرنا الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلموكيف يدلنا على العلاج، يقول صلى الله عليه وسلم" إن لكل شيء شرة، ولكل شرة فترة، فإن صاحبها سدد وقارب فأرجوه، وإن أشير إليه بالأصابع فلا تعدوه " ([20]).

وقد ورد الحديث بألفاظ أخرى " لكل عمل نشاط " فترة شرة ونشاط وقوة " ولكل شرة فترة " ([21]) كل عمل -هذا كلام المصطفى r.

وأذكر أن أحد الأخوة يقول: كان في غاية نشاطه، هذا الكلام منذ ثلاث سنوات، كان قويا ونشيطا، وكنت وكنا وقوفا، فجاء أحد الأخوة وسلم عليه، وقال: يا فلان -فلان من كبار العلماء، لا أريد أن أذكر اسمه- أحد كبار العلماء يبلغك السلام، ويقول لك: إنني أدعو لك بالتوفيق، ولكنني أذكرك بحديث المصطفى صلى الله عليه وسلم" إن لكل عمل شرة، ولكل شرة فترة " ([22]).

يقول هذا الأخ: لما انصرف المُبلغ، يقول: صحيح بلغ الحديث، لكن هل يمكن أن أفتر؟ يقول -عن نفسه-: كان في غاية النشاط، ما مر على هذا الكلام إلا سنتان، فإذا هو قد فتر قليلا، وخف نشاطه.

إذا " لكل عمل شرة، ولكل شرة فترة " ([23]) وفي الحديث الآخر عن ابن عباس رضي الله عنه في نفس نص الحديث، عن النبي -صلى الله عليه وسلم-أنه قال: " لكل عالم شرة، ولكل شرة فترة، فمن فتر إلى سنتي فقد نجا، وإلا فقد هلك " ([24]).

وقال صلى الله عليه وسلمعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: " كانت مولاة للنبي صلى الله عليه وسلمتصوم النهار، وتقوم الليل، فقيل له: إنها تصوم النهار، وتقوم الليل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلمإن لكل عمل شرة، والشرة إلى فترة، فمن كانت فترته إلى سنتي فقد اهتدى، ومن كانت فترته إلى غير ذلك، فقد ضل " وفي رواية: " فقد هلك " .

وعن عبد الله بن عمرو قال: " ذكر عند النبي صلى الله عليه وسلمقوم يجتهدون في العبادة اجتهادا شديدا فقال: تلك ضراوة الإسلام وشرته، ولكل عمل شرة، فمن كانت فترته إلى اقتصاد فنعماه، ومن كانت فترته إلى المعاصي، فأولئك هم الهالكون " ([25]).

" وعن عائشة -رضي الله عنها- أن النبي صلى الله عليه وسلمدخل عليها وعندها امرأة فقال: من هذه؟ قالت: هذة فلانة تذكر من صلاتها فقال: مه " ([26]) عائشة -رضي الله عنها- أثنت عليها ثناء كثيرا، أنها تصلي، وتقوم الليل، فقال الرسول صلى الله عليه وسلممه أي اسكتي، كفى عن هذا المدح " مه: عليكم بما تطيقون، فوالله لا يمل الله حتى تملوا " ([27]).

وكان أحب الدين إليه ما داوم عليه صاحبه.

وأختم بهذا الحديث: عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم" يا عبد الله لا تكن مثل فلان كان يقوم الليل فتركه " ([28]).

إذا -أيها الأخوة-: هذه أحاديث ونخلص من هذه الأحاديث إلى:

أن كل إنسان يصاب بالفترة لكن -وبالفتور- هناك من يصاب بالفتور قليلا، ثم يعود كما كان أو أحسن، وهناك من يصاب بالفتور، وهو الهلاك، وهو الذي نقصده في هذا الحديث.

ليس حديثي عن الذي يصاب بالفتور قليلا ثم ينشط، هذا ليس هو مجال حديثي، ولا يخلو منه أحد، ولا يسلم منه أحد، كما بين الرسول صلى الله عليه وسلملكنني أتحدث عن النوع الآخر من الفتور؛ أولئك الذين يفترون عن العمل، ويضعفون ثم يهلكون -والعياذ بالله-.






سابعاً: آثار عن السلف في الفتور



انظروا بعض الآثار عن السلف:

قال ابن مسعود: لما بكى في مرض موته رضي الله عنه إنما قيل له: ما يبكيك؟ قال: إنما أبكي؛ لأنه أصابني في حال فترة، ولم يصبني في حال اجتهاد، لما أصابه مرض الموت بكى قال: لأنه أصابني المرض، وكنت في حال فترة، ضعف، ويا ليت المرض أصابني وأنا في حال اجتهاد، وفرق بين من يصاب بمرض وهو في حال نشاط واجتهاد، وبين من يصاب بمرض وهو في حال فتور؛ لأن المريض والمسافر يكتب له ما كان يعمل في حال صحته، فبكى رضي الله عنه.

وعنه رضي الله عنه قال: " لا تغالبوا هذا الليل فإنكم لن تطيقوه، فإذا نعس أحدكم فلينصرف إلى فراشه، فإنه أسلم له " .

وقال الإمام النووي شارحا لحديث عائشة -رضي الله عنها-:

فيه الحث، الذي هو حديث عائشة، عندما قال لها الرسول صلى الله عليه وسلممه، فيه الحث على الاقتصاد في العبادة، والنهي عن التعمق، والأمر بالإقبال عليه بنشاط، وأنه إذا فتر فليقعد حتى يذهب الفتور.

قال ابن القيم، خذوا هذه الكلمات من الإمام ابن القيم -رحمه الله-:

تخلل الفترات للسالكين أمر لا بد منه، السالكين العباد طلاب العلم تخلل الفترات للسالكين أمر لا بد منه، فمن كانت فترته إلى مقاربة وتسديد، ولم تخرجه من فرض، ولم تدخله في محرم رجي له أن يعود خيرا مما كان.

ابن القيم وضع لنا حدا قال: إذا أصيب أحدكم بفتور، لا بد أن يصاب بالفتور، المهم ألا توصله حدا وضعه ابن القيم -رحمه الله-، وهو من معنى الأحاديث السابقة لا توقعك في محرم، ولا تجعلك تتخلى عن فرض.

ولذلك ورد عن علي رضي الله عنه أنه قال: إن النفس لها إقبال وإدبار، لاحظوا كلام جميل من الإمام علي رضي الله عنه النفس لها إقبال وإدبار، فإذا أقبلت فخذها بالعزيمة والعبادة، وإذا أدبرت فأقصرها على الفرائض والواجبات، أو كما قال رضي الله عنه لاحظتم هذه القاعدة وهي مهمة ستأتي -إن شاء الله- في أسباب الفتور لكنني أؤكدها هنا.

بعض الناس تكون نفسه منصرفة، فيه ثقل، فيجبر نفسه على ماذا؟ على النوافل ما الذي يحدث؟ يبدأ يحس بثقل شديد في النوافل، حتى بعد فترة طويلة، لا، إذا قصرت نفسه وثقلت، فاتركها لكن لا تتخلى عن الفرائض والواجبات، وإذا أقبلت نفسك، انشرحت فخذها بالعزيمة.

أحيانا تجد من نفسك رغبة في الصلاة، العبادة، فإذا وجدت هذه الرغبة، خذ النفس فيها، وأحيانا تحس بثقل، فأقصرها على الأقل، ولو تقصرها على الوتر ثلاث ركعات، أو ركعة واحدة.

أحيانا تجد عندك النفس مقبلة لقراءة كتاب الله -جل وعلا- فخذها، ولو تقرأ في اليوم عشرة أجزاء، وأحيانا تجد ثقلا فأقصرها على وردك اليومي، وحتى لو تركت الورد، وإن كان هذا يحدث خللا كما ذكر ابن تيمية، فإنك تعود أقوى -بإذن الله- إلى ذلك.

النفقة: أحيانا تجد في نفسك إقبالا على النفقة في سبيل الله، فخذها دون إفراط، وأحيانا تجد ثقلا فأقصرها على ما تستطيع وترغب ولا تكرهها؛ لأن هذا تكون آثاره خطيرة بعد ذلك.
ثامناً: مظاهر الفتور

التكاسل عن العبادات والطاعات



بعد ذلك أنتقل إلى النقطة التي -المسألة التي أيضا- رأيت في الإعلان عنها، وهي مظاهر الفتور:

بعد هذه المقدمات بتعريف الفتور، وأدلة الفتور من الكتاب والسنة، وتعريف العلماء وكلام العلماء والسلف في الفتور، نقف الآن حسبما يناسب المقام مع مظاهر الفتور، وإن كنت -أيها الأخوة- وأنا أنبه الآن إلى مظاهر الفتور أقول لكم: إن هذه المظاهر اجتهدت في تلمسها من الواقع، وفي بعض ما ذكره طلاب العلم، ولكن قد يكون الذي يصاب بالفتور أدرى الناس بالفتور الذي يصاب به، لماذا؟

طالب العلم الداعية يدرك الفتور من أول ما يقع فيه، بينما الذي يراقب الحالة، كالمربي والمعلم والشيخ، قد يجلس فترة طويلة حتى يكتشف الفتور، فأقول: يا أخي الكريم من هذا الكلام أنت أدرى الناس بمظاهر الفتور، ومع ذلك سأجتهد أن أبين هذه المظاهر لسببين:

للإنسان نفسه إن كنت وقعت في هذا الداء الذي سأشير إلى بعضه فانتبه لنفسك.

وثانيا: هي للدعاة وللمربين، انتبه يا أخي الكريم، أيها الداعية، يا طالب العلم، أيها المربي، انتبه لمن حولك من طلابك وتلاميذك.

أيها الأب: انتبه لأولادك، إن وجدت شيئا من هذا الداء فإنه قد بدأ المرض يدب في أوصاله، فتداركه قبل فوات الأوان.

أبرز مظهر من مظاهر الفتور كلنا نعرف: التكاسل عن العبادات والطاعات، مع ضعف وثقل أثناء أدائها، ومن أعظم الصلاة، قال -سبحانه وتعالى- واصفا المنافقين (وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً)([29]).

وقال -جل وعلا-: (وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ)([30]) هذا مظهر يا أخي إذا كنت تجد وأنت تقوم إلى الصلاة الفريضة ثقلا، فأنقذ نفسك، تدارك نفسك؛ لأن هذه صفة من صفات المنافقين -والعياذ بالله-.

لأن الصلاة -أيها الأخوة- والفرائض والواجبات لا مجال للفتور فيها، انتبهوا قد نتجاوز عن فتورك في بعض النوافل، قد يتجاوز عن فتورك في بعض الطاعات، قد يتجاوز عن فتورك في بعض العبادات والأعمال، لكن في الفرائض فلا، إن وجدت أنه إذَا أذّنَ قلت: باقي ثلث ساعة، ثم قلت: سألحق تكبيرة الإحرام، وإذا ذهبت فإذاك تقول: متى يأتي الإمام، وإذا تأخر دقيقة فنجد الدقة المتناهية عندك، تدرك كم تأخر الإمام دقيقة أو دقيقتين، وأنت تضيع الساعات، الساعة والساعتين.

وإذا أطال الإمام الصلاة، متوسط الصلاة سبع دقائق مثلا، نَقُل: صلاة العصر أو الظهر فتجد البعض اليوم يقول: الإمام طول، أصبحت تسع دقائق، لكنه لو يسمح له، ويقال: أنت لك غدا موعد مع وزير من الوزراء، أو مسئول من كبار المسئولين، لك ربع ساعة، قال: ما تكفي، فإذا دخل وجلس نصف ساعة قال: والله كأنها دقيقة، نصف الساعة كأنها دقيقة.

سبحان الله!، مع الله -جل وعلا- الصلاة صلة بين العبد وربه تحصي الفرق الدقيق أن الإمام زاد نصف دقيقة أو دقيقة أو دقيقتين، وما شاء الله تجد الحفظ الدقيق للأحاديث التي فيها الأمر بتخفيف الصلاة، حافظ هذه الأحاديث يمكن بأسانيدها، لكن اسألوا عن الأحاديث التي فيها إطالة الصلاة لا يعرف منها شيئا، ففيه ثقل في العبادة.

أقول: أنقذ نفسك، التثاقل عن الصلاة صفة من صفات المنافقين، ومظهر من أبرز مظاهر الفتور، ويدخل في هذا تبعا الضعف عن قيام الليل، وصلاة الوتر، وأداء السنن الرواتب، وبخاصة إذا فاتته، فقلّ أن يقضيها، ومن ذلك الغفلة عن قراءة القرآن وعن الذكر.

ومثل ذلك الشيطان هو الشيطان على كل حال، لا شك هو خبير، إذا جئت تنام أردت أن توتر قال: لا الوتر آخر الليل أفضل لك، إي والله صحيح أفضل، ثم إذا نمت وأردت أن تقوم قبل الفجر، قال: نام بَكِّرْ، إذا أذن الفجر قال: ما ينجيك، ويكرر هذا الأمر مرارا، ولا نتوب ولا نتعود.

والعلاج، قد تسألني: ما العلاج؟ يا أخي أقول لك: العلاج كما أوصى الرسول صلى الله عليه وسلمأبا هريرة " أوصاني خليلي بثلاث " ([31]) صلى الله عليه وسلممنها: " وأن أوتر قبل أن أنام " ([32]) نعم، وإذا هيأ الله لك أن تقوم آخر الليل، ما فيه مانع تقوم سواء أوترت، وهناك العلماء ذكروا كيف يوتر الإنسان، ولو أوتر آخر الليل، أما يتخذ الشيطان هذه الوسيلة قبل أن تنام يقول: لا آخر الليل أفضل لك، هو عارف أنك ما أنت قايم، وإلا حقيقة لو يعرف أنك ستقوم قال: لا، أفضّلُ لو توتر أول الليل، أخشى ما تقوم، خبير في هذه الأمور.

ولذلك مما ذكر ابن الجوزي أن زكريا -عليه السلام- لم يقم في ليلة من الليالي لقيام الليل، فجاءه الشيطان وقال له: أتعلم لماذا لم تقم الليل؟ قال: لا، قال: لأنك أكثرت طعاما كثيرا، أكلت طعاما كثيرا فأكثرت، قال: والله لا أكلت طعاما بعدها قبل أن أنام، قال الشيطان: وأنا -والله- لا أنصح أحدا بعدك بعد اليوم.

الله، مشكلة هذه، ما دام ثقل الطعام سيسبب أنه ما يقوم، وهذا فعلا سبب صحيح، قال: ما راح آكل طعاما أبدا، وفعلا جرب نفسك لا تأكل يوما من الأيام، أو كل المغرب، كما كان آباؤنا يفعلون، ما شاء الله، ما في أخف من قيام الليل، وما في أسهل من قيام لصلاة الفجر.

لكن الواحد إذا جاء، وأكل مما لذ وطاب كيف يقوم؟ فأقول: هذا مظهر من مظاهر الفتور.

الشعور بقسوة القلب وخشونته



من مظاهر الفتور: الشعور بقسوة القلب وخشونته، فلم يعد يتأثر بالقرآن والمواعظ، ورانت عليه الذنوب والمعاصي، قال سبحانه: (كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)([33]) ويكاد يصدق عليه وصف الله لقلوب اليهود (ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً )([34]).

ويصل من قسوة قلبه ألا يتأثر بموت، ولا ميت، ويرى الأموات، ويمشي في المقابر وكأن شيئا لم يكن، وكفى بالموت واعظا، وأعظم من ذلك عدم تأثره بآيات الله -جل وعلا- وهي تتلى عليه، ويسمع آيات الوعد والوعيد فلا خشوع ولا إخبات، والله -جل وعلا- يقول: (فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ)([35]) ويقول -جل وعلا-: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً)([36]).

وصلت الحال الآن من مظاهر الفتور في المقابر بعض الناس يأتون تبع جنازة، ويبيعون ويشرون في المقبرة، طبعا حريصون على عدم تضييع الوقت -جزاهم الله خيرا- نعم يبيعون ويشترون وهم تابعون جنازة، يخرجون من المقبرة، ويتحدثون في الدنيا ويأتون إلى الجنازة، ويتحدثون في الدنيا، وكأن شيئا لم يكن، حتى رأيتهم في مقبرة العود يدفنون الجنازة، والدخان بأيديهم، هذا ما هو فتور، هذا تعدى حدود الفتور -والعياذ بالله-.

لكن ألا تلمسون من أنفسنا أننا نتبع بعض الجنائز، وقل منا من يتأثر، والله أبدا ما سمعت الجيد الذي يتأثر أثناء الخبر، وبعد ربع ساعة يرجع إلى بيته وكأن شيئا لم يكن، ويذهب إلى أهله ولا يحس أهله بشيء، لا يحس أهله بشيء، أرأيتم هذا المرض؟









إلف الوقوع في المعاصي والذنوب



من مظاهر الفتور:

ويصل الفتور إلى درجة أبعد، إذا ألف الوقوع في المعاصي والذنوب وقد يصر على بعضها ولا يحس بخطورة ما يفعل، ويقول: هذه صغيرة، وتلك أخرى وهلم جرا، وقد يصل به الأمر إلى المجاهرة.

والمصطفى صلى الله عليه وسلميقول: " كل أمتي معافى إلا المجاهرين " ([37]) وأشير هنا إلى أن هناك فرقا بين الفتور والانحراف، ولكنني قد بينت هذا قبل قليل.

عدم استشعار المسئولية الملقاة على عاتقه



ومن أبرز مظاهر الفتور: عدم استشعار المسئولية الملقاة على عاتقه، والتساهل والتهاون بالأمانة التي حمله الله إياها، فلا تجد لديه الإحساس بعظم هذه الأمانة، والله -سبحانه وتعالى- يقول: (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْأِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً)([38]).

أرأيتم -أيها الأخوة- هذا المظهر هو مما نشكو منه الآن، وهذا من أخطر الأدواء: عدم إحساس كثير من الناس بالمسئولية التي ألقيت على عاتقهم، يسمع أخبار المسلمين فلا يتأثر، يسمع أحوال أمته فلا يتحرك قلبه، قد يرى مظاهر تحدث في الشوارع من بعض السفهاء ولا يقشعر قلبه.

أنا أسألكم أعطيكم مقياسا عمليا قريبا خلال اليومين الماضيين، أو الثلاثة الأيام الماضية رأيتم بعض تصرفات بعض السفهاء، وسمعتم، وأنا رأيت بعيني بعض هذه التصرفات، وغيري رأى تصرفات يندى لها الجبين، والله والصحف نشرت صورا لمثل هذه التصرفات، من منا تحرك قلبه؟ وعندما تحرك قلبه ماذا فعل؟

هل حافظ على أبنائه لا يقعوا في هذا البلاء؟ هل زار العلماء والمشايخ ونبههم إلى خطورة ما يجري؟ ربنا لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا (وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً)([39]).

سفه والله يندى له الجبين، فهل هذا أثر في حياتنا أو أننا نتسلى في هذه الأخبار؟ أو أننا ربما نتحمس ونقول: والله تصرفات من شباب لا يقدرون المسئولية، شباب لم يربهم أهلهم، شباب فعلوا، بعدين ماذا فعلنا بعد ذلك ما هي النتيجة؟ هل كان هذا الأمر موجودا قبل سنوات؟ لا فهذا مقياس أنا أعطيك إياه ليدل على: هل أنت عندك فتور أو ما عندك فتور؟ عدم استشعار المسئولية.

نسمع عن مصائب إخواننا في الصومال وفي البوسنة والهرسك، فهل هذا يؤثر فينا؟ وصلت إخوانكم في البوسنة والهرسك إلى أنهم لا يجدون ما يأكلون، البيضة بلغت اثني عشر ريالا، ومن يجد اثني عشر ريالا وأنتم تجتمعون طبق البيض بسبعة ريالات، والريالات موجودة في جيوبكم أيضا، هم لا يجدون شيئا، انتهاك الحرمات في البوسنة، اغتصاب النساء هل أثر فينا أو ما أثر؟.

هذا مقياس، إذن استشعار المسئولية هذا من المقاييس المهمة، ومن أسوأ المظاهر انفصام عرى الأخوة بين المتحابين، وضعف العلاقة بينهم، بل قد يصل الأمر إلى الوحشة بينهم، ومن ثم التهرب والصدود والبعد والجفا، وقد ورد عنه صلى الله عليه وسلماستمعوا إلى هذا الأثر، هذا الحديث أنه قال: " ما تواد اثنان في الله عز وجـل أو في الإسلام، فيفرق بينهما أول ذنب " ([40]) وفي رواية " ففرق بينهما إلا بذنب يحدثه أحدهما " ([41]).

استوحاش الأصحاب الصالحين



من علامات الفتور: أن الإنسان يكون له أصحاب، إذا وجدهم فرح بهم، إذا كلموه بالهاتف لمس أهله السرور على وجهه، وبعد فترة وبعد زمن فإذا هو يتوحش ويستوحش منهم، إذا قيل له: إن فلانا على الهاتف قال: اصرفوه، إذا قيل له: إن فلانا عند الباب قال: اعتذروا منه، إن لاقاه في الشارع أو في مناسبة من المناسبات فإذا بينهما وحشة، ومجاملة وثقل ويتمنى متى ينصرف عنه، هذه من علامات الفتور.

فبعد الحب وبعد اللقاء وبعد الأخوة في الله -جل وعلا- فإذا هو يتحول إلى جفاء، وإلى نفور، وإلى وحشة، بسبب ذنب أحدثه أحدهما أو كلاهما.

فيميل الإنسان إلى العزلة، أو يستعين بإخوانه السابقين، آخرين يسجون وقته ويستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير، وهذه هي المشكلة، يبدأ الشاب يتهرب عن زملائه، كان مع زملائه في المدرسة، كان مع إخوانه في الكلية، كان مع أصحابه في المسجد كان، فإذا بدأ هو يتهرب شيئا فشيئا، والنتيجة أحد أمرين: إما عزلة وانقطاع وهذا قليل، الأكثر الإنسان مدني بطبعه يبحث عن رفقة آخرين فيقع في يد رفقة سيئة يؤدون به -والعياذ بالله- إلى الانحراف.

فتجد هذا الشاب الذي كان محبا نشيطا، فإذا هو قد فتر وضعف ثم انحرف -والعياذ بالله-.

الاهتمام بالدنيا والانشغال بها عن العبادة وطلب العلم



من مظاهر الفتور: الاهتمام بالدنيا، والانشغال بها عن العبادة، وطلب العلم والدعوة إلى الله، والدنيا حلوة خضرة، فقلّ أن ينجو منها أحد.

عرفنا أناسا بطلب العلم، عرفناهم بالدعوة إلى الله، عرفناهم بالنشاط، عرفناهم في مكتبات المساجد، عرفناهم في جمعيات المدارس، الآن ما هي أخبارهم؟ اللهاث وراء الدنيا، نحن لا نقول: إن طلب الدنيا حرام، لا، لكن بدلا إن كان يكتفي من الدنيا بالكفاف فإذا هو يلهث وراء هذه الدنيا، وإذا هو قد ترك العمل الذي هو فيه، وإذا هو حتى قد ترك العلم، وما بقي معه من العلم إلا قليلا، أو لم يبق معه شيء، وإذا هو يكتفي بالحوقلة والاستعاذة، هذا مظهر من مظاهر الفتور.

كثرة الكلام دون عمل يفيد الأمة وينفع الأجيال



من مظاهر الفتور: كثرة الكلام دون عمل يفيد الأمة، وينفع الأجيال، فتوجد هذا النوع يتحدثون عما عملوا سالفا وكنا وكنا، وكنت وكنت، ويتسلون بهذا القول عن العمل الجاد المستمر، والله -جل وعلا- يقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ)([42]) وهذا مصداق قول الرسول صلى الله عليه وسلم" ما ضل قوم بعد هدى إلا أوتوا الجدل " ([43]).

هذا النوع الآن كثير، شباب طيبون، ما شاء الله فيهم خير، والله لكن تجد جلساتهم أحاديث وكنا وكنا وكنا، ونفعل، وأذكر منا ممن درسنا بعض مشايخنا جاءوا من دولة عربية أو من بعض الدول العربية، وكانوا دائما يقول لنا: ونحن في الكلية عندما كنا دعاة، عندما كنا دعاة، عندما كنا مع الدعاة، سبحان الله، والآن فعلا هم لم يعودوا دعاة، ويتسلون ويحدثوننا عما فعلوا طيب لماذا لا تحدثوننا عما تفعلون الآن وعما ستفعلون غدا؟.

ما عندهم شيء كنا كذا، كنا نفعل كذا، كنت عندما كنت طالبا أفعل كذا، كنت خطيبا في مسجد، ووالله حتى أصبحت نكتة على أمثال هؤلاء، كنت وكنت، هذا بلاء موجود الآن، هناك نوعية الآن من الناس فئة من الشباب يتسلون بالماضي، لكن لا تجد عندهم عملا في الحاضر، ولا عملا في المستقبل، هذا مظهر من مظاهر الفتور.

الغلو والاهتمام بالنفس



من مظاهر الفتور: الغلو والاهتمام بالنفس، مأكلا ومشربا وملبسا ومسكنا ومركبا، فبعد أن كان لا يلقي لهذه الأشياء بالا إلا في حدود ما شرع الله، فإذا هو قد أصبح يبالغ فيها، يبالغ في ثيابه، يبالغ في مسكنه، بدل ما كان لا يبالي إلا في حدود الشرع (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ)([44]) فإذا السيارة ما شاء الله من أحسن السيارات، وتنظيفها يوميا، والثوب كل يوم يغيره، أو كل يومين، والله أذكر أنني لقيت داعية، أو واحدا من هؤلاء، مع أن فيه خيرا كثيرا، لكن لم يعد هو الذي كنا نعرفه قبل سنوات.

إذا سافر لمدة عشرين يوما يأخذ أكثر من عشرين أو خمسة عشر ثوبا، عنايته بثيابه عجيبة جدا، نحن ما نقول: إن الإنسان لا يلبس الجميل، لا والله لا، لكن في حدود الكفاف " البذاذة من الإيمان " ([45]) في حدود الكفاف.

النظافة مطلوبة نعم، لكن ادخل إلى بيته، تجد البيت الذي كأنه من القصور، فالعناية، الاهتمام الزائد، المبالغة، الغلو فبعد أن كان هذا الشخص لا يلقي لهذه الأمور بالا، وينشغل في العبادة وفي العلم وفي الدعوة إلى الله.

أحد السلف قيل له ابن عقيل الحنبلي لماذا تسف الكعك، وتلتهمه وتلحقه بالماء، ولا تغط الخبز بالمرق؟ قال: وجدت بيْن لَهْمِ الكعك أي سف الكعك، وإلحاقه بالماء، وغط الخبز بالمرق قراءة خمسين آية، طيب وين ابن عقيل عن وجباتنا، كم عندنا من نوع؟ وكم عندنا من الطعام؟ وكم نجلس على المائدة؟.

شيء عجيب يا إخوان، فبعد أن كان هذا الشاب يأكل ما يأتي، ولا يفكر الآن يقيم الدنيا مع أهله ومع زوجته، الله يعين زوجته عليه، الطعام فيه كذا، ولماذا الطعام ما فيه كذا؟ لماذا ما وضعت إلا نوعين أو ثلاثة؟ سبحان الله الملابس لو يأتي يوم يجد الثوب ما كوي لو يجد الثوب، تأخرت زوجته أو أخته أو أمه بكي الثوب أقام الدنيا ولم يقعدها، لكن الأمر بسيط، والمسألة سهلة حفظك الله.

فالعناية، حتى وصلت والله ببعض الشباب، وهم طيبون فيهم خير، فيهم صلاح يعتنون بملابسهم والله أكثر من بعض النساء، نعم وتجده أمام المرآة يهتم في مظهره، لا يا أخي الكريم، لا تبالغ هذه المبالغة (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ)([46]).

فمن مظاهر الفتور: العناية الزائدة في المأكل، والملبس والمركب والمسكن، هذا نوع من أنواع يصاب به الإنسان.

انتفاء الغيرة، وضعف الإيمان، وعدم الغضب إذا انتهكت محارم الله



أيضا: انتفاء الغيرة، وضعف الجذوة -الإيمان- وعدم الغضب إذا انتهكت محارم الله، فيرى المنكرات ولا تحرك فيه ساكنا، ويسمع عن الموبقات وكأن شيئا لم يكن، وقد يكتفي بالحوقلة والاسترجاع إن كان فيه بقية

مــا لجــرح بميـت إيلام





من يهن يسهل الهوان عليه



أكمل -إن شاء الله- ما باقي إلا القليل بعد الأذان مباشرة -إن شاء الله-.

بسم الله الرحمن الرحيم.

وقبل أن أبدأ أذكر الإخوان بسنة نسيها الكثير، وهي الصلاة على الرسول صلى الله عليه وسلمبعد انتهاء الأذان.

السُّنَّة أن نتابع المؤذن، وأن نقول مثلما يقول إلا في الحوقلة، إلا في الحيعلة فإن الإنسان يحوقل، فإذا انتهى أكثر الناس مباشرة يقول:

اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة، وأنا أقول: هذا من تأثير ما يسمعون أحيانا في الإذاعات أو غيرها، ولا بأس هذا الدعاء وارد، لكن السنة أن نصلي على الرسول صلى الله عليه وسلمثم نقول: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة الدعاء المأثور، فمحافظة على السنة وإحياء لها بارك الله فيكم.



ضياع الوقت وعدم الإفادة منه



أقول: أختم هذه المظاهر بهذه المظاهر السريعة من مظاهر الفتور:

ضياع الوقت وعدم الإفادة منه، وتسجيته بما لا يعود عليه بالنفع، وتقديم غير المهم على الأهم، والشعور بالفراغ الروحي، والوقت وعدم البركة في الأوقات، وتمضي عليه الأيام لا ينجذ فيها شيئا يذكر.

الآن كثير من الناس، وهو مصاب بداء الفتور يقول: والله تغير الزمان، أنا ما أستفيد من وقتي، لا يا أخي الكريم ما تغير الزمان العيب فيا:

ومـا لزماننـا عيـب سوانا





نعيـب زماننـا والعيب فينـا

ولـو نطق الزمان بنا هجانا





ونشـكو ذا الزمان بغير حق



فمن مظاهر الفتور: ضياعة الوقت، وهذه شكوى عامة، دليل أن هناك بلاء؛ ولذلك نجد أن الجادين ما عندهم وقت.

أعطيكم مثالا واحدا:

سماحة الشيخ: عبد العزيز بن باز -حفظه الله- وثبته على الحق وبارك في عمره، يقول أحد من يعرفه معرفه جيدة: إنني منذ عدة سنوات والله ما رأيته أضاع خمس دقائق، خمس دقائق التي هي ثلاثة مائة ثانية، مع أنه يعمل يوميا قرابة ثمانية عشر ساعة في الدعوة، والعلم والعبادة، وعمره فوق الثمانين، بارك الله في عمره، هل يمكن أن نقول عن سماحة الشيخ: عبد العزيز أنه فتر؟ أبدا لكن أولئك الذين يضيعون أوقاتهم أمرهم عجيب.

المظهر الثاني من مظاهر الفتور: الأخيرة لأني أعطيتها أرقاما جديدة مظهر انتبهوا له يا شباب أنا نعم أركز، اسمحوا لي أخص الشباب لأسباب هم يعرفونها، لكثرة ما يقعون في هذا الأمر، ولأن من شبَّ على شيء شاب عليه.

علـى مـا كان عوده أبوه





وينشأ ناشئ الفتيان منا





عدم الاستعداد للالتزام بشيء والتهرب من كل عمل جدي



من مظاهر الفتور: عدم الاستعداد للالتزام بشيء، والتهرب من كل عمل جدي خوفا من أن يعود إلى حياته الأولى، هكذا يسول له شيطانه زخرف القول غرورا، يتهرب ما يلتزم بشيء، مستعد يذهب مع زملائه في رحلة، مستعد يحضر بعض الدروس، لكن دون التزام أبدا، ما يريد أن يلتزم بشيء لا بدرس ثابت، ولا بعمل معين، هذا مظهر من مظاهر الفتور، حتى ولو رأيناه في صفوف، ولو رأيناه في حلق العلم، ولو رأيناه في مقاعد الدراسة.

هذا مظهر، فإذا رأيت الذي يتهرب دون أن يلتزم فقد بدأ فيه الداء، الفوضوية في العمل، فلا هدف محدد، ولا عمل متقن، أعماله ارتجالية، أعماله ارتجالا يبدأ في هذا العمل ثم يتركه، ويشرع في هذا العمل، الأمر ولا يتمه، ويسير في هذا الطريق ثم يتحول عنه، وهكذا دواليك، نعم مظهر من مظاهر الفتور:

عدم الاستقرار على عمل معين.

خداع النفس من مظاهر الفتور بالانشغال، وهو فارق وبالعمل وهو عاطل ينشغل في جزئيات لا قيمة لها، ولا أثر يذكر ليس لها أصل في الكتاب أو السنة، إنما هي أعمال يقنع نفسه بجدواها ومشاريع وهمية لا تسمن ولا تغني من جوع.

النقد لكل عمل إيجابي



اسمعوا إلى هذا المظهر: النقد لكل عمل إيجابي، دائما ينقد، أيش رأيك والله في العمل الفلانى؟ هذا فيه كذا وكذا، ما رأيك في الدروس عند الشيخ فلان؟ والله بس عليها الملاحظات الفلانية، ما رأيك في المحاضرات؟ فيها كذا وكذا، طيب لماذا لا تشارك في مكتب الدعوة؟ قال: والله لاحظت عليهم الملاحظات الفلانية.

ما شاء الله جاهز للنقد، النقد لكل عمل إيجابي تنصلا من المشاركة، والعمل وتضخيم الأخطاء والسلبيات، تبريرا لعجزه وفتوره.

تراه يبحث عن المعاذير، ويصطنع الأسباب للتخلص والفرار: (وَقَالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ)([47]).

التسويف والتأجيل وكثرة الأماني



وأخيرا من مظاهر الفتور:

وقلّ منا من يسلم إلا من سلمه الله: التسويف والتأجيل وكثرة الأماني، وأحلام اليقظة، يبني مشاريع من سراب، ويقيم أعمالا من خيال، عمل اليوم يؤخره أياما، وما يمكن أن يُؤدَّى في أسبوع يمكث فيه أشهرا، وفي كل يوم يزداد إفلاسا وفتورا.

هذه مظاهر أو هذه بعض مظاهر الفتور.

اختصرتها بما يناسب المقام، وغدا -بإذن الله- سنقف مع صلب الموضوع -كما قلت- وإن كانت هذه المقدمة أصل في الموضوع مع أسباب الفتور؛ لأننا إذا عرفنا الأسباب سنعرف العلاج بإذن الله.

أسأل الله لي ولكم التوفيق والسداد، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.



[1] - سورة آل عمران آية : 102 .

[2] - سورة النساء آية : 1 .

[3] - سورة الأحزاب آية : 70-71 .

[4] - سورة المائدة آية : 19 .

[5] - سورة الأنبياء آية : 20 .

[6] - سورة فصلت آية : 38 .

[7] - سورة البقرة آية : 282 .

[8] - سورة البقرة آية : 282 .

[9] - سورة البقرة آية : 282 .

[10] - سورة فصلت آية : 49 .

[11] - سورة الزخرف آية : 75 .

[12] - سورة الزخرف آية : 75 .

[13] - سورة الزخرف آية : 75 .

[14] - سورة آل عمران آية : 64 .

[15] - سورة المائدة آية : 19 .

[16] - سورة آل عمران آية : 146 .

[17] - البخاري : الجمعة (1150) ومسلم : صلاة المسافرين وقصرها (784) والنسائي : قيام الليل وتطوع النهار (1643) وابن ماجه : إقامة الصلاة والسنة فيها (1371) وأحمد (3/101) .

[18] - البخاري : الجمعة (1150) .

[19] - البخاري : الجمعة (1150) .

[20] - الترمذي : صفة القيامة والرقائق والورع (2453) .

[21] - أحمد (2/210) .

[22] - أحمد (2/210) .

[23] - أحمد (2/210) .

[24] - أحمد (2/188) .

[25] - أحمد (2/165) .

[26] - البخاري : الإيمان (43) والنسائي : قيام الليل وتطوع النهار (1642) وابن ماجه : الزهد (4238) وأحمد (6/51) .

[27] - البخاري : الإيمان (43) ومسلم : صلاة المسافرين وقصرها (785) والنسائي : قيام الليل وتطوع النهار (1642) والإيمان وشرائعه (5035) وابن ماجه : الزهد (4238) .

[28] - البخاري : الجمعة (1152) ومسلم : الصيام (1159) .

[29] - سورة النساء آية : 142 .

[30] - سورة التوبة آية : 54 .

[31] - البخاري : الجمعة (1178) والنسائي : قيام الليل وتطوع النهار (1677) وأبو داود : الصلاة (1432) وأحمد (2/258 ,2/489 ,2/499) والدارمي : الصلاة (1454) .

[32] - البخاري : الصوم (1981) .

[33] - سورة المطففين آية : 14 .

[34] - سورة البقرة آية : 74 .

[35] - سورة ق آية : 45 .

[36] - سورة الأنفال آية : 2 .

[37] - البخاري : الأدب (6069) ومسلم : الزهد والرقائق (2990) .

[38] - سورة الأحزاب آية : 72 .

[39] - سورة الإسراء آية : 16 .

[40] - أحمد (5/71) .

[41] - أحمد (2/67) .

[42] - سورة الصف آية : 2-3 .

[43] - الترمذي : تفسير القرآن (3253) وابن ماجه : المقدمة (48) .

[44] - سورة الأعراف آية : 31 .

[45] - أبو داود : الترجل (4161) وابن ماجه : الزهد (4118) وأحمد (5/270) .

[46] - سورة الأعراف آية : 31 .

[47] - سورة التوبة آية : 81 .





بسم الله الرحمن الرحيم(رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) [البقرة/286]


Sahar
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sadakasoft.ahlamountada.net
زكرياء
مدير الموقع
مدير الموقع


البلد: غير معروف
الهواية :
عدد المساهمات عدد المساهمات: 6490
الجنس: ذكر
نقاط: 171369
السمعة السمعة: 99

مُساهمةموضوع: رد: موسوعة الخطب المكتوبة و الدروس    السبت أكتوبر 26, 2013 12:08 am

التأني


بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - الوليد بن عقبة إلى قبيلة بني المصطلق ليجمع منهم الزكاة وأموال الصدقات، فلما أبصروه قادمًا، أقبلوا نحوه لاستقباله؛ فظن الوليد أنهم أقبلوا نحوه ليقتلوه، وأنهم ارتدوا عن الإسلام. ورجع إلى المدينة دون أن يتبين حقيقة الأمر، وأخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك.

فأرسل النبي - صلى الله عليه وسلم - خالد بن الوليد - رضي الله عنه - ومعه جيش من المسلمين، وأمرهم بالتأني، وألا يتسرعوا في قتال بني المصطلق حتى يتبينوا حقيقة الأمر، فأرسل خالد إليهم بعض الرجال، ليعرف أحوالهم قبل أن يهاجمهم؛ فعاد الرجال، وهم يؤكدون أن بني المصطلق لا يزالون متمسكين بالإسلام وتعاليمه، وقد سمعوهم يؤذنون للصلاة ويقيمونها، فعاد خالد إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - دون قتال، ليخبره أن بني المصطلق ما يزالون على إسلامهم.

ونزل قول الله -تعالى-: {يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قومًا بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين} [الحجرات: 6].



*بعث الرسول - صلى الله عليه وسلم - أسامة بن زيد إلى أقوام رفضوا دعوة الإسلام، فحاربهم أسامة ومن معه حتى هزمهم، وفرَّ رجل منهم؛ فتبعه أسامة ورجل من الأنصار؛ ولـمَّـا اقتربا من هذا الرجل الفارِّ، وأوشكا على قتله. قال الرجل: لا إله إلا الله، فكف الأنصاري وتركه، أمَّا أسامة فظن أنَّه قال: لا إله إلا الله خوفًا من القتل، فطعنه برمحه، فقتله.

ولما قدموا المدينة بلغ النبي - صلى الله عليه وسلم - ما حدث، فقال: (يا أسامة، أقتلتَه بعدما قال: لا إله إلا الله؟!). فأجاب أسامة: يا رسول الله، إنما كان متعوذًا (أي: قالها لينجو بها من القتل)؛ فكرر الرسول - صلى الله عليه وسلم - قوله: (أقتلتَه بعدما قال لا إله إلا الله؟).

قال أسامة: فما زال يكررها، حتى تمنيتُ أني لم أكن أسلمتُ قبل ذلك اليوم. [مسلم].



*وقع سُهَيْل بن عمرو أسيرًا في أيدي المسلمين يوم بدر، وكان خطيبًا مفوَّهًا بليغًا، فأراد عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أن يقتلع أسنانه الأمامية حتى لا يخطُب في الكفار، ويحرِّض المشركين على القتال، فاستأذن النبي - صلى الله عليه وسلم - قائلا: دعني أنزع ثنيتي سهيل؛ فلا يقوم علينا خطيبًا؛ فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: (دعها؛ فلعلها أن تَسُرَّك يومًا).

وفي فتح مكة أسلم سهيل، وحسن إسلامه، ولما مات النبي - صلى الله عليه وسلم - أراد بعض أهل مكة أن يرتدوا عن الإسلام، فقام سهيل - رضي الله عنه - يخطب فيهم، ويذكرهم بالله، ويحثهم على الثبات، والتمسك بالدين، فسمعوا له وأطاعوا.



*ما هو التأني؟

التأني هو التَّثَبُّت والتمهُّل وعدم التعجُّل. والمسلم يحرص على التأني والتمهل في أموره كلها، فهو لا يهمل في عمله، وإنما يؤدي ما عليه بتأنٍّ وإخلاص وإتقان، وقد قال الإمام علي - رضي الله عنه -: لا تطلب سرعة العمل، واطلب تجويده، فإن الناس لا يسألون في كم فرغ، وإنما ينظرون إلى إتقانه وجودته.

والطالب يتأنى في مذاكرته، ويفهم دروسه جيدًا، وقد قال بعض الحكماء: من أسرع في الجواب حاد عن الصواب. وقال آخر: من تأنَّى نال ما تمنى.

والمسلم يخشع في عبادته، ويؤديها بتمهل وتأنٍّ وإتقان؛ فإن كان مصليَّا صلى في خضوع وخشوع لله رب العالمين، وإن كان يدعو ربه دعاه في تضرع وتذلل، يبدأ دعاءه بحمد الله وتمجيده، والصلاة على رسوله، فقد سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - رجلا يدعو في صلاته، ولم يمجد الله - سبحانه - ولم يصلِّ على النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال له: (عَجِلْتَ أيها المصلي).

وسمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجلا يصلى فمجَّد الله وحمده، وصلى على النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال له - صلى الله عليه وسلم -: (ادعُ تُجَبْ، وسل تُعْطَ) [النسائي].

وعلى المسلم ألا يتعجل إجابة الدعاء، فقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (يُسْتَجَابُ لأحدكم ما لم يَعْجَل؛ يقول: دعوتُ، فلم يُسْتَجَبْ لي) [متفق عليه].



فضل التأني:

قال - صلى الله عليه وسلم -: (السَّمْتُ الحسن والتؤدة والاقتصاد جزء من أربعة وعشرين جزءًا من النبوة) [الترمذي].

وقال - صلى الله عليه وسلم - لأحد الصحابة: (إنَّ فيك خصلتين يُحِبُّهُما الله: الحـلم، والأناة) [مسلم].

وقال - صلى الله عليه وسلم -: (الأناة من الله، والْعَجَلَةُ (التسرع في غير موضعه) من الشيطان) [الترمذي].



العجلة:

أمرنا الله -تعالى- بعدم الاستعجال؛ فقال - تعالى -: {يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قومًا بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين} [الأنبياء: 37].

وقيل: إن المُنْبَتَّ لا أرضًا قطع، ولا ظهرًا أبقى (أي الرجل الذي يستعجل دابته؛ فيضربها لكي يصل سريعًا، فإنه باستعجاله لا يصل إلى مراده، ولا يريح دابته، وقد تهلك منه).

وقيل: من ركب الْعَجَلَ أدركه الزلل.



العجلة في الخيرات:

المسلم إذا أراد أن يفعل خيرًا، فإنه يقدم على فعله، ولا يتأخر، فإذا أراد أن يتصدق بصدقة، فعليه أن يسرع في إخراجها. كذلك إذا فعل طاعة معينة فعليه أن يبادر بها، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (التُّؤدة في كل شيء إلا في عمل الآخرة) [أبو داود].

كما أمرنا النبي - صلى الله عليه وسلم - بتعجيل الفطر عند الصيام؛ فقال: (لا يزال الناس بخير ما عَجَّلوُا الفطر) [متفق عليه].

ويتضح من هذا أنه ليس هناك تأنٍّ في فعل الخيرات، والدخول فيها، قال - تعالى -: {وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين} [آل عمران: 133].

وهنا تكون العجلة في سبيل الفوز بالجنة، أما ما سوى ذلك من أمور الدنيا، فالمسلم يتأنى فيها ويتمهل.





بسم الله الرحمن الرحيم(رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) [البقرة/286]


Sahar
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sadakasoft.ahlamountada.net
زكرياء
مدير الموقع
مدير الموقع


البلد: غير معروف
الهواية :
عدد المساهمات عدد المساهمات: 6490
الجنس: ذكر
نقاط: 171369
السمعة السمعة: 99

مُساهمةموضوع: رد: موسوعة الخطب المكتوبة و الدروس    الثلاثاء نوفمبر 12, 2013 11:44 pm

معادن الناس
ناصر محمد الأحمد
ملخص الخطبة
1- المقياس الحقيقي في التفاضل بين الناس 2- اهتمام القرآن بذكر معادن وكذلك السلف اعتنوا بذلك من أجل التثبّت من نقل الأخبار 3- آثار تظهر على الجوارح يُعرف من خلالها معادن الناس 4- فئات المجتمع المسلم
الخطبة الأولى
 
 
أما بعد:
روى البخاري في صحيحه حديث الصحابي الجليل، أبي هريرة رضي الله عنه قال: قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: من أكرم الناس؟ قال: ((أكرمهم: أتقاهم. قالوا: يا نبي الله،  ليس عن هذا نسألك. قال: فأكرم الناس يوسف نبيُّ الله، ابن نبيَّ الله، ابن نبي الله، ابن خليل الله. قالوا: ليس عن هذا نسألك. قال: أفعن معادن العرب تسألونني؟ قالوا: نعم، قال: فخياركم في الجاهلية، خياركم في الإسلام إذا فقهوا)). هذا الحديث من جوامع كلمه عليه الصلاة والسلام، ولنا وقفة، مع معادن الناس خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا.
المعدن: هو الشيئ المستقر في الأرض، وكلنا يعلم بأن المعادن منها النفيس ومنها الخسيس وكذلك الناس معادن، فمن الناس من معدنه نفيس، ومن الناس من معدنه خسيس. والنفاسة والخسة في معادن الناس، لا علاقة لها بالنسب والحسب والقبيلة والدولة. وإنما نفاسة الناس وخستهم، بحسب ما معهم من التقوى والدين والخوف من الله، والالتزام بأحكام الإسلام، وبما اتصفوا به من محاسن الأخلاق، وكرائم الفضائل من العفة والحلم والمروءة، وغيرها من الصفات الحميدة، ((فمن بطئ به عمله لم يسرع به نسبه)). وإن أكرمكم عند الله أتقاكم . فالقضية ليست لأنك من البلد الفلاني، أو النسب الفلاني، وإنما القضية ما مدى قربك وبعدك عن أوامر الله. روى البخاري في صحيحه عن سهل بن سعد قال: مر رجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ((ما تقولون في هذا؟ قالوا: حرىّ إن خطب أن ينكح وإن شفع أن يشفع وإن قال أن يُسمع. قال ثم سكت. فمر رجل من فقراء المسلمين، فقال: ما تقولون في هذا؟ قالوا: حرى إن خطب ألا ينكح وإن شفع أن لا يشفع وإن قال أن لا يُستمع. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا خير من ملئ الأرض مثل هذا)).
أيها المسلمون: قد يعترض شخص ويقول: لماذا تصنفون الناس، ونحن نعلم بأن تصنيف الناس أمر مذموم؟ فيقال: على حسب التصنيف فإن كان على أساس البعد والقرب من أحكام الله ورسوله، فنعم التصنيف حينئذٍ، إما إن كان على اعتبار النعرات الجاهلية القبلية، فبئس التصنيف عندئذ.
إنك لتجد الآيات الكثيرة في كتاب الله، صنف الناس، وفرز معادنهم على الأساس الأول فسورة البقرة مثلاً، وهي أكبر سور القرآن، بدأت بتقسيم الناس إلى ثلاث فئات: فئة تؤمن بالله، وأخرى كافرة، وثالثة جائرة مترددة مخادعة، عظيمة الخطر، أطال الكلام عنها لخطورتها، وهم المنافقون. فهذا تصنيف وتقسيم للناس، وفرز لمعادنهم. بل وأنت تمضي في تلاوة آيات السورة نفسها، تجد معادن الناس: ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً يحبونهم كحب الله .  ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل ، ومن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا وماله في الآخرة من خلاق وهكذا.
بل لو تأملت في سورة براءة تجد أيضاً تقسيم الناس على هذا الأساس وتجد معادنهم فمنهم  من يقول ائذن لي ولا تفتني و منهم من يلمزك في الصدقات .
و منهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن و منهم من عاهد الله لئن أتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين . ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرماً ويتربص بكم الدوائر . ومن الأعراب منافقون ، ومن أهل المدينة مردوا على النفاق . وكل هذا ذكر لمعادن الناس بحسب قربهم وبعدهم عن دين الله جل وتعالى. بل إن الله سبحانه وتعالى زاد الأمر إيضاحاً في بعض النوعيات من المعادن. فذكر أن من الناس من معدنه معدن الكلب  أن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون ساء مثلاً القوم الذين كذبوا بآياتنا وأنفسهم كانوا يظلمون .
ومن الناس، من معدنه معدن الحمار: مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفاراً بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله والله لا يهدي القوم الظالمين .
أيها المسلمون: إن معرفة معادن الناس، أمر مهم، وليس هو من فضول المعرفة، بل إنه يتعين على الدعاة خاصة والمصلحين والمربين، معرفة هذه المعادن وإلا فكيف يريدون أن يتعاملوا مع أناس يجهلونهم، وكيف تريد أن تربي وأن تصلح وأن تنتقل من مرحلة لأخرى، مع أناس تجهل معادنهم، فمعرفة أحوال الناس وأصناف الرجال وطبائعهم وأخلاقهم، من المعاني المطلوبة شرعاً لو كان القصد منها الإصلاح والدعوة، وما كتب الرجال وتراجمهم، ومصنفات الجرح والتعديل إلا كلام في معادن الناس، وقد اهتم السلف بهذا الجانب من أجل حفظ الشريعة. والتوثق من نقل الأخبار والآثار وبذلك ميزوا لنا صحيحها من سقيمها.
عباد الله: إن هناك آثاراً تظهر على الجوارح والأبدان، يمكن من خلالها معرفة معادن الناس، ومراتب الرجال. وهذا على الأغلب صحيح أن النوايا لها دور بارز في هذا، لكن النوايا علمها عند المطلع على النوايا، أما نحن فليس لنا إلا الظاهر. فنقول: بأن من غلب عليه آثار الخوف، كالبكاء مثلاً إذا سمع آيات ونصوص الوعيد، فهو من الخائفين بمعنى أن هذه العلامة أو هذا الأثر الظاهر على جوارحه وهو البكاء، عند سماع الوعيد يدل في الغالب على أنه من الخائفين، وإن كان تصنّع هذه الحالة، يمكن أن يحسنها البعض في بعض المواقف. ومن غلب عليه السرور والاستشعار والفرح عند سماعه لنصوص الوعد، فاعلم أنه من الراجين. ومن غلب عليه بغض الصحابة وشتم أبي بكر وعمر والطعن في أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، فاعلم أن معدن هذا الرجل، معدن خسيس، باطن، مناوئ لأهل السنة بل من المعادين لهم. ومن غلب عليه محبة العلم والعلماء، وغلب عليه الحرص على كتب العلم والقراءة والإطلاع وحضور الدروس والمحاضرات، واستغلال الأوقات في هذا المجال، فاعلم أنه طالب علم. ومن غلب عليه انتقاص العلماء، وعيب الدعاة، والطعن في أعراض المؤمنين، وذم الصالحين، وتتبع عوراتهم، حتى أنه لم يسلم منه حتى الميتين، فاعام أنه منافق، محارب للدعوة مبغض لحزب المؤمنين.
ومن غلب عليه العمل بالدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتزم بما يدعو إليه، وتكلف تبعة دعوته، فاعلم أنه من الدعاة المخلصين العاملين، الذين يهمهم قضايا المسلمين. يفرحون لفرحهم، ويحزنون لحزنهم، وهؤلاء بإذن الله تعالى، هم الذين يحبون سيرة السلف الصالح أمثال سعيد بن المسيب وأحمد بن حنبل والعز بن عبد السلام وعبد الله بن المبارك، وشيخ الإسلام ابن تيمية وغيرهم. وهؤلاء هم الذين سيعيدون بإذن الله للأمة مكانتها، ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أوله. إن هؤلاء هم الذين ثبتوا على المنهج فكانوا كما وصفهم الله تعالى بقوله: والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم . إن أمثال هؤلاء ينبغي أن تمد لهم الأيدي لأنهم أمل الأمة بعد الله،  وهم نجدتها، وإن كانوا في هذه الفترة أعز من الياقوت الأحمر. نخلص من هذا أيها الأحبة، بأن هناك بعض الآثار وهناك بعض المظاهر إذا ظهرت على الشخص فإنه في الغالب يدل على معدنه. وما ذكرته أمثلة وإلا فأصناف المعادن أكثر من هذا: ففتش في نفسك يا عبد الله أي الآثار التي ذكرت يغلب عليك، لأن بعضها قد يحدد دخول الإنسان ملة الإسلام أو خروجه منه.
ثم إن معرفة هذه الآثار مهمة، والتنبيه عليها وإعطاء بعض الأمثلة مهم من جهة الأفراد أنفسهم لأن الشخص قد يظن أنه على الجادة وهو في الحقيقة منحرف عنها. فكم من عاصي يظن أنه مطيع، وكم من بعيد يظن أنه قريب. ومن مخالف يعتقد أنه موافق ومن منتهك يعتقد أنه متمسك، ومن مدبر يعتقد أنه مقبل، ومن هارب يعتقد أنه طالب ومن جاهل يعتقد أنه عارف، ومن آمن يعتقد أنه خائف، بل كم من مراءٍ يعتقد أنه مخلص ومن ضال يعتقد أنه مهتد، ومن أعمى يعتقد أنه مبصر. والشرع أيها الأحبة هو الميزان، يوزن به معادن الرجال. وبه يتبين النفيس من الخسيس فمن رجح في ميزان الشرع كان من أولياء الله وتتفاوت مراتب الرجحان. ومن نقص في ميزان الشرع، فأولئك هم أهل الخسران، وتتفاوت أيضاً دركات خفتهم في الميزان.
فنسأل الله جل وتعالى بأسمائه أن يهدينا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا هو وأن يصرف عنا سيئها.
أقول هذا . . .
 
 
الخطبة الثانية
 
 
أما بعد: فإن معادن الناس التي تتالف منها مجتمعات المسلمين اليوم خاصة، تتكون من ثلاث فئات من الناس، ولا يمكن أن يخرج فرد من الأفراد عنها بحال وهذه الفئات هي:
1 - الفئة المصلحة الداعية إلى الخير.
2 - الفئة المفسدة الداعية إلى الشر.
3 - فئة الأتباع والمقلدة.
ولا يمكن لأي فرد منا إلا وهو واقف تحت مظلة، من هذه المظلات الثلاث.
أما المعدن الأول: وهم الفئة المصلحة الداعية للخير فهؤلاء هم أشراف المجتمع وأحسنهم قولاً، وأثراً على الناس، وأنبلهم غاية وأسماهم هدفاً، وهؤلاء هم الذين عناهم الله عز وجل بقوله:  ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين . وهم الذين عناهم الله في قوله: التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله وبشر المؤمنين وهم الذين عناهم الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله: ((ولا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة، لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله تبارك وتعالى)). هذا المعدن، هو أشرف المعادن بحق، كيف لا، وهم يحملون أعظم رسالة، وأنبل غاية ألا وهي تعبيد الناس لرب العالمين. وإخراجهم بإذن الله من ظلمات شهوة الحيوانيين وشبهات العلمانيين إلى نور الهداية والدين. كيف لا يكون معدن هؤلاء أنفس معدن، وهم الذين يضحون بأوقاتهم وأموالهم وراحاتهم، في سبيل إنقاذ الناس من عذاب الله تعالى في الدنيا، وعذابه الأليم في الآخرة. لاشك أن هذا الصنف من أنفس المعادن.
المعدن الثاني: الفئة المفسدة الداعية إلى الشر والصادة عن الخير،  وهؤلاء هم سفلة المجتمع وهم أراذل الناس وهم أخس المعادن، لأنهم خانوا ربهم وخانوا أمتهم، وظلموها وعرضوا الناس للشقاء والنكد في الدنيا، والعذاب الأليم في الآخرة، وهؤلاء هم الذين عناهم الله عز وجل بقوله: وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون .
إن هذه الفئة هي التي تحارب الدعوة، وهي صاحبة المكر والكيد، لكنهم مساكين لأن الله تعالى يقول في نهاية الآية: وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون إن الذي يكره انتشار الخير - ويبغض أهله، وينشر الفساد، ويصد عن سبيل الله، إنما هو بين أمرين لا ثالث لهما: إما أنه لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر. وما الحياة عنده إلا هذه الدنيا فهو يسعى ليجمع ويظلم ويبطش. فهذا كافر مرتد قولاً واحداً. وإما أن يكون ممن يؤمن بالله واليوم الآخر، لكن الدنيا بزخارفها ومناصبها أسكرت عقله، وغطت لبه فأصبح في قمة الغفلة، حتى استمرأ الفساد وصارت الدنيا أكبر همه، يلهث وراءها، ويجمع حطامها ولو كان عن طريق الفساد والإفساد، فهذا يؤمن بالآخرة لكن لا عقل له. كما أن الأول لا إيمان له وقد يخسر إيمانه في النهاية. وما علم هؤلاء بأن العاقبة للمتقين، وبأن المستقبل للإسلام، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.
المعدن الثالث: فئة الأتباع وعامة الناس وهم الذين لم يصلوا في أخلاقهم وأهدافهم إلى مستوى الفئة الشريفة المصلحة، ولم يهبطوا إلى مستوى الفئة المفسدة الوضيعة، إنما هي بين الفئتين، ولديها الاستعداد للخير الذي تدعوا إليه الأولى، كما أن لديها الاستعداد لتلقي الشر والفساد الذي تسعى لنشره الفئة الثانية. وهذا يؤكد عليكم يا أهل الخير، ويا شباب الدعوة، ويا بغاة الإصلاح، يؤكد أهمية الدعوة إلى الله، وقطع الطريق على الفئة المفسدة حتى لا ينحرف الناس عن الجادة. والملاحظ أن هذه الفئة هي السواد الأعظم من المسلمين. ولهذا يقوم التدافع بين عناصر المعدن الأول وعناصر المعدن الثاني على الفئة الثالثة، وهو ما يسمى بالصراع بين الحق والباطل قال الله تعالى: ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين . فينبغي على الفئة الأولى أن تجتهد في الخير وأن تسعى في نشره بكل وسيلة، وأن تأتي بالجديد المرغّب، لكسب أكبر عدد من الفئة الثالثة.لتندحر المعادن الخسيسة، وتدخل في جحورها، وهي خاسئة مندحرة بإذن الله عز وجل. والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.




بسم الله الرحمن الرحيم(رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) [البقرة/286]


Sahar
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sadakasoft.ahlamountada.net
زكرياء
مدير الموقع
مدير الموقع


البلد: غير معروف
الهواية :
عدد المساهمات عدد المساهمات: 6490
الجنس: ذكر
نقاط: 171369
السمعة السمعة: 99

مُساهمةموضوع: رد: موسوعة الخطب المكتوبة و الدروس    الثلاثاء نوفمبر 12, 2013 11:45 pm

نحن والمزاح
عبدالملك القاسم
دار القاسم
 
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وبعد:
 
فإن الإنسان مدني بطبعة، ومع اتساع المدن وكثرة الفراغ لدى بعض الناس، وانتشار أماكن التجمعات العامة كالمنتزهات والاستراحات، وكثرة الرحلات البرية، والاتصالات الهاتفية، واللقاءات المدرسية، والتجمعات الشبابية، توسع كثير من الناس في المزاح مع بعضهم البعض، دون ضابط لهذا الأمر الذي قد يؤدي إلى المهالك، ويورث العداوة والبغضاء.
 
والمراد بالمزاح: الملاطفة والمؤانسة، وتطييب الخواطر، وإدخال السرور. وقد كان هذا من هدي النبي كما ذكر ذلك البخاري في باب الانبساط إلى الناس مستدلاً بحديث: { يا أبا عمير ما فعل النغير }.
 
وكذلك ما رواه أبو داود عن أنس أن رجلا أتى النبي فقال: يا رسول الله احملني. فقال النبي : { إنا حاملوك على ولد الناقة } قال وما أصنع بولد الناقة؟ فقال النبي : { وهل تلد الإبل إلا النوق }.
 
وعن أنس أن النبي قال له: { يا ذا الأذنين } يمازحه [رواه الترمذي].
 
ولا شك أن التبسط لطرد السأم والملل، وتطيب المجالس بالمزاح الخفيف فيه خير كثير، قال ابن تيمية رحمه الله: " فأما من استعان بالمباح الجميل على الحق فهذا من الأعمال الصالحة"، وقد اعتبر بعض الفقهاء المزاح من المروءة وحسن الصحبة، ولاشك أن لذلك ضوابط منها:
 
1- ألا يكون فيه شيء من الإستهزاء بالدين:
 
فإن ذلك من نواقض الإسلام قال تعالى: وولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزءون، لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم [التوبة:65-66]، قال ابن تيمية رحمه الله: "الاستهزاء بالله وآياته ورسوله كفر يكفر به صاحبه بعد إيمانه".
 
وكذلك الاستهزاء ببعض السنن، ومما انتشر كالإستهزاء باللحية أو الحجاب، أو بتقصير الثوب أو
غيرها.
 
قال فضيلة الشيخ محمد بن معثيمين - رحمة الله - في المجموع الثمين (1/ 63): "فجانب الربوبية والرسالة والوحي والدين جانب محترم لا يجوز لأحد أن يبعث فيه لا باستهزاء، ولا بإضحاك، ولا بسخرية، فإن فعل فإنه كافر، لأنه يدل على استهانته بالله عز وجل ورسله و كتبه وشرعه، وعلى من فعل هذا أن يتوب إلى الله عز وجل مما صنع، لأن هذا من النفاق، فعليه أن يتوب إلى الله ويستغفر ويصلح عمله ويجعل في قلبه خشية الله عز وجل وتعظيمه وخوفه ومحبته، والله ولي التوفيق".
 
2- ألا يكون المزاح إلا صدقا:
 
قال : { ويل للذي يحدث فيكذب ليضحك به القوم ويل له } [رواه أبو داود].
 
وقال محذرا من هذا المسلك الخطير الذي اعتاده بعض المهرجين: { إن الرجل ليتكلم بالكلمة ليضحك بها جلساءه يهوي بها في النار أبعد من الثريا } [رواه أحمد].
 
3- عدم ا لترويع:
 
خاصة ممن لديهم نشاط وقوة أو بأيديهم سلاح أو قطعة حديد، أو يستغلون الظلام وضعف بعض الناس ليكون ذلك مدعاة إلى الترويع والتخويف، عن ابن أبي ليلى قال: حدثنا أصحاب محمد أنهم كانوا يسيرون مع النبي ، فنام رجل منهم فانطلق بعضهم إلى حبل معه فأخذه ففزع، فقال رسول : { لا يحل لمسلم أن يروع مسلما } [رواه أبو داود].
 
4- الإستهزاء والغمز و اللمز:
 
الناس مراتب في مداركهم وعقولهم وتتفاوت شخصياتهم، وبعض ضعاف النفوس - أهل الاستهزاء والغمز واللمز - قد يجدون شخصا يكون لهم سلما للإضحاك والتندر - والعياذ بالله - وقد نهى الله عز وجل عن ذلك فقال تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان [الحجرات:11]، قال ابن كثير في تفسيره: "المراد من ذلك احتقارهم واستصغارهم والإستهزاء بهم، وهذا حرام، ويعد من صفات المنافقين".
 
والبعض يستهزي بالخلقة أو بالمشية أو المركب ويخشى على المستهزىء أن يجازيه الله عز وجل بسبب استهزائه قال : { لا تظهر الشماتة بأخيك، فيرحمه الله ويبتليك } [رواه الترمذي].
 
وحذر من السخرية والإيذاء؛ لأن ذلك طريق العداوة والبغضاء قال : { المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره، التقوى ها هنا - ويشير إلى صدره ثلاث مرات - بحسب إمرىء من الشر أن يحقر أخاه المسلم. كل المسلم على المسلم حرام؟ دمه، وماله، وعرضه } [رواه مسلم].
 
5- أن لا يكون المزاح كثيرا:
 
فإن البعض يغلب عليهم هذا الأمر ويصبح ديدنا لهم، وهذا عكس الجد الذي هو من سمات المؤمنين، والمزاح فسحة ورخصة لاستمرار الجد والنشاط والترويح عن النفس.
 
قال عمر بن عبد العزيز - رحمه الله -: "اتقوا المزاح، فإنه حمقة تورث الضغينة".
 
قال الإمام النووي - رحمه الله -: "المزاح المنهي عنه هو الذي فيه إفراط ويداوم عليه، فإنه يورث الضحك وقسوة القلب، ويشغل عن ذكر الله تعالى: ويؤول في كثير من الأوقات إلى الإيذاء، ويورث الأحقاد، ويسقط المهابة والوقار، فأما من سلم من هذه الأمور فهو المباح الذي كان رسول الله يفعله".
 
6- معرفة مقدار الناس:
 
فإن البعض يمزح مع الكل بدون اعتبار، فللعالم حق، وللكبير تقديره، وللشيخ توقيره، ولهذا يجب معرفة شخصية المقابل فلا يمازح السفيه ولا الأحمق ولا من لا يعرف.
 
وفي هذا الموضوع قال عمر بن عبد العزيز: "اتقو المزاح، فإنه يذهب المروءة".
 
وقال سعد بن أبي وقاص: "اقتصر في مزاحك، فإن الإفراط فيه يذهب البهاء، ويجرىء عليك السفهاء".
 
7- أن لا يكون المزاح بمقدار الملح للطعام:
 
قال : { لا تكثر الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب } [صحيح الجامع:7312].
 
وقال عمر بن الخطاب - -: "من كثر ضحكه قلت هيبته، ومن مزح استخف به، ومن أكثر من شيء عرف به".
 

فإياك إياك، المزاح فإنه *** يجرىء عليك الطفل والدنس النذلا
ويذهب ماء الوجه بعد بهاءه *** ويورثه من بعد عزته ذلا
 

 
 
8- ألا يكون فيه غيبة:
 
وهذا مرض خبيث، ويزين لدى البعض إنه يحكى ويقال بطريقة المزاح، وإلا فهو داخل في حديث النبي : { ذكرك أخاك بما يكره } [رواه مسلم].
 
9- اختيار الأوقات المناسبة للمزاح:
 
كأن تكون في رحلة برية، أو في حفل سمر، أو عند ملاقاة صديق، تتبسط معه بنكتة لطيفة، أو طرفة عجيبة، أو مزحة خفيفة، لتدخل المودة على قلبه والسرور على نفسه، أو عندما تتأزم المشاكل الأسرية ويغضب أحد الزوجين، فإن الممازحة الخفيفة تزيل الوحشة وتعيد المياه إلى مجاريها.
 
 
أيها المسلم:

 
 
قال رجل لسفيان بن عيينة - رحمه الله -: المزاح هجنة - أي مستنكر - فأجابه قائلا: "بل هو سنة، لكن لمن يحسنه ويضعه في مواضعه".
 
والأمة اليوم وإن كانت بحاجة إلى زيادة المحبة بين أفرادها وطرد السأم من حياتها، إلا أنها أغرقت في جانب الترويح والضحك والمزاح فأصبح ديدنها وشغل مجالسها وسمرها. فتضيع الأوقات، وتفنى الأعمار، وتمتلىء الصحف بالهزل واللعب.
 
قال : { لو علمتم ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا } قال في فتح الباري: "المراد بالعلم هنا ما يتعلق بعظمة الله وانتقامه ممن يعصيه، والأهوال التي تقع عند النزع والموت وفي القبر ويوم القيامة". وعلى المسلم والمسلمة أن ينزع إلى اختيار الرفقة الصالحة الجادة في حياتها ممن يعينون على قطع ساعات الدنيا والسير فيها إلى الله عز وجل بجد وثبات، ممن يتأسون بالأخيار والصالحين، قال بلال بن سعد: "أدركتهم يشتدون بين الأغراض، ويضحك بعضهم إلى بعض، فإذا كان الليل كانوا رهبانا".
 
وسئل ابن عمر رضي الله عنهما: "هل كان أصحاب رسول الله يضحكون؟
قال: نعم، والإيمان في قلوبهم مثل الجبال".
 
فعليك بأمثال هؤلاء، فرسان النهار، رهبان الليل.
 
جعلنا الله وإياكم ووالدينا من الآمنين يوم الفزع الأكبر، ممن ينادون في ذلك اليوم العظيم: ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.




بسم الله الرحمن الرحيم(رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) [البقرة/286]


Sahar
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sadakasoft.ahlamountada.net
زكرياء
مدير الموقع
مدير الموقع


البلد: غير معروف
الهواية :
عدد المساهمات عدد المساهمات: 6490
الجنس: ذكر
نقاط: 171369
السمعة السمعة: 99

مُساهمةموضوع: رد: موسوعة الخطب المكتوبة و الدروس    الثلاثاء نوفمبر 12, 2013 11:47 pm

السرف في الأموال والمتاع
إبراهيم محمد الحقيل
 
من طبيعة البشر التوسعُ في النفقات، والمبالغة في الاستهلاك، وهدرُ الأموال عند أول شعور بالثراء واليسار، ولا يعرفون أي معنى لوفرة المال إذا لم يصاحبها استهلاك أكثر، ورفاهية وتمتع بالكماليات أوسع. وقد صرح القرآن بأن من طبيعة الإنسان السرف عند الجدة، وتجاوز حدود القصد والاعتدال. قال الله ـ تعالى ـ: {كَلاَّ إنَّ الإنسَانَ لَيَطْغَى (6) أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى} [العلق: 6 - 7]، وقال ـ تعالى ـ: {وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأَرْضِ وَلَكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاءُ إنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ} [الشورى: 27].
ولتهذيب الإنسان وتربيته أمر الله ـ تعالى ـ بالقصد في الأمور كلها حتى في أمور العبادات كيلا يملها العبد. قال ـ عليه الصلاة والسلام ـ: «والقصدَ القصدَ تبلغوا» أخرجه البخاري وبوَّب عليه بقوله: «باب القصد والمداومة على العمل»(1)
وضـدُّ الـقـصـد السـرف وهـو منهي عنـه كـمـا في قـولـه ـ تعـالى ـ: {وَلا تُسْرِفُوا إنَّهُ لا يُحِبُّ الْـمُسْرِفِينَ} [الأعراف: 31]. قال عطاء ـ رحمه الله تعالى ـ: نُهوا عن الإسراف في كل شيء(1).
*  أنواع السرف: